Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طهران أمام الخسارة الأخطر... نهاية الشرق الأوسط الذي صنع نفوذها

"اتفاق مكة"... نظام توازن جديد ستكون إيران أحد أكثر المتضررين منه إذا أصرت على إبقاء أدواتها الإقليمية المسلحة كما هي

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يتوسط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، أثناء توقيع اتفاق الدفاع المشترك (أ ف ب)

ملخص

إذا نجح اتفاق مكة في التحول من إعلان سياسي إلى تعاون عسكري فعلي، يشمل الدفاع الجوي والصاروخي، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والأمن البحري، والمناورات المشتركة والتصنيع الدفاعي، فإن السعودية وتركيا وباكستان لن تكون مجرد ثلاث دول متعاونة، بل نواة ميزان قوى إقليمي جديد.

لا يمكن قراءة إعلان اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، في السابع من أغسطس (آب) الجاري، بوصفه مجرد تفاهم أمني بين ثلاث دول، بل باعتباره مؤشراً إلى تحول أعمق في بنية الإقليم نفسه، إذ يأتي الاتفاق في لحظة تتعرض فيها إيران لضغط عسكري مباشر من إسرائيل والولايات المتحدة، بالتوازي مع تراجع نفوذها في عدد من الساحات التي شكلت طوال سنوات امتداداً استراتيجياً لها، من سوريا إلى لبنان والعراق واليمن، فيما تبدأ قوى إقليمية كبرى كانت تتحرك تاريخياً ضمن دوائر منفصلة، بربط أمنها ومصالحها ضمن إطار واحد.

ولا يكمن أهمية "اتفاق مكة" في هوية الموقعين فقط، بل في طبيعة ما يجمعونه، السعودية بثقلها السياسي والاستراتيجي والمالي وموقعها في قلب الخليج والعالم العربي، تركيا بقوتها العسكرية وصناعتها الدفاعية وامتدادها داخل "الناتو"، وباكستان بجيشها الكبير وعمقها الآسيوي وقدرتها النووية.

أي أن الاتفاق يجمع للمرة الأولى، ضمن صيغة دفاعية واحدة، ثلاثة عناصر افتقدها الإقليم طويلاً في مواجهة التمدد والتوغل الإيراني، والتمويل، والقوة العسكرية التقليدية، والردع الاستراتيجي.

سقوط رهان طهران على بقاء دول إقليمية قوية "متفرقة"

وهنا تبرز المفارقة الأهم، فقد بنت إيران جزءاً كبيراً من صعودها الإقليمي على واقع التجزئة، تباين سعودي – تركي، وانشغال باكستان ببيئتها الآسيوية، ودول عربية ضعيفة، واعتماد أمني واسع على الولايات المتحدة. وكانت طهران أكثر قدرة على الحركة كلما بقيت هذه القوى منفصلة ومتباعدة، وغير قادرة على تحويل مجموع قوتها إلى ميزان واحد.

لذلك ستكون النتيجة الأبعد مدى لحرب إيران الحالية أنها تدفع في الاتجاه المعاكس تماماً، إلى جمع دول، راهنت طهران طويلاً على بقائها متفرقة. من هنا يصبح السؤال أبعد من مضمون "اتفاق مكة" نفسه، هل نشهد بداية انتقال من مرحلة "الهلال الإيراني" الذي أحاط خصوم طهران بساحات نفوذ ووكلاء مسلحين، إلى مرحلة يتشكل فيها حول إيران طوق دولي استراتيجي تقوده دول، لا جماعات، وجيوش نظامية، لا أذرع، وتحالفات رسمية، لا شبكات نفوذ؟

وإذا ترسخ هذا المسار، فقد لا تكون الخسارة الكبرى لإيران في هذه الحرب ما دمر داخل أراضيها، بل ما بدأ يتشكل خارجها.

