Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النوم في "العراء المطلق"... الأرصفة مأوى أسر غزة الأخير

تدمير ممنهج للمنازل وتقليص المساحات المتاحة للسكان عبر إزاحة "الخط الأصفر" غرباً

غزة تضيق بالنازحين و5 آلاف أسرة تعيش بلا مأوى على الإطلاق (أ ف ب)

ملخص

فئة "العراء المطلق" التي تضم ما لا يقل عن 5 آلاف أسرة، لا تمتلك ترف العيش حتى داخل خيمة بالية، وتتخذ من أرصفة الشوارع والساحات العامة والمقابر وحواف الطرقات مكاناً للنوم المباشر فوق التراب بلا سقف وبلا حماية.

على رصيف شارع ترابي يربط بين دير البلح وخان يونس، يجلس الخمسيني إبراهيم متكئاً على ما تبقى من حطام خزانة خشبية محترقة، لا جدران خلفه ولا أبواب ولا حتى قماش خيمة يستر الأنقاض الممتدة.

بعدما دمرت العمليات العسكرية بين "حماس" وإسرائيل منزله وشردته من حيه السكني، ضاقت غزة على إبراهيم، ولم يجد في أراضيها المتبقية خارج السيطرة الإسرائيلية مساحة يحولها إلى مأوى يعيش فيه هو وعائلته المكونة من سبعة أفراد.

لا أموال في جيب إبراهيم ليصنع خيمة تلم شتات عائلته، ولم يتسلم من المنظمات الإغاثية الشحيحة أي مأوى يقيه المذلة، يعيش اليوم في العراء الموحش من دون أي جدار يحفظ لبناته خصوصيتهن أو يمنحهن الأمان المفقود.

بضع حقائب قماشية بالية وممزقة الأطراف، وضعت على الأرض تحدد بصورة رمزية ومؤلمة مساحة المأوى الجديد الذي سيعيش فيه إبراهيم وعائلته، يقول بنبرة مخنوقة "في المرات الأولى للنزوح، كنا نبكي لأننا تركنا بيتنا المكون من ثلاثة طوابق".

وهو ينظر إلى طفلتيه النائمتين على بطانية رقيقة متسخة فرشت فوق التراب والحصى مباشرة، يضيف "اليوم، بكينا لأننا لم نجد حتى متراً واحداً من بلاستيك الشوادر يحمينا، نحن لا نمتلك خيمة، ولا نملك ثمنها الفلكي في السوق السوداء، ننام هنا في الشارع العام، وأجسادنا مكشوفة تماماً للمارة، وللكلاب الضالة التي تحوم حولنا ليلاً، وللذباب والحر الحارق الذي ينهش وجوه الأطفال نهاراً، هل جربت أن تنام وعينك في عين الشارع من دون ساتر؟".

هذه العائلة لا تعاني ضيق السكن أو قسوة الملجأ، بل تعيش في "العراء المطلق"، حيث تفصلهم السماء مباشرة عن تقلبات الطقس، ومن دون أي ساتر يحجب أجسادهم عن العابرين. وأسرة إبراهيم هي واحدة من بين آلاف الأسر في قطاع غزة التي تصنفها الجهات الإغاثية بأنها تعيش هذه الحال الكارثية، بلا أي شكل من أشكال المأوى البشري.

 

يتوزع أبناء إبراهيم في هذه المساحة المفتوحة، زوجته تنحني على الأرض محاولة إشعال بضع قطع من الكرتون المتسخ لطهي ما تيسر من بقوليات معلبة شحيحة، بينما يراقب الابن الأكبر الشارع بنظرات تملأها قلة الحيلة والقلق.

يتنهد الأب بعمق، ويضرب كفاً بكف، ثم يتمتم بعبارات حزن ثقيلة تحبس الأنفاس، ويضيف "أكبر وجع يكسر قلبي ويقتلني في كل ثانية هو بناتي الفتيات، كيف لفتيات في عمر الورد أن ينمن في الشارع العام هكذا؟ أين يستحممن؟ أين يغيرن ملابسهن؟ الخوف ينهش قلوبنا من أي قصف، أو شظية أو خطر يتربص بنا في عتمة الطريق".

في الحقيقة، تعيش غزة أزمة مأوى لا مثيل لها في العالم، إذ أعلنت وزارة الأشغال العامة والإسكان الفلسطينية أن قطاع الإيواء وصل إلى "مرحلة كارثية" غير مسبوقة نتيجة الاستمرار الممنهج في تدمير المنازل وتقليص المساحات المتاحة للسكان عبر إزاحة "الخط الأصفر" غرباً، تزامناً مع منع دخول أبسط مستلزمات الإيواء العاجل.

