Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما تأثير موجات الحر على أجسادنا؟

التقلبات المستمرة للطقس تؤخر استعادة الجسد لتوازنه

يبذل الجسم جهداً مضاعفاً لتبريد نفسه أثناء موجة الحر ولا يستطيع التعافي فوراً (غيتي/أيستوك)

ملخص

لا تنتهي آثار موجات الحر بانخفاض درجات الحرارة؛ فالجسم يواصل التعافي لأيام وربما أسابيع من الجفاف واضطراب النوم والضغط الواقع على القلب والدورة الدموية. ومع تكرار موجات الحر وتقلبات الطقس الحادة، تتراكم الأعباء الجسدية والنفسية، ما يجعل الشعور بالإرهاق والتشوش الذهني أكثر استمراراً.

لو طُلب مني أن أصف المزاج السائد في المملكة المتحدة هذه الأيام بكلمة واحدة، لاخترت كلمة: "منهك". فموجة الحر التي ضربت البلاد في أواخر يونيو (حزيران) تبدو وكأنها استنزفت الجميع، تاركة وراءها شعوراً عاماً بالتعب والضيق ونفاد الصبر.

لقد ألقى الضغط النفسي الناجم عن محاولة تبريد المنازل البريطانية – التي صممت أساساً كي تقينا برودة الشتاء القارس، وليس لحمايتنا من درجات الحرارة القياسية – بثقله على الناس. ويخيّل للمرء أن أحداً لم يحظَ بنوم هانئ منذ فوز آندي بورنهام في الانتخابات الفرعية (وهي مصادفة بحتة بالطبع). وحتى عندما انحسرت موجة الحر موقتاً هذا الأسبوع، بدا التعافي أمراً صعباً. فالتداعيات لا تزال حاضرة، أشبه بصداع مزمن يعقب موجة حر ولا يريد أن يزول.

وقد أدى هذا الشعور العام بالضيق إلى استقبال أخبار حلول جولة أخرى من الطقس الحار، من المقرر أن تبدأ قريباً، بكثير من الاستهجان (وهلع بشأن ما إذا كانت تلك المراوح العمودية الكبيرة متوافرة مجدداً على الإنترنت). ففي النهاية، بالكاد تخلصنا من آثار حرّ يونيو. فهل هو مجرد انطباع شخصي، أم أن هذا التذبذب بين صيف بريطاني تقليدي ممطر وصيف جحيمي شديد الحرارة بات يستنزفنا جميعاً؟

يسعى جسمنا جاهداً للمحافظة على درجة حرارة داخلية تبلغ نحو 37 درجة مئوية حتى يعمل بشكل سليم. لكن خلال نوبات الطقس الحار، يحتاج الجسم إلى بذل جهد أكبر بكثير من المعتاد للحفاظ على درجة حرارته مستقرة. يوضح الدكتور تشون تانغ، الطبيب العام في مركز "بال مول الطبي"، "التعرض المطول للحرارة يضع الجسم تحت ضغط فسيولوجي حقيقي. وحتى بعد انخفاض درجات الحرارة، يعاني كثيرون من الجفاف ونقص العناصر الأساسية من الشوارد (الإلكتروليتات) [معادن وأملاح مذابة في سوائل الجسم تحمل شحنة كهربائية]، فضلاً عن اضطراب النوم. لقد كان الجسم يعمل فوق طاقته لتبريد نفسه، وهذا له ثمنه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن المهم أيضاً التذكير بأنه عند دراسة تأثير درجات الحرارة المرتفعة، لا يقتصر الأمر على قراءة ما يسجله مقياس الحرارة. فالعلماء يعتمدون ما يُعرف بـ"درجة حرارة البصيلة الرطبة" لتقييم مدى قدرة جسم الإنسان على تبريد نفسه. ويأخذ هذا المقياس في الاعتبار كلاً من درجة حرارة الهواء ونسبة الرطوبة، ويتم قياسه عبر لف بصيلة مقياس الحرارة بقطعة قماش مبللة.

تشير دراسة واسعة الاستشهاد نُشرت عام 2010 إلى أن الحد الأقصى لما يُعرف بـ"درجة حرارة البصيلة الرطبة" التي يمكن للإنسان البقاء على قيد الحياة عندها يبلغ 35 درجة مئوية، وهو ما يعادل درجة حرارة هواء تصل إلى 40 درجة مئوية مع رطوبة نسبية تبلغ 75 في المئة. غير أن دراسة أحدث خلصت إلى أن هذا الحد قد يكون في الواقع أقل بعدة درجات؛ إذ قدّر باحثون في جامعة ولاية بنسلفانيا السقف الأعلى عند 31 درجة مئوية. وخلال موجة الحر الأخيرة التي اجتاحت المملكة المتحدة، استقرت "درجة حرارة البصيلة الرطبة" عند نحو 25 درجة مئوية.

عندما تضرب موجة حر، تصبح أولوية الجسم الأولى تبريد نفسه. يقول الدكتور غاجين سونثار كاناغاناياغام، أخصائي أمراض القلب في عيادة "هارلي ستريت" التابعة لمؤسسة "أتش سي إي" للرعاية الصحية "يتكيف القلب والأوعية الدموية بعدة طرق". إذ تتمدد الأوعية الدموية، كجزء من عملية تُسمى توسع الأوعية أو التوسع الوعائي، "مما يزيد من تدفق الدم إلى سطح الجلد حتى تتبدد الحرارة".

لكنه يوضح أنه على رغم أن ذلك مفيد للتبريد، "إلا أنه يؤدي أيضاً إلى انخفاض ضغط الدم، مما قد يجعل المرء يشعر بالدوار أو الإغماء". وكردّ فعل على ذلك، "يرتفع معدل ضربات القلب ويضطر القلب إلى النبض بشكل أسرع للحفاظ على تدفق الدماء بشكل كافٍ. حتى الأشخاص الأصحاء قد يلاحظون زيادة ملحوظة في معدل ضربات القلب أثناء الراحة".

يُعتقد أن القلب يضخ في الدقيقة الواحدة خلال الأيام الحارة كمية من الدم تتراوح بين ضعفين وأربعة أضعاف ما يضخه في الأجواء الباردة. كل هذا يشكل ضغطاً إضافياً على الجهاز القلبي الوعائي، كفيل بالتأثير بشكل أكبر على من يعانون من أمراض قلبية بالأساس. وقد قدرت دراسة نُشرت في مجلة "سيركوليشن" Circulation الصادرة عن جمعية القلب الأميركية أن نسبة الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية بسبب الحر قد تزداد بأكثر من الضعف خلال العقود القليلة المقبلة.

يُعد التعرق وسيلة أخرى يستخدمها الجسم لتبريد نفسه، ولكن عندما تكون الرطوبة عالية، يصعب على العرق أن يتبخر، و"يمكن أن يؤدي فقدان الصوديوم والبوتاسيوم عبر العرق أيضاً إلى تعطيل الإشارات الكهربائية التي تحافظ على استقرار إيقاع القلب"، كما يضيف سونثار كاناغاناياغام.

وللحرارة تأثيرات أخرى كذلك. إذا لاحظت أن تركيزك تراجع - أو أنك أكثر عرضة للانفعال عند أدنى إحساس بالانزعاج، فقد يكون ذلك لأن الجفاف وارتفاع درجة حرارة الجسم "يمكن أن يؤثرا على التركيز والانتباه ووقت الاستجابة والذاكرة قصيرة المدى"، كما تقول الدكتورة كلير غرينجر من شركة "سوبر دراج أونلاين دكتور" (Superdrug Online Doctor). وتضيف أن كثيرين "يصفون شعورهم بالضبابية الذهنية، أو بتراجع قدرتهم على التفكير بوضوح خلال فترات الحر الشديد".

ويوضح الدكتور دومينيك بي جي هوارد، استشاري جراحة الأوعية الدموية في عيادة "الأوردة البريطانية" UK Vein Clinic، أن الأوردة تتمدد في إطار عملية توسع الأوعية الدموية، و"حتى الأشخاص الذين يتمتعون بأوردة سليمة قد يلاحظون ثقلاً أو تورماً في ساقيهم. بمجرد تضخم الأوردة لعدة أيام، فإنها لا تعود إلى حجمها المعتاد على الفور"، وبالتالي "يستمر الدم في التجمع في أسفل الساقين حتى بعد انخفاض درجات الحرارة". ويضيف أن أي سوائل قد تسربت إلى الأنسجة المحيطة قد تستغرق بعض الوقت حتى تختفي. ويوضح "يعمل الجهاز اللمفاوي ببطء أكبر من جهاز الدورة الدموية، لذا قد يستمر التورم لعدة أيام، وأحياناً لأسابيع بعد زوال موجة الحر".

وهنا يكمن جوهر الموضوع - فبمجرد عودة الطقس إلى طبيعته، لا تعود أجسامنا إلى حالتها الطبيعية فوراً، لأنها "لا تزال تتعافى من عدة أيام من العمل الإضافي المستمر"، كما يقول سونثار كاناغاناياغام. ويضيف "ثمة عمليات بيولوجية تستغرق وقتاً أطول للعودة إلى طبيعتها. حتى الجفاف البسيط يؤدي إلى زيادة سماكة الدم قليلاً، مما يقلل من فعالية الدورة الدموية. وهذا قد يجعلك تشعر بالإرهاق أو التشوش الذهني أو الدوار لعدة أيام". كما أن انخفاض ضغط الدم المتواصل بعد فترات طويلة من توسع الأوعية الدموية قد يجعلك تشعر بالدوار، ولا سيما في الصباح.

يقول الدكتور تانغ إن التقلبات بين الحرارة والبرودة "مرهقة حقاً". فـ"التناوب المتكرر" بين توسع الأوعية الدموية في الجو الحار وتقلصها في الجو البارد يسهم في زيادة الضغط على القلب. "كذلك يصعّب على الجهاز المناعي تنظيم نفسه، وهذا أحد الأسباب التي تجعل الناس يصابون بنزلات البرد أو يشعرون بالإرهاق بعد انتهاء موجة الحر".

يقول الدكتور تانغ إن الآثار التراكمية لموجات الحر المتتالية لا تؤخذ في الاعتبار بشكل كافٍ. "فكل موجة حر تعقب الأخرى تقلل من وقت التعافي المتاح، لا سيما بالنسبة للفئات الأكثر عرضة للخطر"- مثل كبار السن والأطفال ومن يعانون من أمراض مزمنة. ويتابع شارحاً "وإذا لم يتعافَ الجسم تماماً قبل أن تضرب موجة الحر التالية، فسوف تتضاعف الأخطار. ونحن نلاحظ أن هذا الأمر أصبح مصدر قلق أكثر إلحاحاً مع تزايد تواتر موجات الحر الشديد".

وأيضاً اضطراب النوم خلال موجة حر شديدة قد يترك آثاراً تمتد إلى ما بعد انقضائها. وتوضح ماريان تايلور، مؤسسة "ذا سليب وركس" The Sleep Works واستشارية النوم، أن النوم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بدرجة حرارة الجسم. ففي المساء، تقول إن "درجة حرارة الجسم الداخلية تبدأ بالانخفاض بصورة طبيعية، مما يساعد على تحفيز إفراز الميلاتونين، الهرمون المسؤول عن المساعدة على النوم والاستمرار فيه طوال الليل". لكن خلال الطقس الحار، وعندما يصبح من الصعب إبقاء غرف النوم باردة خلال ساعات الليل، يواجه الجسم صعوبة أكبر في خفض حرارته بالقدر الكافي.

وتضيف نيكول راتكليف، مؤسسة "ذا وورك بليس سليب كوتش" The Workplace Sleep Coach، أن كثيرين منا ينتهون إلى الاستيقاظ مرات أكثر من المعتاد أثناء الليل. كذلك قد نقضي وقتاً أطول في مراحل النوم الخفيفة، بدلاً من المراحل العميقة والأكثر تجديداً للطاقة. وبذلك نكون أكثر عرضة للاستيقاظ ونحن نشعر بالإجهاد، لأن النوم لا يتعلق بالوقت فحسب، بل بجودة النوم الفعلية.

تشير راتكليف إلى أن اضطراب النوم لليلة أو ليلتين لن يكون له تأثير يُذكر، ولكن إذا استمر الأمر لفترة أطول من ذلك، فقد ينتهي بنا الأمر إلى "تراكم موقت في الحرمان من النوم".

والتعافي من هذا الأمر ليس بالبساطة التي قد يتصورها المرء، مثل النوم لساعة إضافية خلال عطلة نهاية الأسبوع. وتقول "إن النوم ليس أمراً يمكننا ’تعويضه‘ ببساطة من خلال البقاء في السرير لفترة طويلة". وتضيف "عادةً ما تستغرق عملية التعافي عدة ليالٍ من النوم الجيد المستمر، إذ يعمل الجسم تدريجاً على استعادة النوم العميق ومرحلة حركة العين السريعة (REM) التي ربما تكون قد تعرضت للاضطراب".

وتشير تايلور إلى أن النساء في مرحلتي ما قبل انقطاع الطمث وانقطاع الطمث قد يكنّ الأكثر معاناة في مثل هذه الظروف، فـ"الحرارة قد تزيد من حدة التعرق الليلي والهبات الساخنة، ما يؤدي إلى استيقاظ متكرر ونوم أكثر خفة". وتضيف أن كبار السن، والمصابين بأمراض مزمنة، والنساء الحوامل، يُعدّون أيضاً من الفئات الأكثر عرضة للتأثر. وكذلك أولئك الذين يعملون في الهواء الطلق أو وفقاً لجدول عمل غير منتظم، "لأن التحكم في روتينهم اليومي وأوقات راحتهم وبيئات نومهم يكون أكثر صعوبة" (أن تضطر إلى محاولة الحصول على قسط من النوم في أشد أوقات النهار حرارةً قبل أن تنطلق إلى مناوبتك الليلية؟ إنه حقاً جحيم موجة الحر).

ستشهد الأيام المقبلة مزيداً من الطقس الحار، إذ من المتوقع أن تصل درجات الحرارة إلى 30 درجة في بعض مناطق المملكة المتحدة. وتشير راتكليف إلى أنه "فيما نبدأ بالتأقلم مجدداً على النوم في ظروف أكثر برودة، قد تأتي موجة أخرى من الطقس الحار لتعطل هذه العملية من جديد". وتضيف أن إيقاعنا اليومي، وهو الساعة البيولوجية للجسم التي تعمل على مدار الساعة، "منظم بشكل أساسي بحسب الضوء"، لكن درجة الحرارة هي أيضاً "إشارة مهمة للنوم الصحي"، ويمكن أن تؤدي فترة التغير هذه "إلى زيادة صعوبة تكوين نمط نوم منتظم".

وإذا ما واجهت صعوبة في النوم خلال موجة الحر الأخيرة، فقد يدفعك ذلك إلى القلق بشأن تأثيرها عليك هذه المرة. والنتيجة؟ حلقة مفرغة، "إذ يؤدي القلق بشأن النوم إلى زيادة صعوبة النوم فعلياً".

وأيضاً العبء النفسي المرتبط بالحفاظ على برودة أجسام الأطفال والأقارب المسنين، أو التخطيط لركوب المواصلات من دون أن تذوب في بركة من العرق قبل الساعة 8 صباحاً، يمكن أن يرفع مستويات الكورتيزول أيضاً. وتقول راتكليف "إن الكورتيزول هو من الهرمونات التي تساعدنا على البقاء في حالة يقظة، لذا فإن ارتفاع مستوياته في المساء قد يجعل الاسترخاء والنوم أكثر صعوبة".

ويتفق الدكتور تانغ مع هذا الطرح، مشيراً إلى أن هذا الشعور بالترقب "يفعّل استجابة منخفضة المستوى للتوتر، وهي في حد ذاتها مرهقة بدنياً". ويرى أن ما يمكن تسميته بـ"القلق من الحر" بات "ظاهرة حقيقية ومتنامية".

إذاً، ما الذي يمكننا فعله لمحاولة التخفيف من هذه الآثار المستمرة؟ تقول غرينجر "أفضل طريقة هي الوقاية من الأمراض المرتبطة بالحر قبل حدوثها. حافظ على ترطيب جسمك جيداً بشرب الماء بانتظام طوال اليوم، حتى لو لم تشعر بالعطش، وقلل من تناول الكحول لأنه قد يسهم في جفاف الجسم"، وتوصي أيضاً بإغلاق الستائر خلال أشد ساعات النهار حرارةً، وفتح النوافذ عندما تنخفض درجة الحرارة لاحقاً.

وتضيف أنه في حين أنه من المنطقي تجنب ممارسة التمارين الشاقة عند اشتداد الحرارة خلال النهار، إلا أنه من الأفضل تكييف روتينك بدلاً من التوقف عن الحركة تماماً، لأن ذلك قد يسهم في "انخفاض مستويات الطاقة، وتدهور نوعية النوم، وتراجع المزاج، وكلها عوامل يمكن أن تسهم في الشعور بالخمول".

تقول غرينجر إن المشي في الصباح الباكر أو في المساء، أو ممارسة السباحة أو التمارين الرياضية الخفيفة داخل مكان مغلق وبارد "يمكن أن يساعدك في البقاء نشيطًا من دون تعريض نفسك لخطر الإصابة بأمراض مرتبطة بالحر". أما إذا استمر الإرهاق لأكثر من أسبوعين، على رغم العودة إلى نمط الحياة المعتاد، فتضيف أنه "يجدر التفكير في احتمال وجود مشكلة صحية كامنة، بدلاً من افتراض أن الحر هو السبب الوحيد".

© The Independent

المزيد من صحة