 

اتفاق مكة، تعبير مؤسسي عن التحول في الشرق الأوسط

سرعت الحرب التي بدأت في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، الانتقال العميق، من شرق أوسط كانت إيران تستفيد فيه من تناقضات القوى الإقليمية، إلى شرق أوسط بدأت فيه قوى كبيرة تبني بنية أمنية مستقلة ومترابطة، بحيث تصبح قدرة طهران على اللعب داخل الفراغات بين هذه الدول أصعب بكثير. ويجسد "اتفاق الدفاع المشترك" الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان، حتى الآن أوضح تعبير مؤسسي عن هذا التحول.

فهل تكون نتيجة حرب إيران مع إسرائيل وأميركا خسارتها لموقعها الإقليمي، لمصلحة طوق دولي استراتيجي تقوده ثلاث دول كانت طهران تراهن على بقائها متفرقة؟

الجغرافيا تنقلب على إيران

عليه، قد لا تكون الخسارة الاستراتيجية الأكبر لإيران في الحرب الدائرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، هي ما خسرته من منشآت أو قيادات أو قدرات عسكرية، بل ما يجري حولها في الإقليم. فبينما ركزت طهران طوال عقود على بناء شبكة نفوذ تمتد من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، يجري في الجهة المقابلة تشكل بنية إقليمية مختلفة تماماً، تتقدمها السعودية وتركيا وباكستان، ثلاث دول تمتلك مجتمعة المال والقوة العسكرية والعمق الجغرافي والصناعة الدفاعية والقدرة النووية. وخلال العقود الماضية نجحت إيران في بناء ما يشبه قوساً أو هلالاً استراتيجياً خارج حدودها، من إيران إلى العراق، ومن العراق إلى سوريا، ومنها إلى لبنان، بالتوازي مع امتداد آخر جنوباً باتجاه اليمن والبحر الأحمر. وكان الهدف واضحاً، ألا تدافع إيران عن نفسها عند حدودها، بل أن تمتلك ساحات متقدمة تستطيع من خلالها الضغط على خصومها، وإبعاد المواجهة من أراضيها.

لكن الخريطة المقابلة التي تتشكل اليوم مختلفة، تركيا شمال غربي إيران، وباكستان شرقها، والسعودية جنوب غربها، وبين هذه النقاط تقع ساحات كانت طهران تعتبرها جزءاً من عمقها الإقليمي. وبخروج سوريا من المنظومة الإيرانية بعد سقوط نظام بشار الأسد، أقفل الإمداد البري نحو لبنان الذي لم يعد مفتوحاً كما كان، وأثر هذا بصورة فورية ومباشرة في "حزب الله" الذي يواجه ضغطاً عسكرياً وسياسياً وخسائر متتالية، والعراق بدوره أصبح ساحة صراع على مستقبل الفصائل المرتبطة بطهران. بمعنى آخر، تواجه إيران تحولاً مزدوجاً، انحسار في شبكتها الخارجية، بالتزامن مع تقارب القوى المحيطة به، وهنا تحديداً يتحول "الهلال الإيراني" الذي شيد طوال 20 عاماً أو أكثر، إلى مواجهة محتملة مع طوق استراتيجي مضاد.

 

السعودية من الاحتواء إلى بناء الردع

ويعتبر الركن الأول في الطوق الجديد هو السعودية، فمنذ سنوات ذهبت الرياض إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية مع إيران ومحاولة إدارة التنافس بواسطة خفض التصعيد. لكن حرب 2026 كشفت عن حدود هذه المقاربة، خصوصاً مع تعرض المصالح السعودية لهجمات من الحوثيين ومن جماعات عراقية مرتبطة بإيران.

بداية حاولت المملكة، ومن بعد اندلاع الحرب الأميركية – الإيرانية، امتصاص الهجمات والتمسك بالمسار الدبلوماسي، ثم انتقلت تدريجاً إلى ردود محدودة، وصولاً إلى ضربات أميركية – سعودية مشتركة ضد جماعات عراقية اتهمت بمهاجمة المملكة، بالتوازي مع بناء تحالف بحري في البحر الأحمر واتفاق مكة الدفاعي، وهذا تغير مهم جداً.

ذلك أن السعودية لم تعد تبحث فقط عن ضمانة أميركية ضد إيران، وإنما عن شبكة ردع متعددة الطبقات، الولايات المتحدة من جهة، وباكستان وتركيا من جهة ثانية، وتحالف بحري إقليمي من جهة ثالثة. أي أن الحرب قد تكون دفعت الرياض إلى الانتقال من سياسة "تفادي المواجهة مع إيران" إلى سياسة أكثر تعقيداً، عدم السعي إلى الحرب، ولكن رفع ثمن استهداف السعودية إلى مستوى لا تستطيع إيران حسابه باعتباره مواجهة ثنائية فقط.

ويكتسب الاتفاق أهميته الاستراتيجية من تكريسه مبدأ الدفاع الجماعي، إذ يعتبر أن أي هجوم مسلح تتعرض له إحدى الدول الثلاث هو هجوم على الدول جميعاً، بما ينقل العلاقة بينها من مستوى التعاون الأمني والعسكري، إلى مستوى الالتزام المتبادل بالردع والدفاع. وهذه الصيغة، غير المسبوقة بهذا الوضوح بين دول منضوية في منظمة التعاون الإسلامي، وتقترب في جوهرها من المادة الخامسة في ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي تقوم على اعتبار الاعتداء على أحد أعضاء الحلف اعتداء على جميع أعضائه.

وهنا يصبح الاتفاق رسالة ردع أكثر منه إعلان حرب.

سوريا إحدى أهم ساحات انتقال موازين القوى

وتتمثل المشكلة الإيرانية ليس بفقدان حليف واحد فقط، فسوريا كانت العقدة الجغرافية التي تصل المشروع الإيراني في المشرق بعضه ببعض، ومن دون حرية الحركة عبرها يصبح النفوذ الإيراني في العراق أقل اتصالاً بنفوذه في لبنان، ويتحول "حزب الله" من جزء من الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية إلى قوة معزولة جغرافياً.
في المقابل، تمتلك تركيا اليوم نفوذاً كبيراً في المعادلة السورية، فيما تتقارب الرياض وأنقرة حول فكرة الدولة السورية المركزية، ودمج القوى المسلحة فيها، وهو تقاطع أشارت إليه تحليلات سبقت الاتفاق الثلاثي. وبذلك تصبح سوريا إحدى أهم ساحات انتقال موازين القوى، الدولة التي كانت طوال سنوات بوابة إيران إلى المتوسط، تتحول تدريجاً إلى مساحة نفوذ وتفاهم سعودي – تركي، أي إلى حاجز أمام التمدد الإيراني نفسه.

وهنا تظهر المفارقة بالنسبة إلى إيران، إذ استطاعت طهران تاريخياً توسيع نفوذها ليس فقط بسبب قوتها، وإنما بسبب تفرق خصومها ومنافسيها. واستفادت من التباعد السعودي – التركي، ومن انكفاء القوى العربية عن ملفات مثل سوريا والعراق ولبنان، ومن اعتماد دول الخليج بدرجات متفاوتة على المظلة الأميركية، ومن انشغال باكستان ببيئتها الآسيوية وبالتنافس مع الهند. وكل واحدة من هذه الدول امتلكت عناصر قوة كبيرة، لكن هذه العناصر لم تكن مجتمعة داخل إطار استراتيجي واحد، وربما تكون الحرب قد غيرت هذه المعادلة.

تركيا: القوة العسكرية التي كانت خارج المعادلة الإيرانية - الخليجية

تعد تركيا الركن الثاني في الاتفاق، وربما هي العنصر الذي يجعل التغيير أكثر خطورة بالنسبة إلى طهران. فهي تعد قوة عسكرية عضو في "الناتو" منذ عام 1952، وتمتلك جيشاً كبيراً وصناعة دفاعية متقدمة وقدرات بارزة في الطائرات المسيرة وبناء السفن، فضلاً عن حضور مباشر في سوريا والعراق والقوقاز وشرق المتوسط، لذلك فإن دخول أنقرة في منظومة دفاعية مع الرياض وإسلام آباد، يغير طبيعة أي اصطفاف إقليمي.

الاتفاق ليست تحالفاً عسكرياً موجهاً ضد إيران

وفي السياق، يرى تحليل نشره معهد "تشاتام هاوس"، في الـ14 من أغسطس الجاري، أن الاتفاق لا يشكل "ناتو شرق أوسطي"، ولا تحالفاً عسكرياً موجهاً حصراً ضد إيران، بقدر ما يمثل تجربة في بناء قدر أكبر من الاعتماد الأمني الإقليمي على الذات وتنويع الشراكات الدفاعية بعيداً من الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة. ومع ذلك، يعتبر المعهد أن الدلالة السياسية والاستراتيجية للاتفاق تتجاوز قدراته العسكرية الحالية، إذ يشكل مؤشراً إلى طبيعة النظام الإقليمي الذي يجري تشكيله، ومحاولة لبناء ميزان قوى جديد تقوده قوى إقليمية، مع توفير مساحة للتحوط في مواجهة طموحات كل من إيران وإسرائيل.

وبالنسبة إلى إيران، يرى التحليل أن الاتفاق يعزز موقع السعودية الأمني والتفاوضي في أي نقاش مستقبلي مع طهران حول ترتيبات الأمن الإقليمي، مرجحاً أن تسعى إيران أو إحدى القوى المرتبطة بها إلى اختبار مدى جدية الالتزام الدفاعي الجديد، بما يجعل طريقة استجابة الدول الثلاث لأي تهديد فعلي المعيار الحقيقي لفاعلية الاتفاق.

ويفرق "تشاتام هاوس" في هذا السياق بين "اتفاق مكة" و"حلف شمال الأطلسي"، فعلى رغم تشابه مبدأ الدفاع الجماعي الوارد فيه، مع المادة الخامسة من ميثاق "الناتو"، لا توجد حتى الآن بنية عسكرية متكاملة مماثلة للحلف، ويشير الكاتب أحمد أبو دوح، الباحث المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المعهد، إلى أن "السعوديين قدموا الميثاق باعتباره إطاراً لبناء قدرات مستدامة وليس جبهة دفاع مشتركة موجهة ضد دولة بعينها، كما أكدت تركيا أن الاتفاق لا يستهدف إيران أو أية دولة أخرى، فيما وصفت باكستان الاتفاق بأنه دفاعي بحت".

كما أن الاتفاق لا يضع السعودية وتركيا تلقائياً تحت مظلة الردع النووي الباكستاني، ولذلك يقرأه المعهد بوصفه نواة لترتيب أمني إقليمي جديد، أكثر منه حلفاً عسكرياً مكتمل الأركان. وهذه نقطة مهمة في فهم "الطوق"، هو ليس بالضرورة تحالفاً أميركياً موجهاً من واشنطن، وإنما قد يكون أخطر على إيران إذا أصبح تحالفاً إقليمياً قائماً بذاته.

 

باكستان: العامل الذي يحول الردع من تقليدي إلى استراتيجي

تمثل باكستان الركن الثالث في الاتفاق، ولا تأتي أهمية إسلام آباد من حدودها الطويلة مع إيران فقط، وإنما من كونها القوة النووية الوحيدة بين الدول الإسلامية، بحيث إن وجودها داخل أية منظومة دفاعية إقليمية يغير الحسابات، مهما بقيت الصياغات النووية غامضة. فالردع لا يقوم دائماً على إعلان كيفية استخدام السلاح، بل على عدم يقين الخصم حول السقف الذي قد تصل إليه المواجهة. والأهم أن الدول الثلاث تحيط بإيران من كل الاتجاهات، فإذا انتقل التعاون من الورق إلى تخطيط عسكري واستخباري ودفاع جوي ومناورات مشتركة، فإن طهران تجد نفسها أمام مثلث جغرافي يحيط بقسم واسع من مجالها الاستراتيجي، ومن هنا يصح وصفه بأنه طوق استراتيجي أكثر من تسميته "محوراً إسلامياً".