يقول رئيس لجنة الإيواء في وزارة الأشغال العامة والإسكان ناجي سرحان "غزة تمر بأسوأ أزمة إيواء عرفها التاريخ الحديث، فالأمر لم يعد يقتصر على تكدس العائلات في مراكز النزوح أو المدارس، بل إننا وصلنا إلى مرحلة الكارثة المطلقة بوجود آلاف الأسر الفلسطينية التي باتت بلا مأوى نهائياً تبيت في العراء والشوارع وعلى أرصفة الطرقات من دون حتى خيمة ممزقة تسترها"، ويضيف "إسرائيل تمنع منذ أشهر دخول خيام الإيواء ومستلزمات الترميم، مما جعل فئة العراء الكامل تتسع يومياً بعدما دمرت مئات آلاف الوحدات السكنية، لتصبح هذه العائلات مكشوفة تماماً أمام تقلبات الطقس من دون أي جدار يحمي خصوصيتها أو يحفظ كرامتها الإنسانية".

تزامناً مع هذه التحذيرات، أعلنت منظمات الإغاثة الدولية عن الدخول في "المرحلة الكارثية"، إذ يعيش أكثر من 1.7 مليون شخص في مواقع نزوح تفتقر إلى الخدمات الأساسية.

كيف بدأت أزمة الإيواء؟

قبل الحرب كانت جميع العائلات في غزة تعيش في مأوى أسمنتي ومن المستحيل أن تقبل أسرة العيش في خيمة، لكن الحرب المدمرة سحقت 410 آلاف وحدة سكنية، هذه المساكن تعرضت للتدمير الكلي أو الضرر البليغ الذي أفقدها مرونتها الإنشائية وجعلها غير صالحة للسكن نهائياً.

هذا الرقم المرعب يعني بلغة الهندسة المعمارية أن أكثر من 350 ألف أسرة فقدت عنوانها الثابت دفعة واحدة، وتحولت من مجتمع مستقر يمتلك بيوتاً وهويات مكانية إلى كتلة بشرية هائمة تبحث عن بدائل موقتة.

تقول مديرة دائرة الإيواء الموقت في وزارة الأشغال العامة والإسكان نجلاء حماد "ما حدث في غزة لم يكن مجرد استهداف لمبانٍ عشوائية، وإنما محو منظم وشبه كامل للمساحات الحضرية والسكنية التي بناها الغزيون على مدى عقود، خلف كل رقم في سجلات وزارة الأشغال العامة، جدران اقتلعت وحياة عائلية تبددت في لحظة قصف واحدة".

 

وأمام الدمار العمراني، انتقل مجتمع بأكمله للعيش في الخيام، إذ تشير بيانات وزارة الأشغال العامة والإسكان إلى أن أكثر من 1.5 مليون نازح يعيشون حالياً موزعين على مخيمات ومعسكرات إيواء تنتشر في مختلف مناطق القطاع.

ويسكن هؤلاء النازحون في ما يقارب 200 ألف خيمة ومأوى أقيمت على عجل فوق الأراضي الزراعية المجروفة والملاعب والمقابر والساحات العامة المتبقية.

لكن هذه الخيام التي باتت تشكل التجمع البشري الأكبر في القطاع لم تعد قادرة على الصمود، إذ إن نحو 150 ألف أسرة من قاطنيها يعيشون اليوم داخل خيام تالفة وممزقة جراء العوامل الجوية المتقلبة والاستخدام الطويل، مما يجعل هذه المعسكرات العملاقة مكتظة ومكشوفة تفتقر إلى أدنى المقومات الإنسانية أو المعايير الصحية للبقاء.

تضيف حماد "مأوى الـ150 ألف أسرة ممزق وانتهى عمر الخيام الافتراضي منذ أشهر، وباتت تالفة تماماً جراء تعرضها المستمر لأشعة الشمس الحارقة والرطوبة الساحلية، وهي بحاجة إلى استبدال فوري وعاجل لا يلوح في الأفق".

أما العائلات التي لم تحتمل قسوة الشارع وعجزت عن اقتناء خيمة، فقد اندفعت نحو ما تبقى من مبانٍ عامة، حيث تكدست نحو 52 ألف أسرة داخل منشآت ومراكز إيواء جماعية كالمدارس المتبقية، لتعيش هذه العائلات في ظروف اكتظاظ خانقة وغير صحية تلاشت فيها أدنى مقومات الرعاية.

الأبشع في هذه المعاناة، فئة "العراء المطلق" التي تضم ما لا يقل عن 5 آلاف أسرة، لا تمتلك ترف العيش حتى داخل خيمة بالية، وتتخذ من أرصفة الشوارع والساحات العامة والمقابر وحواف الطرقات مكاناً للنوم المباشر فوق التراب بلا سقف وبلا حماية.

تقف المؤسسات الإغاثية عاجزة عن تقديم المأوى لهذه الفئة، تعقب حماد "نواجه نقصاً شديداً في الحلول، حيث يقتصر المتوفر حالياً على خيام متهالكة لا تصمد أمام ظروف الشتاء أو الصيف، ولا توفر أدنى معايير الحياة الكريمة للمواطنين، ما يجري السماح بإدخاله من خيام ومستلزمات إغاثية لا يتجاوز خمسة في المئة فقط من الاحتياج الفعلي للنازحين".

وتضيف "نحتاج بصورة عاجلة إلى إدخال الكرفانات ووحدات الإيواء الموقت، لكن إسرائيل تمنع منذ أشهر دخول أي خيمة جديدة إلى القطاع، بالتوازي مع استمرار سيطرة النيران والانتشار العسكري شرق ما يعرف بالخط الأصفر، مما يجعل توفير أراضٍ جديدة لإقامة المخيمات رهناً بالانسحاب الفعلي وتوقف العمليات العسكرية".

حذرت الأمم المتحدة من أن المؤشرات الإنسانية بلغت مستويات مرعبة، إذ يعيش أكثر من 90 في المئة من المواطنين حالياً في خيام مهترئة أو مراكز إيواء مكتظة أو بين أنقاض منازلهم المدمرة، التي خلفت وراءها 60 مليون طن من الركام، مما يعيق حتى محاولات تهيئة مساحات جديدة لنصب خيام بديلة.

أين مساحة غزة؟

العيش في العراء بلا بيت ولا خيمة ليس صدفة انتشرت في غزة، والأمر لا يعود فقط لدمار المنازل وسحق الأحياء، بل لسياسة ميدانية وعسكرية محكمة خنقت جغرافيا القطاع واختزلت الأرض في مساحة لا تتجاوز 30 في المئة ليعيش عليها 2.3 مليون نسمة.

قبل الحرب، كانت المساحة الإجمالية لقطاع غزة تبلغ 365 كيلومتراً مربعاً، تعيش فيها العائلات بكثافة سكانية عالية جداً لكنها مستقرة.

لكن بعد أيام قليلة من القتال العسكري، أصدرت إسرائيل أوامر إخلاء قسرية عاجلة لكامل منطقة شمال ومدينة غزة، التي تبلغ مساحتها وحدها نحو 135 كيلومتراً مربعاً، وفرضت على أكثر من 1.1 مليون مواطن يقطنونها الانتقال الفوري للعيش في جنوب وادي غزة أو التوجه نحو الشريط الساحلي الضيق في منطقة "المواصي".

وفي ذروة العمليات العسكرية والتوغل البري العنيف، تضخمت الكارثة بصورة غير مسبوقة، حيث انحصر السكان النازحون للعيش في مساحة ضيقة جداً بلغت ستة في المئة فقط من المساحة الإجمالية لقطاع غزة، وهي البقعة التي تكدس فيها ملايين البشر فوق بعضهم بعضاً في ظروف انعدمت فيها أدنى مقومات الحياة البشرية.

لكن عقب التوصل إلى "خطة السلام والازدهار" الرامية إلى وضع حد للقتال، انسحب الجيش الإسرائيلي جزئياً، إذ تراجعت آلياته لتتمركز خلف خطوط ترسيم جديدة، تاركة نحو 47 في المئة فقط من مساحة القطاع في المنطقة الغربية للوجود الفلسطيني، بينما ظل نحو 53 في المئة من أراضي غزة تحت السيطرة العسكرية المباشرة للجيش.

 

ومن هنا، دشنت إسرائيل "الخط الأصفر" وهو حدود الترسيم العسكري الميداني الذي يفصل مناطق السيطرة الإسرائيلية شرقاً عن الساحات المسموح للفلسطينيين بالوجود فيها غرباً، وعمدت القوات الإسرائيلية إلى إزاحته وتوسيع رقعته غرباً نحو عمق القطاع بصورة مستمرة، مما حشر أكثر من مليون ونصف المليون نازح في بقعة جغرافية رملية ضيقة ومنعدمة الخدمات، ولم تعد هناك أي مساحات فارغة متبقية لنصب مخيمات جديدة.

