Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا دار بين الحريري والحكومة البريطانية خلال حرب 1996؟

مذكرات تكشف ما قاله رئيس وزراء لبنان للبريطانيين عن سلاح "حزب الله" حينها

تكشف وثائق بريطانية رُفع عنها طابع السرية حديثاً تفاصيل غير معلنة عن الاتصالات التي أجريت بين لندن وبيروت وبروكسل، وكيف نظر الأوروبيون إلى مستقبل لبنان (اندبندنت عربية)

ملخص

تكشف وثائق بريطانية رُفع عنها طابع السرية حديثاً تفاصيل غير معلنة عن الاتصالات التي أجريت بين لندن وبيروت وبروكسل، وكيف نظر الأوروبيون إلى مستقبل لبنان، وإلى إعادة الإعمار، وسلاح "حزب الله"

لم يكن لبنان قد التقط أنفاسه بعد انتهاء الحرب الأهلية التي امتدت 15 عاماً، حتى وجد نفسه في عام 1996 أمام حرب إسرائيلية جديدة أعادت خلط الأوراق. ففي وقت كانت حكومة الرئيس رفيق الحريري تخوض سباقاً لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، واستعادة ثقة المستثمرين، وإقناع المجتمع الدولي بأن لبنان دخل مرحلة الدولة والاستقرار، جاءت عملية "عناقيد الغضب" الإسرائيلية لتقوض جزءاً كبيراً من تلك الجهود، وتضع البلاد مجدداً في قلب المواجهة الإقليمية.

وبين ركام القرى الجنوبية، والنزوح الواسع، ومجزرة قانا التي هزت العالم، انطلقت حركة دبلوماسية مكثفة قادها الحريري بين العواصم الغربية لحشد الدعم السياسي والمالي، ولمنع انهيار مشروع النهوض الذي كان قد بدأ يتشكل بعد اتفاق الطائف.

وفي خضم تلك اللحظة المفصلية، تكشف وثائق بريطانية رُفع عنها طابع السرية حديثاً تفاصيل غير معلنة عن الاتصالات التي أجريت بين لندن وبيروت وبروكسل، وكيف نظر الأوروبيون إلى مستقبل لبنان، وإلى إعادة الإعمار، وسلاح "حزب الله"، وفرص تثبيت وقف إطلاق النار وإحياء عملية السلام في الشرق الأوسط.

تنفرد "اندبندنت عربية" بنشر مضمون وثائق سرية رفع الأرشيف الوطني البريطاني طابع السرية عنها في 19 يونيو (حزيران) 2026، ضمن ملف العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ولبنان، المحفوظ ضمن سجلات وزارة الخارجية البريطانية، والذي يحمل الرقم المرجعي  FCO 98/7394.

فيما يغطي هذا الملف الفترة الممتدة من الأول من يناير (كانون الثاني) 1996 إلى 31 ديسمبر (كانون الأول) 1996، وأصبح متاحاً للجمهور والباحثين بعد فتحه رسمياً للاطلاع.

اتصالات بريطانية - لبنانية

مؤرخة في 18 أبريل (نيسان) 1996، تكشف برقية بريطانية تفاصيل الاتصالات التي أجرتها الحكومة البريطانية مع رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري خلال زيارته إلى لندن قبل يوم بالتحديد، وذلك في ذروة الأزمة التي أعقبت العملية العسكرية الإسرائيلية على لبنان، والتي بدأت في 11 أبريل من العام نفسه وانتهت بعد 16 يوماً.

وتناولت المحادثات سبل احتواء التصعيد العسكري، وآفاق التوصل إلى وقف لإطلاق النار، والدور الذي يمكن أن يضطلع به المجتمع الدولي في دعم لبنان، ولا سيما في مجالات إعادة الإعمار، وتعزيز فرص استئناف عملية السلام في الشرق الأوسط. كذلك تبرز الوثائق أهمية لبنان في الحسابات الأوروبية والبريطانية خلال تلك المرحلة، بوصفه ساحة مركزية لتقاطع الملفات الأمنية والإنسانية والدبلوماسية في المنطقة.