لماذا يشكل هذا الطوق انقلاباً على المقاربة الإيرانية؟

لعقود كانت الاستراتيجية الإيرانية أكثر نجاحاً عندما تعاملت مع بيئة إقليمية مجزأة، وكانت العلاقة مع كل دولة تدار بصورة منفردة، بحيث تفاوض إيران السعودية في الخليج، وتتعاون أو تتنافس مع تركيا في سوريا والعراق، وتحافظ على علاقات مستقرة نسبياً مع باكستان، فيما تستخدم أذرعها في ساحات عربية منفصلة. أما بعد أن أصبحت هذه الملفات مترابطة، فإن ميزان القوى تغير، فالأزمة في البحر الأحمر لم تعد مسألة سعودية – حوثية فقط، والنفوذ في سوريا لم يعد منافسة إيرانية – تركية منفصلة، وأمن الخليج لم يعد يعتمد حصراً على واشنطن، وأي تهديد إيراني للسعودية قد يصبح موضوعاً تركياً وباكستانياً في الوقت نفسه. وهذه هي الخسارة الكبرى التي تلوح فوق طهران، أي تحويل خصوم أو منافسين كانوا يتحركون بصورة منفصلة، إلى منظومة تتعامل مع الأمن الإقليمي بوصفه مساحة واحدة. والأهم أن الطوق قابل للتوسع، والمعادلة قد لا تتوقف عند الدول الثلاث، إذ تتحدث مراكز بحث دولية حالياً عن احتمال انضمام مصر مستقبلاً إلى "اتفاق مكة". وإذا اتسعت البنية لتشمل مصر، فإننا لا نعود أمام مثلث سعودي – تركي – باكستاني فقط، بل أمام قوس يمتد من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر والخليج ثم جنوب آسيا، وهنا يصبح الضغط على إيران جغرافياً وسياسياً أكبر بكثير.

وقد يبرز سؤال مفصلي، هل هو طوق ضد إيران حصراً؟

وقد يكون شرح هذه النقطة ضرورياً حتى يكون التحليل دقيقاً، ذلك أنه من الخطأ تقديم الاتفاق الثلاثي وكأنه "نسخة سنية" من تحالف مخصص لمحاربة إيران، فالدول الثلاث لديها أيضاً هواجس أخرى. تريد تركيا كبح أي فراغ أمني قد يسمح لإسرائيل بتوسيع نفوذها في سوريا والمنطقة، وقد أصبحت المنافسة التركية –الإسرائيلية أحد عناصر النظام الإقليمي الجديد، كما أن أنقرة تريد استقلالاً استراتيجياً أكبر عن الغرب.

في حين أن السعودية تريد تقليل الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة، وحماية مشروعها الاقتصادي من الحروب الإقليمية، وتريد باكستان توسيع موقعها في سوق الأمن والدفاع في الخليج والشرق الأوسط.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حتى طهران نفسها حاولت استقبال "اتفاق مكة" بوصفه خطوة نحو تقليل الاعتماد على القوى الخارجية، واعتبرت الخارجية الإيرانية أن اتفاق الدفاع المشترك يعكس "تحولاً في النظرة" داخل المنطقة تجاه الولايات المتحدة، مؤكدة أنها لا ترى "أي داع للقلق". وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي "لقد أدركت دول المنطقة أن الأمن ليس سلعة يمكن شراؤها ممن يطلقون وعوداً زائفة"، في إشارة إلى الولايات المتحدة التي تعد حليفاً للدول الموقعة على الاتفاق.

وتابع بقائي، في إشارة إلى إسرائيل، "إن أية خطة تستند إلى الحقائق الجيوسياسية والتاريخية للمنطقة، وتتسم بالشمول، وتحدد العدو والتهديد بصورة صحيحة، يمكن أن تسهم في تعزيز الأمن ومنع زعزعة الاستقرار والتجاوزات التي يرتكبها العدو الصهيوني وحلفاؤه".

ووفقاً لذلك لا ينبغي النظر إلى هذا الاتفاق باعتباره "ناتو ضد إيران"، بل باعتباره نظام توازن جديداً ستكون إيران أحد أكثر المتضررين منه، إذا أصرت على إبقاء أدواتها الإقليمية المسلحة كما هي.

أين تكمن المفارقة الإيرانية؟

المفارقة أن الحرب التي أرادت إيران من خلالها إثبات قدرتها على إرغام الولايات المتحدة وإسرائيل والمنطقة، على الاعتراف بمكانتها، يمكن أن تؤدي إلى نتيجة معاكسة.

ولكن هذا لا يعني نهاية النفوذ الإيراني، فإيران ما تزال دولة كبيرة، تعداداً وجغرافية وقدرات عسكرية، ولديها شبكة من الحلفاء وأوراق ضغط مهمة، كما أن التحالف السعودي – التركي – الباكستاني حديث العهد وغير مختبر عسكرياً، وهو ما يشدد عليه محللون. لكن ذلك لا يلغي أن البيئة التي سمحت للمشروع الإيراني بالتوسع، خلال الأعوام الـ20 الماضية، لم تعد هي نفسها. كما أن طهران بنت جزءاً كبيراً من قوتها على افتراض أن خصومها لن يستطيعوا تكوين جبهة إقليمية متماسكة، وما يحدث اليوم هو انقلاب تدريجي على هذا الافتراض. لذلك قد لا تخرج إيران من هذه الحرب "مهزومة" بالمعنى العسكري التقليدي، لكنها قد تخرج منها وقد فقدت امتيازاً استراتيجياً أكثر أهمية، وهو العمل داخل شرق أوسط مفكك.

في المحصلة، إذا نجح "اتفاق مكة" في التحول من إعلان سياسي إلى تعاون عسكري فعلي، يشمل الدفاع الجوي والصاروخي، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والأمن البحري، والمناورات المشتركة والتصنيع الدفاعي، فإن السعودية وتركيا وباكستان لن تكون مجرد ثلاث دول متعاونة، بل نواة ميزان قوى إقليمي جديد. وعندها ستكون المفارقة قاسية بالنسبة إلى طهران، المشروع الذي أراد إحاطة خصوم إيران بأذرع مسلحة، قد ينتهي بإحاطة إيران نفسها بطوق من الدول، طوق لا تقوده إسرائيل، ولا يعتمد بالكامل على الولايات المتحدة، ولا يقوم على خلاف مذهبي بقدر ما يقوم على مصالح الدول.

وهذا بالتحديد ما يجعله أكثر خطورة على النموذج الإيراني التقليدي، لأن إيران عرفت طوال عقود كيف تواجه الولايات المتحدة، وكيف تواجه إسرائيل، وكيف تدير الصراع مع السعودية، أو المنافسة مع تركيا، كل على حدة. أما التحدي الجديد فهو أن تجد هذه القوى الإقليمية مصالحها في مكان واحد، وأن يتحول تفرقها الذي شكل أحد أهم مصادر القوة الإيرانية، إلى شبكة تعاون تجعل التمدد الإيراني نفسه سبباً لتماسكها. وإذا حصل ذلك، فلن تكون النتيجة الكبرى لحرب 2026 خسارة إيران جولة عسكرية، بل خسارة النظام الإقليمي الذي سمح لها بأن تصبح قوة تتجاوز بكثير حدودها الجغرافية.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل