ملخص
تمنح المذكرات السينمائية مساحة جمالية بالنسبة إلى الآخر ليكون ضيفاً على سيرة النجم والتقرب منه وفهم المسار المهني الذي قطعه للوصول إلى الشهرة الفنية التي يحظى بها اليوم.
تحبل الساحة السينمائية الهوليوودية بكثير من الوجوه الفنية التي استطاعت في حياتها اليومية الخروج من ربقة الأداء السينمائي، صوب معانقة فضاء الكتابة وعوالمها التوثيقية المتشابكة، إذ حرصت كوكبة من الأسماء على إدخال القارئ أو المتفرج إلى عوالمها الذاتية من خلال شكل من الكتابة الذي يروم إلى إظهار بعض من الحقائق أكثر من إضمارها.
لذلك فإن هذه المذكرات السينمائية على رغم ما يطبع بعضها من مسحة أدبية تجعل الفنان يحاول أن يسنج بعضاً من الدراما على حياته الشخصية والمسالك التي قطعها في سبيل تحقيق حلمه الفني، فإنها تظل تضمر في باطنها اشتغالاً مكثفاً على عنصر السيرة، باعتبارها من الأنماط التعبيرية المغيبة داخل الذاكرة السينمائية. فهذه المذكرات الهوليوودية تمنح القارئ فرصة للتعرف إلى عوالم الممثل وتدفعه إلى الغوص عميقاً في حياته اليومية وتفاصيل نشأته داخل العائلة ووضعية طفولته وعلاقاته الشخصية وكل ما يتصل بسيرته الحياتية قبل تحقيقه للشهرة في عالم السينما ومتخيلها.
لهذا تمنح المذكرات مساحة جمالية بالنسبة إلى الآخر ليكون ضيفاً على سيرة النجم والتقرب منه وفهم المسار المهني الذي قطعه للوصول إلى الشهرة الفنية التي يحظى بها اليوم. وغالباً ما يروم هؤلاء الفنانون إلى إعطاء مسحة تراجيدية على سيرهم السينمائية كما لو كانت هي الأخرى "مادة سينمائية" يحاول الممثل أن يطبعها بنوع من الألم حتى يؤثر من خلالها في ذاتية القارئ.
ولا تبدو هذه الوجوه الهوليوودية نجوماً في الصورة السينمائية فقط ولكن أيضاً على أرض الواقع، إذ لا مكان للصدفة، بل للاشتغال المضني والعمل الدؤوب حتى يحقق المرء أحلامه. في حين أن هناك بعضاً من الوقائع والأحداث المرتبطة ببعض الوجوه الأيقونية التي سبق لصحافة النجوم أن قامت بفضحها وتفنيد صحتها.
ومن ثم، فإن هذا العامل الدرامي يعد مكوناً "جمالياً" داخل المذكرات السينمائية التي أصبحت في الأعوام الأخيرة تنتصر تجارياً على كبار الكتاب والروائيين في العالم، إذ يعثر المرء سنوياً على نماذج سينمائية معينة استطاعت أن تخترق عالم النشر وتؤثر في يوميات القارئ، وأضحت تحصد لنفسها عائدات مادية كبيرة عن مجمل النسخ التي يجري بيعها سنوياً.
مذكرات درامية
هذه المذكرات باتت تخلق أيضاً جدلاً واسعاً بخاصة حين يرتبط الأمر ببعض القضايا السياسية أو فضائح جنسية أو أشكال من التعنيف العائلي، فإنها سرعان ما تتحول إلى مادة خبرية تدفع الصحافة إلى الانتظام معها وربما محاولة تدقيق أحداثها ووقائعها ولما لا إعادة فتح تحقيق صحافي في كواليسها مع الجهة المعنية.
والحقيقة أن هذا الرهان على الجانب التشويقي هو الذي يجعل المذكرات تباع بقوة وتثير الجدل بيد أوساط المجتمع، لأنها تغدو عبارة عن مذكرات سينمائية مؤثرة بأفكارها وقادرة على خلق نقاش بين الأفراد وإثارة للحساسيات بين فئات ومنظمات المجتمع المدني وليس مجرد مذكرات "بطولية" تروي سيرة أناس أصبحوا ينتمون إلى عالم الصور الأيقونية.
واستغلت المؤسسات الناشرة مثل هذه المذكرات وأصبحت تسرب بعضاً من أفكارها للصحافة خلال لحظات التوقيع حتى تخلق من خلالها جدلاً "فكرياً" بين الفنانين، بما يجعل المذكرات تحظى باهتمام بالغ من طرف الناس وتغدو مادة للنقاش اليومي داخل الأوساط الثقافية والساحة الفنية الهوليوودية.
لكن بغض النظر عن بعض الحالات المعدودة على أصابع اليد الواحدة، فغالب ما كتب من مذكرات هوليوودية يتعمد أصحابها محاولة إثارة الجدل داخل المجتمع الأميركي، كما هي الحال لمذكرات الممثلة الأميركية جينيت مكوردي بعنوان "سعيدة بموت أمي" عام 2022 التي حاولت من خلال مذكراتها إبراز الطريقة التي بها استغلت والدتها جينيت لصناعة شهرة لها مذ كانت طفلة، بطريقة جعلت تفكيرها مستلباً، وهو أمر أثر فيها وجعلها تجد صعوبة في أن تصبح مستقلة، بعدما كان طموحها ألا تكون نسخة مصغرة عن فكر والدتها.
ولعل التركيز على الجانب التشويقي يعطي لهذه المذكرات انتشاراً واسعاً ويجعلها تخرج من الإطار الأدبي الوصفي الحالم الضيق الذي عادة ما تنطبع بعض الروايات التقليدية، صوب فضاء تصبح فيه أحياناً "مادة فضائحية" لكونها تسرب معطيات وإن كانت شخصية، فإن لها أثرها داخل يوميات المجتمع الأميركي.
ويجد القارئ أن هذه المذكرات تكتب وفق نفس الآلية الفكرية التي تحول المذكرات إلى عبارة عن كتابة ذاتية مفتوحة يحتل فيها التخييل أحياناً حيزاً كبيراً. كذلك فإن المذكرات تأتي وفق آلية سير ذاتية، أي إن صاحب المذكرات، لا يروي لنا يومياته داخل مواقع التصوير وطريقة انغماسه في العمل السينمائي أو الأشياء التي قد تلهمه في المجال السينمائي وتدفعه إلى بناء عوالم أخرى تمثل امتداداً حقيقياً موازياً لحياته، بقدر ما يهتم صاحب هذه المذكرات بنشأته وطفولته ومشكلاته النفسية والفضاء العائلي الذي تربى وترعرع فيه، باحثاً لنفسه عن مكانة ما داخل السيرورة التاريخية. لذلك فإن هذا الأمر يتكرر من كتابة إلى أخرى وبنفس يجعلها متشابهة من ناحية الشكل الأدبي والبناء الدرامي، مع اختلاف على مستوى الكتابة وعناصر الحكاية ومسارها اللامتناهية.
ارتفاع منسوب التأمل
إن هذه المذكرات وهي تخط لنفسها مكانة من الناحية التجارية، فإنها في العمق تكرس تقليداً فنياً داخل التجربة الهوليوودية، لأنها تجربة أدبية لا يمكن قراءتها بمنأى عن الحياة السينمائية للفنان، لذلك يحرص نقاد الفن السابع بين الفينة والأخرى على التذكير بضرورة فتح من هذه النوافذ المضيئة والحميمية التي تساعد الناقد على فهم ما يجري في حياة العمل السينمائي قبل عرضه على الشاشة الكبيرة.
وتقدم هذه المذكرات مجموعة من المعلومات حول كواليس الأفلام والمسار الأنطولوجي الذي تمر منه الفكرة، قبل أن تتجسد مرئياً على تضاريس الصورة السينمائية. ذلك أنها مذكرات تصبح بمثابة وثائق مهمة بالنسبة إلى الباحثين والنقاد الذين يستندون إليها لكتابة أبحاث سينمائية، لا تظل حكراً على مدارات الصورة وأنماطها المتنوعة، بقدر ما تطرق باب الكتابة من زوايا نظر مختلقة ومقاربات بصرية تعيد الاعتبار للعناصر الخارجية في تحليل الفيلم السينمائي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على هذا الأساس، يجد القراء في المذكرات الهوليوودية متعة خاصة وهم يتجسسون على عوالم الحياة الشخصية لأبطالهم وفهم المسارات التي قطعوها من أجل تحقيق نجوميتهم. ولا يبحث القارئ فقط في المذكرات الهوليوودية عن أسرار النجم ولكن أيضاً عن الخلطة السحرية التي قد تجعله هو الآخر ناجحاً، فلا غرابة أن تطالعنا بعض المذكرات باعتبارها تقدم دروساً ومواعظ تنفر القارئ من متعة القراءة وتزج به في نوع من الخطاب الذي يجعل أحياناً المذكرات تنحرف عن مسارها الصحيح، حين تغدو كتابة المذكرات تضبه كتب التنمية الذاتية التي تعمل على إسقاط التجارب الناجحة على مختلف التجارب الإنسانية الأخرى.
يتميز كتاب "أضواء خضراء" للممثل الشهير ماثيو ماكونهي بقدرة مذهلة على تحويل فعل الكتابة إلى مساحة فكرية يرتفع فيها منسوب التفكير "الفلسفي" الذي يحول الحياة إلى مختبر للتفكير. ذلك أن هذه المذكرات تحتل صدارة المشهد الهوليوودي بطريقة جعلت الأدباء والكتاب والإعلاميين يندهشون من قدرة ماكونهي على اختراق غلالة الواقع وتقديم تأملات فكرية حول الحياة والنجاح والخسران والحب والطفولة وغيرها من المفاهيم التي تجد براديغماتها في عنصر السيرة.
بيد أن هذه الأخيرة، لا تتجسد على تضاريس الكتابة بالطريقة نفسها التي تطالعنا بها المذكرات الهوليوودية، وإنما يحاول صاحب "كيف تخسرين رجلاً في 10 أيام" لعام 2003 أن يجعل من الأوتوبيوغرافيا (السيرة الذاتية) مجرد ذريعة لتأمل حاضره ومستقبله. وعلى رغم ما تنطبع به المذكرات على مستوى تقديم النصائح والآراء والدروس، تبقى مختلفة وتهجس بنوع من التجريب الأدبي الذي تغدو من خلاله الكتابة مفتوحة على متاهات الواقع والجسد والذاكرة.
ومن هنا حظيت أضواء ماكونهي الخضراء باهتمام النقاد واعتبروها من أهم المذكرات لكون الممثل لم يهتم بنجوميته فيحاول عبر الكتابة تكريسها وجعلها تتخذ بعداً أسطورياً، بقدر ما عمل منذ السطر الأول على اختبار ذاته أمام فعل الكتابة وهو يروم إلى نوع من المكاشفة العائلية وتربيتها القاسية وكيف سيصنع منه هذا الأمر ممثلاً أصيلاً وشخصاً صلباً لا تستطيع الأضواء الحمراء التي نصطدم بها في حياتنا اليومية التأثير في أجسادنا.