توضح الوثائق، في ملخصها، أن الحريري شرح لرئيس الوزراء البريطاني جون ميجور حجم التعقيدات السياسية التي تواجه الحكومة اللبنانية، مؤكداً أن الظروف الداخلية لا تسمح له بنزع سلاح "حزب الله" أو حتى بضمان التزام الحزب الكامل بأي اتفاق لوقف إطلاق النار مع إسرائيل.

كذلك أبدى الحريري تشككه في إمكانية نجاح المبادرتين الأميركية والفرنسية المطروحتين لإنهاء الأزمة، مشيراً إلى أنه يعتزم مناقشة التطورات مع كل من الرئيس الأميركي بيل كلينتون والرئيس الفرنسي جاك شيراك خلال وجوده في موسكو.

تقييم لأداء رفيق الحريري

في الوقت نفسه، أرسلت برقية أخرى تضمنت مشاريع رسائل من رئيس الوزراء البريطاني إلى شيراك وكلينتون ورئيس وزراء إسرائيل شمعون بيريز، واستعرضت بصورة مفصلة مجريات اللقاء بين رئيسي الوزراء (البريطاني واللبناني).

ووصفت الوثائق أداء الحريري خلال الاجتماع بأنه اتسم بالجدية والواقعية، إذ تجنب الدخول في سجال حول مسؤولية إسرائيل عن العمليات العسكرية، وركز بدلاً من ذلك على تحليل أسباب الأزمة وكيفية الخروج منها. كذلك أبدى اتفاقه مع تقييم رئيس الوزراء البريطاني بأن كلاً منه ومن شمعون بيريز كان مقيداً باعتبارات سياسية داخلية تحد من قدرته على اتخاذ قرارات حاسمة.

وأشارت الوثائق إلى أن الحريري أثار في نهاية الاجتماع، وبلهجة هادئة، موضوع التصريحات البريطانية السابقة بشأن الأزمة اللبنانية، إلا أن رئيس الوزراء البريطاني أكد له أن تصريحات مايكل بورتيلو (شغل حينها منصب وزير الدولة لشؤون الدفاع في حكومة حزب المحافظين) عكست بدقة موقف الحكومة البريطانية، وأن ما حدث لاحقاً هو تحريف لما ورد فيها.

وتفيد التقارير بأنه في أبريل 1996، أيد الوزير بورتيلو الهجمات الإسرائيلية على لبنان خلال جولته في شمال إسرائيل، واصفاً إياها بحق الدولة في التنعّم بالأمن والدفاع عن نفسها، ومُحمّلاً مقاتلي "حزب الله" مسؤولية تعريض المدنيين للخطر.

وبالعودة إلى نقاش رئيسي وزراء لبنان وبريطانيا عام 1996، تكشف الوثائق أن ميجور قال إن بلاده لا تنحاز لأي من أطراف النزاع، وإنما تركز على إيجاد وسائل عملية لكسر دوامة العنف ووقف التصعيد العسكري. كذلك شدد على استعداد حكومته للمساهمة سريعاً في برامج الإغاثة الإنسانية الطارئة، مؤكداً أنها ستتواصل مع جاك سانتر (رئيس المفوضية الأوروبية حينها) لضمان تحرك المفوضية الأوروبية بالسرعة المطلوبة، ومشيراً إلى أن المملكة المتحدة تدرك تماماً حجم معاناة الشعب اللبناني، وتتفهم الظروف السياسية المعقدة التي يواجهها الحريري.

حديث منفرد بين الحريري والإعلام

تكشف الوثائق أن الحريري، وبعد انتهاء الاجتماع مع ميجور، تحدث منفرداً إلى وسائل الإعلام، إذ وصف محادثاته مع رئيس الوزراء البريطاني بأنها كانت إيجابية، وأكد أن لندن مستعدة للمشاركة في جهود دولية مكثفة لمعالجة الأزمة اللبنانية، معرباً عن امتنانه للمساعدات الإنسانية البريطانية، ومشيراً إلى أنه لا يرغب في العودة إلى الجدل المتعلق بتصريحات مايكل بورتيلو، معتبراً أن تلك القضية أصبحت من الماضي.

وأكدت الوثائق أن وزارة الخارجية البريطانية طلبت من سفارتها في واشنطن نقل نتائج اللقاء بصورة عاجلة إلى وزارة الخارجية الأميركية، كذلك طلبت من بعثة المملكة المتحدة لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل إبلاغ مكتب جاك سانتر بالاهتمام الشخصي الذي يوليه رئيس الوزراء البريطاني لملف إعادة إعمار لبنان.

وتبين من الوثائق أن الاتصالات البريطانية لم تقتصر على زيارة لندن التي قام بها الحريري، بل امتدت إلى التحضير لزيارة الحريري إلى بروكسل في 13 مايو (أيار) 1996.

فقد أوضحت أن رئاسة الاتحاد الأوروبي طرحت خلال اجتماع لها فكرة دعوة الحريري للمشاركة في مأدبة غداء مجلس الشؤون العامة، بالتزامن مع لقائه المرتقب مع نائب رئيس المفوضية الأوروبية مانويل مارين.

وأكدت الوثائق أن وزارة الخارجية البريطانية دعمت بقوة توجيه الدعوة إلى الحريري، معتبرة أن وجوده أمام وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي سيمنحهم فرصة مباشرة للاستماع إلى تقييم الحكومة اللبنانية لأولويات إعادة الإعمار والاحتياجات الفعلية للبنان بعد الحرب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشارت أيضاً إلى أن المفوضية الأوروبية كانت تتبنى سياسة متوازنة في التعامل مع الملف اللبناني، وأن مارين كان يعتزم الاستماع أولاً إلى رؤية الحريري قبل اتخاذ أي قرارات تتعلق بالمساعدات الأوروبية.

وأضافت الوثائق أن المفوضية الأوروبية كانت قد وافقت بالفعل على تخصيص 500 ألف وحدة نقد أوروبية كمساعدات إنسانية عاجلة، مع استعدادها لتقديم مساعدات إضافية إذا استدعت الظروف ذلك. وأوضحت أن لبنان حينها كان يحصل على ثلاثة ملايين وحدة نقد أوروبية من مخصصات إعادة التأهيل، من أصل موازنة إجمالية تبلغ 37.5 مليون وحدة نقد أوروبية، وأن المفوضية رأت إمكانية رفع هذه الحصة إلى نحو 10 ملايين وحدة نقد أوروبية عبر إعادة ترتيب أولويات التمويل، بما في ذلك تحويل جزء من الأموال المخصصة لمناطق أخرى مثل آسيا.

وأضافت أن المفوضية تستطيع أيضاً تسريع صرف الأموال المخصصة للمشروعات القائمة، ولا سيما تلك المتعلقة بتقييم الأضرار التي خلفتها الحرب.

وأشارت الوثائق إلى أن نحو خمسة ملايين وحدة نقد أوروبية كانت لا تزال متاحة ضمن البروتوكول المالي القائم مع لبنان، في حين بلغت المخصصات الإرشادية للبنان للفترة 1996–1998 نحو 80 مليون وحدة نقد أوروبية. وأوضحت أن المفوضية كانت مستعدة لإعادة توزيع هذه المخصصات بما يتوافق مع الأولويات الجديدة التي سيعرضها الحريري خلال زيارته إلى بروكسل.

مساعٍ فرنسية خاصة بلبنان

رجحت الوثائق البريطانية أن تتمكن المفوضية الأوروبية من إعداد برنامج متكامل لإعادة إعمار لبنان، إلا أنها رأت أن إصدار قرار رسمي من مجلس الاتحاد الأوروبي بشأن حزمة إعادة الإعمار في تلك المرحلة سيكون سابقاً لأوانه، على رغم احتمال سعي فرنسا إلى الدفع في هذا الاتجاه، مؤكدة أن بريطانيا والمفوضية كانتا تفضلان انتظار تقييم أكثر دقة للاحتياجات اللبنانية.

وذكرت البعثة البريطانية في تقريرها إلى وزارة الخارجية أن وزير الخارجية البريطاني مالكولم ريفكيند عقد اجتماعاً ثنائياً مع رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في بروكسل يوم 13 مايو 1996، عقب مأدبة غداء مجلس الشؤون العامة، وبعد أن كان الحريري قد خاطب وزراء خارجية الدول 15 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وأكدت الوثائق أن الحريري شدد خلال الاجتماع على أن قيام دولة لبنانية قوية يمثل مصلحة مباشرة لعملية السلام في الشرق الأوسط، موضحاً أن لبنان كان يتمتع في الماضي باقتصاد قوي، لكنه افتقر إلى مؤسسات أمنية قادرة على فرض سلطة الدولة، ولذلك تعمل حكومته على بناء جيش وطني قادر على بسط سلطة الحكومة على كامل الأراضي اللبنانية، بحيث يصبح الجيش رمزاً للوحدة الوطنية وأداة رئيسية لإدارة الدولة.

بين التسليح وإعادة الإعمار

تكشف الوثائق أن الحريري أوضح أن لبنان لا يطلب من المجتمع الدولي تمويل القوات المسلحة مباشرة، بل يرى أن تمويل إعادة الإعمار سيتيح للحكومة اللبنانية توجيه نسبة أكبر من مواردها الذاتية إلى الجيش. وأشار إلى أن قوام الجيش بلغ 55 ألف جندي، وهو عدد اعتبره كافياً في الظروف الراهنة، بل يفوق الاحتياجات المتوقعة بعد التوصل إلى اتفاق سلام، إلا أن الجيش يعاني نقصاً واضحاً في التجهيز والتدريب، ويحتاج إلى ناقلات جند مدرعة، وطائرات مروحية، ووسائل نقل عسكرية، وزوارق دورية، وأنظمة اتصالات حديثة.

وحينها شرح الحريري الخطة الأمنية التي تعتزم حكومته تنفيذها بعد التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، موضحاً أنها تقوم على نشر الجزء الأكبر من الجيش اللبناني في جنوب لبنان لتولي مسؤولية الأمن، مؤكداً أن لبنان لن يشكل في المستقبل أي تهديد عسكري لأي من دول الجوار.

وأضافت الوثائق أن رئيس وزراء لبنان شدد كذلك على أن إعادة الإعمار المدني تمثل أولوية لا تقل أهمية عن إعادة بناء المؤسسات الأمنية، معتبراً أن المبادرة الأميركية لعقد مؤتمر دولي للمانحين في واشنطن تمثل أفضل وسيلة لحشد الموارد المالية اللازمة، لأن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع وحده تحمل التكلفة، بينما تستطيع أميركا إقناع اليابان وكوريا الجنوبية ودول الخليج العربي بالمساهمة في تمويل إعادة الإعمار.

مساهمة أميركية وحشد التمويل

وأوضحت الوثائق أن مالكولم ريفكيند علق بأن الولايات المتحدة ينبغي أن تكون ضمن الدول المساهمة مالياً، إلا أن الحريري لم يدرجها ضمن قائمة المانحين الذين يتوقع مساهمتهم. وسجلت الوثائق انطباع وزير الخارجية البريطاني بأن الحريري توصل إلى تفاهم غير معلن مع الإدارة الأميركية يقضي بأن تتولى واشنطن تنظيم مؤتمر المانحين وحشد التمويل من الدول الأخرى، مقابل ألا يطلب لبنان مساهمة مالية مباشرة من الولايات المتحدة.

وأشارت الوثائق إلى أن ريفكيند أوضح أن بعض دول الاتحاد الأوروبي أبدت استياءها من الطريقة التي حاولت بها واشنطن فرض مؤتمر المانحين كأمر واقع، إلا أنه اعتبر أن هذه الخلافات موقتة، مؤكداً أن واشنطن قادرة على توفير التمويل إذا توافرت لديها الإرادة السياسية.

واختتمت الوثائق بالإشارة إلى أن وزير الخارجية البريطاني استفسر من الحريري عن أوضاع إعادة الإعمار داخل لبنان، فأكد الأخير أن مواد البناء متوافرة، وأن جميع النازحين عادوا إلى مناطقهم، وأن عمليات إعادة بناء المساكن بدأت بالفعل بدعم مالي من الحكومة اللبنانية. وأوضح أنه أجرى اتصالات مع المفوضية الأوروبية وبنك الاستثمار الأوروبي بشأن المشروعات التي ستمول من برنامج  MEDA، وهو الإطار المالي الرئيسي للاتحاد الأوروبي لدعم الشراكة الأورو-متوسطية، ومن البنك. وفي ختام اللقاء أكد ريفكيند أن لندن ستواصل دعم جهود الحكومة اللبنانية في إعادة بناء البلاد، سواء من خلال مؤسسات الاتحاد الأوروبي أو عبر التعاون الثنائي، مشدداً على أن لبنان يمثل أولوية رئيسية ضمن برامج التمويل الأوروبية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير