ملخص
الأردن خارج الاتفاق وفي قلب الجغرافيا، ومراقبون يعتقدون أن الانضمام إلى التحالف يمنحه عمقاً استراتيجياً لكنه في المقابل قد يقلص من مرونة الدبلوماسية الأردنية القائمة على مبدأ "النأي بالنفس".
دخلت أروقة مجلس النواب الأردني على خط التطورات الإقليمية المتسارعة، بعد حراك سياسي مكثف قادته كتلة حزب "الأمة" لمطالبة الحكومة بموقف رسمي حاسم حيال ملف "التحالف الدفاعي الثلاثي" الناشئ بين السعودية وتركيا وباكستان.
وكان السؤال النيابي الأبرز تحت القبة خلال الأيام الماضية هو أين الأردن من هذا التحالف؟ وسط دعوات شعبية داعية لتحديد موقع عمان من الترتيبات الأمنية الجديدة داخل المنطقة، وما إذا كانت المصلحة الوطنية تتطلب الالتحاق بهذا الحلف الإقليمي أم الاستمرار بسياسة التريث والنأي بالنفس.
سياسة تاريخية
ودعا النواب إلى عقد جلسة إيجاز حكومية حول طبيعة هذا التحالف، والتفاهمات الأمنية والعسكرية التي يتضمنها، والتنسيق المباشر مع القوى الإقليمية المركزية، وفي مقدمها السعودية، على "المناورة والمنافسة في معادلة الإقليم الجديدة".
وطالب النائب أيمن أبو الرب بانضمام الأردن إلى التحالف الثلاثي، لما يشكله من نواة لتحالف عربي إسلامي أوسع، يهدف إلى حماية الشرق الأوسط من التهديدات المحدقة من الشرق والغرب.
من جانبه، دعا النائب محمد عقل الحكومة إلى عقد جلسة تشاورية مغلقة مع النواب لبحث موقفها ورؤيتها تجاه التحالف الدفاعي الاستراتيجي الثلاثي. ورأى عقل أن التحالف يمثل خطوة مهمة، مشدداً على ضرورة عدم تجاهل التطور الجديد من دون وضع "خريطة طريق أردنية" تراعي مصالح المملكة.
ويرتبط الأردن بعلاقات عسكرية واستراتيجية ودفاعية وثيقة مع كل من باكستان والسعودية، بينما شهدت علاقاته مع تركيا تطوراً ملحوظاً خلال الأعوام الماضية.
لكن القراءة التاريخية لسلوك الدولة الأردنية في التعامل مع التكتلات العسكرية، تؤكد أنه اتسم دوماً بالحرص على عدم الارتهان لمحاور مغلقة أو المشاركة في التزامات دفاعية جماعية قد تقيد حركتها الخارجية.
ففي عام 1955 دخل الأردن في حلف بغداد، إلا أن التجربة شكلت درساً مبكراً للأردن حول كلفة الدخول في تكتلات أمنية غير محاطة بتوافق شعبي وإقليمي كامل.
وفي عام 1989 دخلت عمَّان في محاولة لبناء تعاون إقليمي مشترك بعنوان "مجلس التعاون العربي"، لكن سرعان ما انفرط عقده بسبب الأزمات السياسية في المنطقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تقييم خيارات الدولة
في الأعوام الأخيرة، اعتمد الأردن على الاتفاقات الأمنية الثنائية والشراكات الاستراتيجية المباشرة كالشراكة مع واشنطن ودول الخليج للحفاظ على أمنه القومي، من دون الالتزام ببروتوكولات دفاعية مشتركة قد تترتب عليها استحقاقات جيوسياسية معقدة.
لذلك يعتقد مراقبون أن الانضمام إلى تحالف دفاعي ثلاثي يضم السعودية، يمنح عمَّان عمقاً استراتيجياً، لكنه في المقابل قد يقلص من مرونة الدبلوماسية الأردنية القائمة على مبدأ "النأي بالنفس" عن صراعات المحاور، ويفرض على الدولة أعباء أمنية وسياسية في توقيت إقليمي شديد الحساسية.
وتضع هذه المطالب النيابية الحكومة تحت الضغط، فيما تفضل هي إدارة ملف التحالفات الإقليمية عبر أدوات الدبلوماسية الهادئة والقنوات الأمنية المغلقة.
أسباب الغياب
بدوره، يرى المتخصص الأمني والاستراتيجي عمر الرداد أن غياب الأردن عن "التحالف الثلاثي" لا يمكن قراءته بمعزل عن الموقف العام لـ"دول الطوق" وهي الأردن ومصر ولبنان وسوريا، موضحاً أن عدم الانضمام يفند الرأي القائل إن "التعرض للتهديد هو المعيار الوحيد للشراكة الدفاعية"، لا سيما أن الأردن تعرض فعلياً لهجمات واستهدافات مباشرة من قبل فصائل موالية لطهران.
وأشار الرداد إلى أن "العقيدة الأمنية للأردن تتكئ تاريخياً على الاعتماد على التنسيق العسكري والتحالفات الثنائية المباشرة، وبخاصة مع الشريك الأميركي والقوى الدولية، وتجنب التكتلات الدفاعية الجماعية ذات التبعات المعقدة".
ويضيف الرداد أن شمول دول الطوق ومن ضمنها الأردن بهذا الاتفاق قد يحرف غايته الأساس عن مسارها، ليظهر التحالف وكأنه مواجهة مباشرة مع إسرائيل، وهو ما لا تسعى إليه الأطراف الموقعة حالياً، مؤكداً أن الهدف الجوهري للتحالف يكمن في تعزيز الموقع الاستراتيجي لأعضائه لردع أي تمدد أو فرض نفوذ إسرائيلي، وليس الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة.
حسابات استراتيجية
وفي تحليل أبعاد هذا التموضع، يطرح المتخصص والمحلل السياسي منذر الحوارات قراءة مختلفة لتفسير غياب عمان عن "اتفاقية مكة"، مؤكداً أن على رغم وجود الأردن خارجها رسمياً، فإنه يظل في "قلب منطقها الجغرافي والأمني".
ويرى الحوارات أن غياب الأردن يعد حصيلة حسابات تتعلق بطبيعة الاتفاق والتزاماته.
ويؤكد الحوارات أن الأردن يفضل مراعاة تحالفاته الدولية الممتدة مع واشنطن والقوى الغربية، مستبعداً خيار "العضوية الكاملة" في المدى القريب، لكنه يطرح في المقابل بديل الاستفادة من "التعاون الموازي" كصيغة واقعية ومرنة للانخراط في هذا الحلف بدلاً من العضوية الدفاعية الشاملة وعبر ثلاثة ملفات، هي شبكات الإنذار المبكر وأنظمة الدفاع الجوي، والتنسيق المشترك لمكافحة هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ عابرة الحدود، وتبادل المعلومات الاستخباراتية لحماية أمن الحدود ومصادر الطاقة.
وهذا النموذج وفق الحوارات يوفر للأردن المكتسبات الأمنية والتقنية لـ"تحالف مكة" من دون تحمل الأعباء السياسية والعسكرية المباشرة التي تترتب على العضوية المكتملة.