Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الريف السوداني في اختبار صعب للتعافي من الحرب

جهود متواصلة لإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة وتوفير الخدمات لاستعادة النشاط وتعزيز المشروعات الصغيرة والمتوسطة

مواطنة سودانية تزرع البذور في حقل بولاية القضارف شرق البلاد (أ ف ب) 

ملخص

دراسة للأمم المتحدة أكدت أن 71% من الأسر في الريف باتت لا تملك أراضي زراعية بسبب طول أمد الحرب، التي أدت إلى انحسار المساحات الزراعية.

لم تقتصر تداعيات الحرب في السودان على المدن الكبرى فحسب، بل امتدت إلى المناطق الريفية التي يقطن فيها نحو 46 في المئة من السودانيين، الذين يعتمدون على الزراعة والرعي، الدعامتين الرئيستين للاقتصاد، إذ تستوعبان نحو 80 في المئة من القوى العاملة في البلاد، وأسهم تصاعد القتال في اضطراب سبل العيش وأصبح نصف الأسر الريفية يعاني اختلالاً في الموارد المدرة للدخل.

جراء هذه الأوضاع يتجدد الأمل في استعادة الريف السوداني موقعه والقيام بدور محوري في دعم الاقتصاد الوطني من خلال تنفيذ مشاريع تنمية الريف ورفع كفاءة الإنتاج وتعزيز الإنتاج الزراعي والحيواني، وكذلك دعم الأمن الغذائي ومكافحة الفقر.

وتبذل الحكومة المركزية جهوداً لإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة وتوفير الخدمات لاستعادة النشاط الزراعي وتعزيز المشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال الشراكات مع المنظمات الدولية والمانحين.

خطة وشراكات

في السياق كشف وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم عن خطة الحكومة لتنظيم عمل سكان المناطق الريفية وتعزيز قدراتهم بمشاريع صغيرة ترفع كفاءة الإنتاج وتقلص دائرة الفقر، وذلك بالتنسيق مع شركاء التنمية لتنفيذ المشاريع الاقتصادية لتحسين مستوى معيشة المواطنين.

وأثنى إبراهيم على جهود الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) في مكافحة الفقر بمناطق الريف اعتماداً على شراكة الصندوق الاستراتيجية مع السودان منذ عام 1977، مشيراً إلى أن بلاده تتطلع لزيادة التمويل المباشر، وإسهام الصندوق كشريك في حشد واستقطاب تمويل المؤسسات الدولية والمانحين لدعم التعافي الزراعي وإعادة إعمار الريف السوداني، وكذلك الاستفادة من خبرات ومكانة (إيفاد) الدولية في دعم القطاع الزراعي لتحقيق الأمن الغذائي والتشغيل وتحسين مستوى دخل الشباب والمرأة والفئات الضعيفة والنازحين وإعادة دمجهم في الأنشطة الإنتاجية.

 

من جانبها أشادت المدير القطري للصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) رشا عمر بالتزام السودان كأول دولة تسدد إسهامها في مشروع التجديد الـ14 للصندوق.

وأشارت إلى أن "الصندوق يركز على معالجة التحديات الجذرية التي تواجه المجتمعات الريفية ببناء القدرة على الصمود المناخي، وإدارة الموارد الطبيعية، إضافة إلى تمكين المرأة والشباب وتطوير سلاسل القيمة الزراعية للأسواق وزيادة القيمة المضافة للمنتجات الزراعية، إلى جانب تعزيز الأمن الغذائي الوطني، ودعم تنظيمات المنتجين والقطاع الخاص فنياً، فضلاً عن الدعم المالي المحدود".

ولفتت عمر إلى تنسيق الصندوق لتنفيذ أهدافه مع مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية، وفرص التعاون مع مؤسسة (صلتك) في قطر، والتي تعني بمبادرة توطين الشباب في القرى وإتاحة فرص عمل جيدة لهم.

أوضاع كارثية

وبحسب دراسة أجراها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية أخيراً عن سبل العيش في السودان وسط النزاع المسلح، فإن 37 في المئة من الأسر أصبحت تعيش في مساكن منهارة، بينما أقل من 10 في المئة من تلك الأسر تملك دورات مياه صحية، في مقابل 32.3 في المئة من الأسر لا تحصل على خدمات المياه والكهرباء.

وأوضحت الدراسة أن 71 في المئة من الأسر في الريف باتت لا تملك أراضي زراعية بسبب طول أمد الحرب، التي أدت إلى انحسار المساحات الزراعية.

 

وأرجعت الأسر عدم تمكنها من زراعة أراضيها إلى الهجمات المتواصلة من الأطراف المتصارعة، مما أدى إلى عدم تمكنها من ارتياد الأسواق وشراء المواد الأساس والعجز عن مجابهة ارتفاع الأسعار بسبب الحواجز المادية والقيود الاقتصادية، مما أسهم في نقص حاد في الغذاء.

وشددت الدراسة على وجوب حدوث تدخلات عاجلة لتعزيز وصول المساعدات الإنسانية وتنشيط النظم الزراعية واستعادة سلاسل التوريد للتخفيف من حدة الأزمة الغذائية ومنع مزيد من التصعيد، فضلاً عن أن 59 في المئة من الأسر الريفية تعاني انعدام الأمن الغذائي، مع تسجيل أعلى معدلات انتشاره في ولايات دارفور وغرب وجنوب كردفان والنيل الأزرق والخرطوم والجزيرة، علاوة على مواجهتها صدمات مثل المرض والوفاة أو الأحداث المناخية.

تحديات وعقبات

على صعيد متصل يرى عضو هيئة تنمية الريف في ولايات كردفان صديق البشري أن "محدودية قدرة الدولة على الاستجابة المنفردة في ظل ضيق الموارد وتآكل المؤسسات تجعل من الصعوبة تنفيذ خطوة النهوض بشروع تنمية الريف السوداني، بخاصة في ظل صعوبة الوصول إلى المناطق الريفية التي تشهد نزاعات مسلحة، إضافة إلى نزوح ملايين السكان بسبب تصاعد القتال وتزايد معدلات الانتهاكات ضد المدنيين".

وحذر البشري من "المبالغة في التفاؤل، خصوصاً مع غياب الإطار المؤسسي والقدرة على استيعاب الدعم الدولي وتوجيهه بفاعلية لأن الحلول الأحادية مثل المساعدات الطارئة أو الدعم الموقت لا تكفي لتأهيل مناطق يقطن فيها نحو 46 في المئة من السودانيين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح عضو هيئة تنمية الريف أن "المناطق في ولايات كردفان الثلاث تعرضت للتدمير والتخريب وعمليات السلب والنهب، فضلاً عن تشريد ملايين السكان، واضطر العالقون في القرى إلى ترك مهنة الزراعة والرعي للمرة الأولى في حياتهم ونزحوا نحو المدن، مما أدى إلى خروج معظم أراضي الزراعية التقليدية من دائرة الإنتاج، علاوة على فقدان الثروة الحيوانية نتيجة حوادث السرقة المتكررة لمئات رؤوس المواشي من الضأن والماعز، إضافة إلى تعرض رعاة كثر للقتل بسبب مقاومة اللصوص والمجموعات المسلحة خلال رحلة التنقل في المراعي".

رؤية تنموية

يعتقد المتخصص في التنمية الريفية رمضان أحمد بأن "مشروع تنمية الريف السوداني الذي يستند إلى تجميع القرى، وإنشاء الجمعيات التعاونية وتطوير الزراعة والرعي، يمثل رؤية تنموية قابلة للتنفيذ متى توفرت الإرادة والإطار المؤسسي الداعم، ومن ثم فإن السودان سيكون قد اتجه إلى التطور الحقيقي، إذ يصبح الريف عوضاً عن كونه مهمشاً، محوراً للنهضة الاقتصادية الوطنية".

واقترح أحمد فكرة مشروع يقوم على تجميع القرى المتقاربة من خمس إلى 10 قرى في وحدة سكنية وتنموية واحدة تعرف بـ"التجمع الريفي"، إذ يُعاد تخطيطها وتشييدها وفق معايير الخدمات الحديثة، على أن تشمل شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، إلى جانب المدارس ومراكز التدريب والابتكار الزراعي والمناطق الخدمية".

وبين أن "هذا الانتقال من نمط العشوائية والتشتت إلى التخطيط المركزي سيسهم في توفير وقت وجهد السكان، وتعزيز قدرتهم على الإنتاج والابتكار، بدلاً من إنفاق وقتهم في تدبير حاجاتهم الأساسية مثل جلب الماء والحطب اللذين لا يزالان يشكلان عبئاً يومياً على سكان الريف السوداني".

ونوه المتخصص في التنمية الريفية بأن "خطة المشروع تتضمن إنشاء جمعية تعاونية في كل تجمع ريفي لكي تتولى استصلاح الأراضي التي جرى إخلاء القرى منها وتحويلها إلى وحدات إنتاجية، فضلاً عن تحويل قطاع الرعي من نمط الترحال والصراع إلى نمط مستقر ومنتج، عبر إنشاء مراع مغلقة، بمساحات تراوح ما بين 500 و1000 متر مربع، مزودة بآبار مياه، مما يسهم في تقليل كلف الحفر والتشغيل، مبيناً أن "هذه النقلة ستحقق الاكتفاء الغذائي، وتدعم الصناعات التحويلية مثل المسالخ ومصانع الألبان والمدابغ، مما يدعم القيمة المضافة للمنتج الحيواني ويفتح آفاقاً جديدة للتصدير".

وواصل في القول "لهذا المشروع آثار بعيدة المدى، منها توسيع الطبقة الوسطى عبر تحويل المزارعين والرعاة إلى شركاء في الإنتاج والثروة، مما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويقلل معدلات الفقر، إضافة إلى جذب الريف للسكان بدلاً من النزوح إلى المدن، وزيادة القيمة المضافة للمنتجات المحلية، وكذلك يسهم مشروع تنمية الريف في حلحلة النزاعات التقليدية بين الرعاة والمزارعين، ويحولها إلى علاقات تعاون وتكامل إنتاجي، مما يعزز السلم المجتمعي".

استهداف ممنهج

على صعيد متصل أوضح الناشط في مجال التنمية الريفية بإقليم دارفور ياسر سليمان أن "قوات ’الدعم السريع‘ استهدفت بصورة ممنهجة غالبية الأسر المنتجة في المناطق الريفية التي تنشط في مجال الزراعة والرعي، إلى جانب تهجير السكان قسراً من مزارعهم وأراضيهم التي يقتاتون منها ونهب ماشيتهم".

وأشار إلى أن "الهجمات المستمرة على المناطق الريفية تسببت في تلوث مصادر المياه، مما أدى إلى هجرة بعض الأسر نحو المناطق الأكثر أمناً، وهجر الرعي والزراعة".

ولفت سليمان إلى أن "طول أمد الحرب أفرز حاجة ملحة إلى إيجاد حلول بديلة لمحاربة الفقر المدقع والجوع من خلال تنفيذ مشاريع تنمية في المناطق الريفية لتوفير الاكتفاء الذاتي والمحافظة على السكان من الهلاك".

متطلبات مهمة

على صعيد ذي صلة، قالت المتخصصة في الزراعة الريفية سامية كرار إن "ضعف سلاسل القيمة المحلية قبل الحرب كان يثقل كاهل الاقتصاد الريفي، إذ واجه المزارعون صعوبات في الوصول إلى الأسواق، وارتفاع كلف المدخلات، وضعف خدمات الإرشاد الزراعي، ومع اندلاع النزاع المسلح، تفاقمت هذه المشكلات إلى أزمات تستلزم معالجة هيكلية لا يمكن تجاهلها".

وترى كرار أن "التعافي الحقيقي للزراعة في المناطق الريفية مرتبط بتحسين الأمن وترسيخ المؤسسات وتوفير تمويل مستدام، وخلق فرص اقتصادية بديلة داخل المجتمع الريفي وربط المنتجين بالأسواق الإقليمية والدولية".

وتابعت "مشروع تنمية الريف السوداني الذي تعتزم الحكومة المركزية تنفيذه ينبغي ألا يقتصر على الحلول الطارئة فحسب، بل يجب أن يتحول إلى مشروع تنموي شامل يربط بين الإنتاج والأسواق والخدمات الاجتماعية في الريف".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير