ملخص
يحذر خبراء من أن تراجع الأشجار والمساحات الخضراء في ظل موجات الحر المتصاعدة لن يقتصر أثره في البيئة، بل سيمتد إلى الاقتصاد والصحة وجودة الحياة، مهدداً بفقدان الظل والتوازن المناخي وحتى الإرث الثقافي الذي شكلته الأشجار عبر قرون.
رسم خبراء البيئة صورة قاتمة لمستقبل المشهد الطبيعي في المملكة المتحدة، إذ ستفرض موجات الحر وأحوال الجفاف هيمنتها على فصول الصيف خلال الأعوام المقبلة.
وقد اندلعت سلسلة حرائق في أنحاء المملكة المتحدة خلال الشهر الماضي، من بينها حرائق مدمرة في أراضي سوفولك البرية، ومحمية "نيو فورست"، وفي منطقة وست ميدلاندز.
وأعلنت البلاد حال الجفاف في نحو 70 في المئة من إنجلترا، مما أدى إلى جفاف الأنهار والحقول، فيما تتجه المملكة المتحدة نحو تسجيل أكثر فصول الصيف حرارة على الإطلاق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تبقى أوروبا القارة الأكثر تضرراً من ارتفاع درجات الحرارة، ومع تفاقم أزمة المناخ ستواجه المملكة المتحدة فصول صيف أشد حرارة وجفافاً في الأعوام المقبلة.
ويقول الخبراء إن هذه المتغيرات، التي تلقي بظلالها على المدن والبلدات، والحياة البرية، والمتنزهات، والمزارع، وحتى الثقافة العامة، ستكون بالغة العمق إلى حد أنها ستضر بصحة الناس وتؤثر سلباً في الاقتصاد البريطاني.
الأشجار والأسيجة النباتية
تقول إيما غيلمارتن، كبيرة المسؤولين الفنيين في "جمعية العناية بالأشجار"، إن التغيير الأكثر وضوحاً في المشهد الطبيعي سيتمثل في ظهور مساحات خالية من الأشجار في البلدات والقرى والريف.
وتضيف "سنلمس هذه الآثار يومياً، عندما نعبر الطريق اتقاء للشمس، أو نجول بالسيارة في موقف السيارات بحثاً عن بقعة من الظل".
ويجمع الخبراء على أن توالي فترات الجفاف الطويلة سيضعف الأشجار ويتسبب في موت أجزاء من تيجانها، وقد يؤدي إلى موتها بالكامل، كذلك سيجعل الأسيجة أكثر ضعفاً وعرضة للتضرر.
ولوحظ هذا العام ما يسمى "الخريف الكاذب"، إذ تموت أوراق الأشجار وتتحول إلى اللون البني وتتساقط قبل أوانها. ويقول عالم البيئة سام دورهام، الذي يعمل في مجال ترميم الطبيعة، إن الناس سيشهدون هلاك بعض الأنواع في وقت أبكر، كذلك سيتراجع تنوع أصناف الأشجار في المملكة المتحدة.
ويوضح دورهام قائلاً "لا يمكن للأشجار الصمود أمام هذا الإجهاد لأعوام متتالية من دون أن ينتهي بها المطاف إلى الموت، وسوف نرى أجزاء كاملة من الأسيجة النباتية تذبل وتتحول إلى اللون الأصفر وتموت".
كذلك تضاعف فترات الطقس الحار والجاف الممتدة من أخطار ظاهرة "تساقط الأغصان الصيفي"، والتي ينكسر فيها فجأة غصن يبدو في ظاهره سليماً.
من جهته، يقول جيمي برات من شركة "تايلر غرينج" للاستشارات البيئية: "غالباً ما تقع هذه الحوادث في أيام الصيف الحارة والساكنة، من دون وجود رياح أو عواصف يمكن تحميلها المسؤولية، بل تنجم مباشرة عن إجهاد ناجم عن الجفاف".
ويضيف برات أن أنواع الأشجار القادرة على تحمل الجفاف، من قبيل القيقب الحقلي، والهورنبيم (الزان الأبيض)، والبلوط الدائم الخضرة، ستكتسي أهمية أكبر.
كذلك تبقى الأشجار إحدى أفضل الوسائل لمكافحة تغير المناخ و"جزر الحرارة" heat islands، وهي ظاهرة تتركز فيها درجات الحرارة في البلدات والمدن.
بفضل الأشجار، تنخفض الحرارة هناك درجات عدة، ومن دونها ستصبح الآثار الصحية لارتفاع درجات الحرارة أكثر حدة.
ولكن الخبراء يقولون إن المملكة المتحدة تواجه بالفعل أزمة في بقاء الأشجار المزروعة ونموها. فقد وجدت دراسة بتكليف من مؤسسة "فند فور تريز" Fund4Trees أن أقل من نصف الأشجار المزروعة في المناطق الحضرية كانت في حال جيدة، وأن شجرة واحدة من كل خمس أشجار كانت قد ماتت بالفعل.
وتحذر الدكتورة غيلمارتن من أن زراعة أجيال جديدة من الأشجار وضمان بقائها ونموها ستصبح أكثر صعوبة.
وتوضح "لا ينمو عدد كبير منها كما ينبغي لأنها لا تتلقى الرعاية اللاحقة التي تحتاج إليها في الأعوام التي تلي زراعتها"، لذا لا تتحقق الفوائد البيئية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت الدافع وراء زراعتها. وربما تستغرق الأشجار 40 عاماً أو أكثر قبل أن تبلغ مرحلة النضج وتصبح قادرة على إفادة المجتمع.
وبحسب إد باين كبير مستشاري الحفاظ على الأشجار في مؤسسة "وودلاند ترست" Woodland Trust، يفاقم الجفاف جميع الضغوط الأخرى التي تواجهها الأشجار، من قبيل الآفات والأمراض وأعمال البناء في المدن التي تضغط التربة وتعوق نمو الجذور.
وباستخدام بيانات من النرويج، تشير حسابات باين إلى أن إنجلترا ربما تفقد، خلال 60 عاماً، نصف أشجار البلوط الضاربة في القدم، البالغ عددها نحو 3 آلاف شجرة، والتي يتجاوز عرض جذوعها الستة أمتار.
ويحذر باين من الدخول في حلقة مفرغة تموت فيها الأشجار، فتتوقف عن امتصاص الكربون.
ويقول باين "إننا نهيئ ظروفاً يصعب فيها تجدد الأشجار، وليس لدينا تأثيرها في تبريد الجو، لذا فإن فقدانها يقود إلى موت مزيد من الأشجار".
الحياة البرية
ينبه عالم البيئة دورهام من أن طيور الحدائق المغردة المحبوبة ستصبح أكثر عرضة للخطر في المستقبل.
ويقول "تثمر الأشجار في وقت مبكر جداً، ولكن عندما يحل الخريف الحقيقي، وتبدأ الطيور والثدييات الصغيرة وغيرها من كائنات في حاجة فعلاً إلى ذلك الغذاء، تكون الثمار قد ظهرت واختفت بالفعل".
ويتوقع دورهام أن تشهد الطبيعة تراجعاً تدريجاً في أعداد بعض أنواع الطيور، ومن بينها الشحرور وأبو الحناء اللذان يبحثان عن الحشرات وديدان الأرض في التربة الرطبة وبين الأوراق المتساقطة.
ويقول دورهام إن "هذه [الحشرات والديدان] لا تعود متاحة للطيور عندما تصبح الأرض قاسية وجافة من شدة الحرارة".
ويوضح قائلاً "لذا ستلاحظون هذا التراجع [في أعداد الطيور]، كذلك تراجع أعداد الطيور الريفية المحبوبة التي تبني أعشاشها على الأرض، مثل الزقزاق (أو أبو طيط). فالإجهاد الحراري الذي تتعرض له فيما تحضن البيض على الأرض وسط حرارة شديدة سيؤدي إلى فشل التفريخ. أضف إلى ذلك أنها تحتاج إلى موائل رطبة كي تتمكن فراخها من البحث عن الغذاء".
وذكر تقرير صادر عن "الجمعية الملكية لحماية الطيور" في يوليو (تموز) الماضي أن تغير المناخ يؤثر بالفعل في الحياة البرية في المملكة المتحدة، وقد يتسبب بـ"تأثيرات غير مسبوقة في الطيور والطبيعة عموماً"، ما لم تطبق على نطاق واسع في أنحاء المملكة المتحدة حلول عدة، من بينها إعطاء الأولوية للأنواع الأكثر عرضة للخطر.
ومع الارتفاع المستمر في درجات الحرارة، يتوقع دورهام أن يشهد النحل الطنان، المحبوب للغاية، تراجعاً في أعداده في جنوب إنجلترا.
ويوضح "لن يرى الناس النحل الطنان حينها، لأنه يتعرض للإجهاد الحراري بسهولة شديدة في هذه الظروف. وستتجه أعداده تدريجاً نحو شمال البلاد. وتدريجاً، لن يعود السكان يرون الضفادع وشراغيفها في البرك".
ويقول دورهام إن الضفادع وسمندلات الماء والعلاجيم (ضفادع الطين) لن تعود قادرة على التكاثر، لأن يرقاتها لن تبقى على قيد الحياة في المجاري المائية التي تجف. ويخشى أن تموت حتى أسماك السلمون الأطلسي في المياه الضحلة والحارة حيث مستويات الأوكسجين منخفضة.
المزارع
لما كان ظل الأشجار ضرورياً للأبقار والأغنام في الحقول خلال الأيام الحارة، ستعاني هذه الحيوانات تبعات تدهور المشهد الطبيعي.
وتقول الدكتورة غيلمارتن "تحتاج الحيوانات أيضاً إلى الظل، كما تحتاج أيضاً إلى البحث عن غذائها. فالأشجار جزء بالغ الأهمية من الزراعة وتربية الماشية، ولا تنفك أهميتها تزداد أكثر فأكثر. والحكومة تعلم ذلك. وسيؤدي تناقص أعداد الأشجار إلى الحد من قدرة الحيوانات على التنقل في أنحاء الريف".
من جهته، يقول باين: "عندما تفقد بؤر الأشجار القديمة، تبدأ أيضاً في فقدان الأنواع المرتبطة بها، مثل الملقحات التي تعتمد عليها المحاصيل. كذلك تعتمد مكافحة الآفات طبيعياً على أنواع مرتبطة بالأشجار".
وبدءاً من الحشرات صعوداً إلى الكائنات الأعلى منها في السلسلة الغذائية، ستتراجع أعداد جميع مكونات السلسلة الغذائية في الطبيعة.
الاقتصاد والحياة والثقافة
وتقول الدكتورة غيلمارتن إن المشهد الطبيعي الذي يصبح أكثر حرارة وجفافاً على نحو غير مألوف ستكون له انعكاسات اقتصادية متعددة الأوجه.
وتوضح قائلة إن "الناس يستفيدون من ظلال الأشجار في الشوارع التي يسلكونها يومياً نحو أعمالهم ومدارسهم ومتاجرهم، إضافة إلى أنها ضرورية لاقتصاد نعلم أنه سيتضرر حتى وفق سيناريوهات احترار أقل شدة من الواقع الذي نعيشه حالياً".
وستزيد التأثيرات الضارة للحرارة على الصحة من أعباء "هيئة الخدمات الصحية الوطنية" ("أن أتش أس"). بل إن إحدى الدراسات وجدت أن المرضى يتعافون من إصاباتهم بوتيرة أسرع إذا كانوا خلال إقامتهم في المستشفى ينظرون إلى الأشجار من النوافذ.
ومع تعدد فوائد الأشجار، من امتصاص الكربون إلى الحد من الضوضاء، قدرت دراسة نهضت بها الحكومة البريطانية ووكالة البحوث "فورست ريسيرش" عام 2021 قيمة أشجار المملكة المتحدة بما يصل إلى 3.83 مليار جنيه استرليني سنوياً.
ويتفق الخبراء على أن ارتفاع درجات الحرارة سينعكس سلباً على حياة الناس اليومية.
وتحذر الدكتورة غيلمارتن "سنرى أن الأطفال لن يتمكنوا من الذهاب إلى الملاعب لأن الأسفلت سيكون شديد الحرارة بسبب غياب الظل. وسيصبح التنقل سيراً إلى العمل أكثر صعوبة. ولن يتمكن الناس من ارتياد الشوارع التجارية الرئيسة لفترات طويلة من اليوم، أو لأسابيع متواصلة، لأننا سنفتقد هذه البنية التحتية الخضراء البالغة الأهمية".
ويرى باين أن القيمة الثقافية للأشجار والأسيجة النباتية هائلة: "تخيل أن تذهب إلى موقع تابع لـ"ناشونال ترست" (الصندوق الوطني لحماية الأماكن ذات الأهمية التاريخية أو الطبيعية)، فلا تجد فيه تلك الأشجار القديمة الكبيرة والجميلة، ولا المناظر الطبيعية الخلابة ذات الطابع الرومانسي".
ويقول باين إن الأشجار العتيقة ألهمت كثيراً من الحكايات الشعبية والأساطير، شجرة [الجميز البري في] "سيكامور غاب" إلى [شجرة البلوط التجارية العتيقة] "الميجر أوك"، التي كانت ملاذاً لروبن هود، ولكنها ماتت هذا العام.
© The Independent