تقول المهندسة نجلاء حماد "إزاحة الخط الأصفر ليست مجرد إجراء عسكري على الخارطة، بل هي أداة لخنق الوجود الإنساني، إسرائيل تحرك هذا الخط باتجاه الغرب ليقضم يومياً ما تبقى من مساحات يوجد فيها النازحون، لقد حشر الناس في بقعة رملية ضيقة عاجزة هندسياً عن استيعاب مخيمات جديدة، بينما بقيت المساحات الأوسع من أراضي غزة تحت طائلة الاستهداف العسكري المباشر، مما يمنع طواقمنا من تمهيد أراضٍ آمنة للأسر التي باتت تفترش التراب".

وتكشف الأرقام الجغرافية لـ"منطقة المواصي" الساحلية عن ملامح هذا الخنق الديموغرافي، فقبل الحرب كانت المواصي مجرد شريط زراعي ورملي هادئ لا تتجاوز مساحته 12 كيلومتراً مربعاً، ويسكنه نحو 9 آلاف نسمة فقط بكثافة سكانية منخفضة.

لكن بعد التشريد القسري وإزاحة "الخط الأصفر"، حشر في هذه البقعة الضيقة قرابة مليون نازح، لتقفز الكثافة السكانية إلى رقم فلكي يتجاوز 75 ألف شخص لكل كيلومتر مربع واحد، مما حول المنطقة هندسياً إلى ما يشبه "علبة كبريت بشرية" متراصة، تنعدم فيها أي مساحة لخصوصية أو حياة بشرية طبيعية.

وإلى جانب هذا الحصار الجغرافي الخانق، تحول الحرمان من أدوات بناء المأوى إلى سلاح لوجستي مباشر، إذ تستخدم إسرائيل سيطرتها المطلقة على المعابر لمنع تدفق مستلزمات الإيواء.

وفي الوقت الذي تشير فيه التقديرات الرسمية لوزارة الأشغال العامة إلى أن القطاع بحاجة فورية وعاجلة إلى ما لا يقل عن 250 ألف خيمة وشادر بلاستيكي لوقف مأساة النزوح المستمر، لا تتجاوز الكميات التي يسمح بعبورها نسبة خمسة في المئة فقط من هذا الاحتياج الفعلي، مما يترك الغالبية العظمى من العائلات بلا أدنى مقومات الحماية.

يؤكد مدير عام الإعمار في وزارة الأشغال العامة والإسكان محمد عبود أن منع إدخال مواد الإيواء والترميم هو قرار سياسي بامتياز لتعميق الكارثة الإنسانية، فالخيمة التي كان سعرها بسيطاً باتت اليوم تباع بأرقام خيالية في السوق السوداء بسبب الندرة، مشيراً إلى أن مؤسسات الإغاثة عاجزة عن توفير البدائل للأسر التي تعيش في العراء لأن ما يسمح بدخوله لا يغطي حتى حاجة المستشفيات والمراكز الطبية الميدانية من الشوادر والأغطية.

وما يقلص مساحة غزة ويمنع محاولات البلديات من تهيئة الأرض هو انتشار ركام الأحياء السكنية المدمرة، الذي تقدره الجهات الهندسية بنحو 60 مليون طن من الأنقاض والركام المتراكم في الشوارع والساحات والأراضي المفتوحة.

يقول عضو لجنة الطوارئ عاصم النبيه "هذا الحجم الهائل من الأنقاض تحول إلى جبال أسمنتية صلبة تعوق تماماً عمليات تمهيد التربة أو تسوية الأرض أو تنظيف المساحات العامة لنصب مخيمات بديلة أو إنشاء وحدات إيواء موقتة أو كرفانات، مما جعل جغرافيا غزة نفسها أرضاً محاصرة ومشلولة وغير قابلة هندسياً لاستقبال أي حلول إغاثية سريعة".

ويوضح النبيه أن البلديات تفتقر تماماً إلى المعدات الثقيلة والوقود اللازم لإزاحة هذه الكتل الأسمنتية، مما يعني أن الأرض في غزة ستبقى أعواماً غير صالحة لإقامة تجمعات سكنية موقتة أو نصب كرفانات، حتى لو توقفت الحرب.

صوت الميدان

على الرصيف المحاذي للطريق الساحلي في دير البلح، يعيش الأربعيني خليل أبو شمالة، وهو رب أسرة مكونة من ستة أفراد، ناموا في العراء المطلق طوال الأسابيع الماضية لعدم امتلاكهم خيمة أو ثمنها.

يتحدث خليل بعينين يملأهما الانكسار عن تفاصيل يومياته "الحياة في العراء تعني أنك تجلس وتطبخ وتنام وتبكي أمام آلاف الغرباء الذين يمرون من أمامك طوال اليوم، غياب الخصوصية يقتل الإنسان ببطء قبل القصف، بناتي وزوجتي يعشن في جحيم نفسي لأننا لا نملك حتى ستارة تفصلنا عن الشارع".

ويضيف خليل "النوم في الشارع يعني أنك مستباح بالكامل، في الليل تحوم حول رؤوس أطفالي الكلاب الضالة والحشرات، ونعيش في هلع دائم من القذائف العشوائية أو الشظايا، فليس هناك حجر واحد يحمينا، الأطفال يسعلون باستمرار بسبب تنفس الغبار والأتربة الناتجة عن ركام المباني القريبة".

داخل مخيم عشوائي في منطقة المواصي تقطن مرام البريم داخل خيمة بالية وممزقة، تصفها بأنها "لفظت أنفاسها الأخيرة" ولم تعد صالحة لشيء.

تقول مرام "هذه الخيمة مصنوعة من أكياس الدقيق والشوادر البلاستيكية المهترئة، وفي النهار تتحول إلى فرن حيث تتجاوز الحرارة داخلها 45 درجة مئوية، مما يضطرنا إلى الجلوس في الشارع هرباً من الموت خنقاً. أجساد الأطفال امتلأت بالتقرحات والأمراض الجلدية الغريبة مثل الجرب والجدري نتيجة الرطوبة العالية والنوم على الرمل الملوث بالحشرات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ماذا يقول القانون الدولي؟

ينظر القانون الدولي الإنساني، وتحديداً "اتفاقية جنيف الرابعة" المعنية بحماية المدنيين وقت الحرب، إلى التدمير الواسع والممنهج للأعيان المدنية والمنازل من دون وجود ضرورة عسكرية ملحة، على أنه "جريمة حرب" مكتملة الأركان.

وتلزم الاتفاقات الدولية القوة القائمة بالاحتلال بضرورة توفير مأوى ملائم للمدنيين وتأمين احتياجاتهم الأساسية للبقاء في حال اضطرارهم إلى النزوح.

تؤكد وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في تقريرها "ما يواجهه النازحون في غزة هو تجريد كامل من الكرامة الإنسانية، استمرار منع تدفق مواد الإيواء وحشر مئات الآلاف في العراء يهددان بانهيار اجتماعي وصحي شامل لا يمكن تدارك عواقبه، فالأسر فقدت كل خطوط الدفاع عن حياتها اليومية".

ما التبرير الإسرائيلي؟

في المقابل، تبرر إسرائيل ذلك بأن المواد الأساسية اللازمة لبناء أو ترميم المآوي مثل الألواح الخشبية السميكة والأنابيب المعدنية والشوادر البلاستيكية المقاومة للعوامل الجوية وحتى بعض أنواع الأقمشة وأعمدة الخيام، هي مواد تصنف عسكرياً بأنها "مزدوجة الاستخدام".

يقول متحدث الجيش الإسرائيلي نداف شوشاني "مخاوفنا الأمنية من قيام الفصائل الفلسطينية بمصادرة هذه المواد فور دخولها عبر المعابر، وتحويل مسارها لصالح المجهود العسكري، وتحديداً لاستخدام الأخشاب والمعادن في تدعيم جدران الأنفاق الهجومية تحت الأرض، أو استخدام الشوادر لإخفاء تحركات المقاتلين ومنصات إطلاق الصواريخ عن أعين طائرات الاستطلاع".

ويضيف "ضبط حركة النزوح والمواد اللوجستية المصاحبة لها يضمن عدم إعادة ترتيب الصفوف العسكرية للفصائل المسلحة داخل مخيمات النازحين، ومنع استخدام الخيام كدروع بشرية أو نقاط تخفٍ للمسلحين وسط الحشود البشرية المكتظة".

ومن جانبه يقول منسق وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق يورام هليفي "عمليات الفحص والرقابة المشددة على معابر قطاع غزة لا تستهدف منع المساعدات الإنسانية الأساسية، وإنما الهدف منها منع وصول المواد الثنائية الاستخدام التي تحاول حركة ’حماس‘ باستمرار وضع يدها عليها ومصادرتها لتدعيم البنية التحتية العسكرية وشبكات الأنفاق تحت الأرض. لا يمكننا السماح بدخول مواد لوجستية كالخشب السميك والمعادن وأعمدة الخيام من دون رقابة صارمة تضمن عدم استغلالها في المجهود الحربي ضد قواتنا".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير