Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العامل الإسرائيلي المستجد في جيوسياسية الفضاء

أدركت تل أبيب رغم غياب العمق البري المباشر لها حتمية اعتماده كعنصر حاسم في عقيدتها الأمنية

لتفادي تحويل الفضاء إلى ساحة حرب نووية مفتوحة تحركت الأمم المتحدة لصياغة معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 (موقع الأمم المتحدة)

ملخص

بينما تتصادم القوى العظمى عبر رصد موازنات فلكية بمليارات الدولارات لبناء مجرات فضائية عملاقة تضم آلاف الأقمار الاصطناعية تغطي الكوكب ككل، تقدم إسرائيل نموذجاً استراتيجياً مختلفاً قائماً على "التخصص العسكري التكتيكي والدقة عالية الجودة"، إذ أدركت تل أبيب على رغم غياب العمق البري المباشر لها حتمية اعتماد الفضاء كعنصر حاسم في عقيدتها الأمنية.

بينما يتجه انتباه العالم إلى الصراعات المشتعلة على الخرائط الجغرافية التقليدية، يرسم خط التماس الأكثر خطورة على بعد مئات الكيلومترات فوق رؤوسنا. لم يعُد الفضاء الخارجي ذاك المشاع الإنساني الهادئ الذي نصت عليه معاهدة 1967 بـأنه "ملك للبشرية جمعاء"، ولا مجرد مضمار للرمزية والسباق العلمي كما كان منذ إطلاق القمر الاصطناعي الأول "سبوتنيك 1" Sputnik 1، بل تحول إلى "الأرض المرتفعة" المطلقة التي يحسم فيها الشق الاستخباراتي والعسكري والاقتصادي لأي صراع مقبل.

وبات التحول من منطق الاستكشاف إلى واقع "عسكرة وحوكمة الفضاء المباشرة" يعيد تعريف السيادة الوطنية برمتها، فمن يسيطر على الجليد المائي في القطب الجنوبي للقمر سيمتلك وقود الصواريخ للقرن المقبل، ومن يملك الهيمنة على الترددات والمدارات المنخفضة سيتحكم في شريان الحياة للجيوش والاقتصادات على الأرض.

وفي هذا المشهد المعقد، يتجلى صراع مزدوج الأبعاد، ففي وقت يخوض العمالقة في واشنطن وبكين معركة كسر إرادة للاستحواذ على الموارد القمرية وبناء المجرات المدارية الضخمة، تتسلل قوى إقليمية متخصصة وفي مقدمتها إسرائيل عبر إعادة هيكلة رسمية تمثلت في إنشاء "مديرية الفضاء" لتثبت أن التفوق المداري لم يعُد يقاس بحجم الأسطول أو الموازنات، بل بمدى القدرة على تحويل الاستشعار الفضائي فائق الدقة إلى عنصر نشط ولحظي في قلب المعركة.

صدمة "سبوتنيك"

لم ينشأ مفهوم "جيوسياسية الفضاء" من رفاهية الاستكشاف العلمي أو الفضول الأكاديمي، بل وُلد في أوج صراعات منتصف القرن الـ20 كوليد مباشر للرعب النووي المتبادل والعقيدة العسكرية المباشرة، ففي عرف الاستراتيجية العسكرية الكلاسيكية، يظل المبدأ الحاكم هو أن من يسيطر على "الأرض المرتفعة" يملك القدرة على الرصد والمبادرة وحسم المعركة. وفي منتصف القرن الـ20، أدرك الاستراتيجيون في واشنطن وموسكو أن الفضاء الخارجي يمثل الأرض المرتفعة المطلقة التي لا تحدها جغرافيا ولا تعترف بالحدود السياسية للدول. وعندما نجح الاتحاد السوفياتي في إطلاق القمر الاصطناعي الأول "سبوتنيك 1" في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1957، لم تكُن الصدمة التي هزت الأوساط الغربية بسبب الصوت الصادر منه، بل بفضل الصواريخ الحاملة له، بعد أن أثبت السوفيات تكنولوجياً أنهم يمتلكون صواريخ باليستية عابرة للقارات قادرة على حمل رؤوس نووية وعبور الفضاء لإسقاطها في أية نقطة داخل الأراضي الأميركية.

رداً على هذه الصدمة الاستراتيجية، تحول برنامج "أبولو" الأميركي وصولاً إلى هبوط الإنسان على سطح القمر عام 1969 إلى أداة جيوسياسية لإثبات التفوق التكنولوجي والسياسي المطلق للنموذج الغربي. وبحسب تصريح أدلى به الخبير الأميركي والمنسق السابق لبرنامج أمن الفضاء تود هاريسون، خلال جلسة استماع علنية أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي حول أمن الفضاء، فإن "الفضاء لم يعُد مسرحاً ثانوياً أو مجرد وسيلة مساعدة لدعم القوات على الأرض، بل أصبح ميداناً عملياتياً مستقلاً بذاته، حيث تتنافس القوى الكبرى اليوم على التأمين المباشر لأصولها المدارية وحظر الوصول إليها".

دستور مداري 1967

ولتفادي تحويل الفضاء إلى ساحة حرب نووية مفتوحة، تحركت الأمم المتحدة لصياغة معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967  (OST) التي باتت تُعرف بـ"الدستور الجيوسياسي للفضاء"، وأرست ثلاثة مبادئ حاكمة، حظرت فيها وضع أسلحة الدمار الشامل أو الأسلحة النووية في المدار أو على الأجرام السماوية وادعاء السيادة الوطنية أو التملك على أي جزء من الفضاء أو القمر، واعتبرت الفضاء والأجرام السماوية "ملكاً للبشرية جمعاء".

لكن هذه المعاهدة صممت في زمن كانت فيه القوة الفضائية حكراً على دولتين فقط، وافترضت أن الفاعلين هم الحكومات حصراً. وهذا التغافل التاريخي أوجد ثغرات قانونية وتنظيمية هائلة خلال العصر الحالي، إذ لم تتطرق المعاهدة إلى كيفية تنظيم أنشطة الشركات التجارية الخاصة مثل "سبيس إكس" SpaceX  و"بلو أوريجين" Blue Origin، ولم تضع أطراً واضحة لاستخراج الموارد المعدنية والغازية من القمر والكويكبات، مما جعل المعاهدة القديمة قاصرة عن احتواء صراعات القرن الـ21. فالعالم اليوم يشهد إعادة صياغة للنظام الدولي الفضائي عبر تشكل قطبين استراتيجيين يتنافسان على الاستحواذ على القمر المأهول والنقاط المدارية الحساسة.

 

وتقود الولايات المتحدة عبر وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) ووزارة الخارجية الأميركية تحالفاً دولياً يضم عشرات الدول إضافة إلى عمالقة القطاع الخاص تحت مظلة "اتفاقات أرتيميس" التي لا تهدف إلى مجرد إعادة الإنسان لسطح القمر، بل لفرض تفسير قانوني واقتصادي جديد لمعاهدة 1967، إذ تعتمد الاتفاقات مفهوم "مناطق الأمان"، وهو مفهوم يتيح للدول الموقعة وللشركات التابعة لها وضع نطاقات حصريةٍ حول مناطق عملياتها وقواعدها القمرية لمنع التداخل أو اقتراب المنافسين.

وترى واشنطن في هذه المناطق وسيلة تنظيمية حيوية، بينما يراها الخصوم شرعنة عملية لخصخصة القمر والاستحواذ على الموارد من دون ادعاء سيادة ترابية رسمية. في المقابل، أسست بكين وموسكو حلفاً منافساً تحت اسم "محطة الأبحاث القمرية الدولية" (ILRS) ونجح هذا المحور في استقطاب دول متعددة من آسيا وأميركا الجنوبية وأفريقيا. وينطلق هذا المحور من رفض الأحادية الأميركية، معتبراً أن "اتفاقات أرتيميس" محاولة غريبة للالتفاف على منظومة الأمم المتحدة وبناء قواعد حصرية تخدم نموذج الرأسمالية الغربية. ويستهدف بناء قواعد دائمة تعتمد في مراحلها الأولى على الروبوتات والذكاء الاصطناعي لاستخراج الموارد وإنشاء مجمع أبحاث مأهول بحلول ثلاثينيات هذا القرن.

معركة القمر

يعود تركز أنظار التكتلين على القطب الجنوبي للقمر تحديداً، لوجود كميات ضخمة من الجليد المائي (تجمعات الجليد الصلب المتراكمة في الفوهات المظلمة التي لا تصل إليها ألمع الشمس مطلقاً منذ مليارات السنين). وتكمن القيمة الجيو-اقتصادية للجليد المائي في أنه ليس مخصصاً لشرب رواد الفضاء وحسب، بل يمكن تفكيكه كيماوياً عبر الطاقة الشمسية إلى عنصريه الأساسيين الأوكسجين للتنفس والهيدروجين الذي يمثل وقود الصواريخ الأساس. وبذلك، فإن من يسيطر على القطب الجنوبي يتحكم في "محطة الوقود المدارية" التي ستشغّل الرحلات المستقبلية نحو العمق الفضائي والمريخ.

وقال مدير "ناسا" بيل نيلسون في تصريح أدلى به خلال شهادة رسمية موثقة أمام لجنة المخصصات في مجلس النواب الأميركي "نحن في سباق فضائي حقيقي مع الصين. يجب أن نكون حذرين للغاية من أن يصلوا إلى القطب الجنوبي للقمر أولاً تحت ستار الأبحاث العلمية، ثم يقولوا ’ابقوا بعيداً، نحن هنا وهذه منطقتنا حصرية‘". وأضاف أن "من يسيطر على الجليد المائي المحدود هناك هو من سيتحكم في مستقبل الاستكشاف التجاري والعسكري للفضاء السحيق".

ورداً على التصريحات الأميركية، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية وانغ ون بين خلال مؤتمر صحافي دوري بمقر وزارة الخارجية في بكين "المسؤولون الأميركيون يواصلون تشويه الجهود الفضائية المشروعة والصافية للصين. الفضاء الخارجي ليس ساحة للمصارعة أو لعبة محصلتها صفر، بل هو مجال مشترك للبشرية". وأردف أن "الصين ملتزمة الاستخدام السلمي للفضاء الخارجي وتعارض تماماً عسكرته أو سباقات التسليح فيه."

تخصص تكتيكي

وبينما تتصادم القوى العظمى عبر رصد موازنات فلكية بمليارات الدولارات لبناء مجرات فضائية عملاقة تضم آلاف الأقمار الاصطناعية تغطي الكوكب ككل، تقدم إسرائيل نموذجاً استراتيجياً مختلفاً قائماً على "التخصص العسكري التكتيكي والدقة عالية الجودة"، إذ أدركت تل أبيب على رغم غياب العمق البري المباشر لها حتمية اعتماد الفضاء كعنصر حاسم في عقيدتها الأمنية، والذي يستخدم لمراقبة التحركات العسكرية والأنشطة الصاروخية والمواقع الاستراتيجية على امتداد آلاف الكيلومترات خارج حدودها. وتمكنت من إطلاق سلسلة أقمار "أوفيك" (Ofek) المتطورة التي تتميز بقدرة على الاستطلاع المداري المنخفض ودقة تصوير كهرو-بصرية فائقة.

واعتمدت إسرائيل بصورة مكثفة على تقنية الرادار الذي يركز على أقمار الرادار ذي الفتحة الاصطناعية مثل "تكسار" TecSAR  و"أوفيك-13" Ofek-13 التي تمنح القوات القدرة على التصوير والرصد عبر الغيوم واختراق الظلمة التامة واكتشاف المنشآت والأنفاق والمواقع المعززة.

 

ونظراً إلى موقعها الجغرافي وعدم وجود حدود صديقة شرقها، تتفرد إسرائيل بإطلاق أقمارها نحو الغرب (باتجاه البحر المتوسط) عكس اتجاه دوران الأرض، باستخدام صاروخ الإطلاق المحلي "شافيت" (Shavit) المشتق من الصواريخ الباليستية الذي يتطلب طاقة وقود مضاعفة، ويضمن عدم سقوط حطام الصواريخ على أراضي الدول المجاورة عند فشل عمليات الإطلاق.

وفي تحول استراتيجي يهدف إلى نقل العمليات الفضائية الإسرائيلية من مجرد جهود استخباراتية مساندة إلى إطار عسكري عملياتي متكامل، أنشأ الجيش الإسرائيلي "مديرية الفضاء" التابعة لسلاح الجو التي تتولى الربط المباشر بين الأصول الفضائية ووحدات الاستخبارات العسكرية المتخصصة (مثل الوحدة 9900 المعنية بالاستخبارات الجغرافية المكانية)، وبين أنظمة قيادة المعارك الميدانية. ويتيح هذا التكامل اختصار الوقت اللازم لتحويل بيانات القمر الاصطناعي إلى هدف عسكري محدد، مما يربط الفضاء مباشرة بـ"سلسلة إطلاق النار" خلال دقائق معدودة. كذلك، تتولى المديرية حماية الترددات الراديوية والأقمار الاصطناعية من محاولات التشويش الإلكتروني والهجمات السيبرانية.

دفاع مداري

وتتداخل العسكرة الفضائية الإسرائيلية بصورة مباشرة مع منظومة الدفاع الصاروخي متعددة الطبقات، وتمثل منظومة "حيتس 3" (Arrow 3) النموذج الميداني لهذه العسكرة المدارية، إذ إنها مصممة خصيصاً لاعتراض وتدمير الصواريخ الباليستية وهي لا تزال تفلت خارج الغلاف الجوي للأرض (في الفضاء الخارجي) باستخدام تقنية الاصطدام المباشر، ويمنح هذا التفوق التكنولوجي المنظومة قدرة مضمرة على العمل كسلاح حركي مضاد للأقمار الاصطناعية لتدمير الأقمار العسكرية في المدارات المنخفضة إذا تطلبت العقيدة الأمنية ذلك.

ووفقاً لما قاله رئيس إدارة تطوير الأسلحة والبنية التحتية التكنولوجية في وزارة الدفاع الإسرائيلية دانييل غولد خلال كلمة رئيسة في مؤتمر الفضاء الدولي السنوي بـ"مركز هرتسليا"، فإن "التفوق التفاضلي لإسرائيل لا يكمن في حجم الموازنات أو التوسع الأفقي، بل في الاندماج الكامل بين الاستشعار المداري المتقدم والذكاء الاصطناعي وأنظمة الدفاع الميداني"، وأردف أن "الفضاء بالنسبة إلينا ليس مشروعاً استكشافياً، بل هو طبقة أمنية حيوية لحماية إسرائيل وإدارة عمليات معقدة في الوقت الحقيقي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعقب توقيع اتفاق بين وزارة الدفاع الإسرائيلية وقيادة الفضاء الأميركية يضمن مشاركة بيانات التوعية بالظروف الفضائية، صرحت الأخيرة عبر موقعها الرسمي أن "التعاون الفضائي مع الشركاء الإقليميين المتقدمين تكنولوجياً، كإسرائيل، يعزز السلامة المدارية المتبادلة"، مؤكدة خلال بيان صحافي مشترك أن "مشاركة بيانات التتبع والتنبؤ بالتهديدات المدارية تضمن حماية البنية التحتية الحيوية للأقمار الاصطناعية ضد الأخطار السيبرانية والفضائية المتزايدة."

سيناريوهات مستقبلية

وفق خبراء ومتخصصين، يواجه المستقبل الجيوسياسي للفضاء ثلاثة سيناريوهات رئيسة ستحدد طبيعة النظام الدولي المقبل. ويطرح الأول، انقسام المدار الأرضي والقمر إلى مناطق نفوذ مغلقة بين حلف "أرتيميس" والمحور "الصيني- الروسي"، فتُفرض "مناطق الأمان" بقوة الردع العسكري والسيطرة التكنولوجية، مع نجاح القوى الإقليمية المتخصصة في حجز موقعها داخل التكتلات الكبرى.

أما الثاني، فيتوقع حدوث مواجهات عسكرية حركية أو تشويش واسع النطاق يؤدي إلى تدمير أقمار اصطناعية وتوليد ملايين الشظايا المدارية المتناثرة التي قد تتسبب في اصطدامات متتالية تعطل المدار الأرضي المنخفض (LEO) بالكامل، مما يغلق بوابة الفضاء ويمنع الإطلاق الفضائي لعقود عدة. في حين يناقش السيناريو الثالث صياغة معاهدة ملزمة جديدة تحت رعاية الأمم المتحدة توازن بين حقوق الاستثمار التجاري والخصخصة، وتضع ضوابط صارمة لمنع التسلح المباشر وتحديد أطر حظر التشويش المداري.

وفي وقت يرسم العمالقة في واشنطن وبكين معالم النظام الدولي المداري الجديد عبر تكتلات قمرية ومجرات اصطناعية عملاقة، تظهر التجارب الإقليمية المتخصصة أن المرونة التكتيكية والدقة عالية الجودة قد تكونان في كثير من الأحيان أسرع أثراً على الأرض وأكثر حسماً في إدارة الأزمات. كيف لا والصراع الراهن على المدارات الأرضية والقواعد القمرية ليس مجرد فصل تكنولوجي محرج في تاريخ البشرية، بل هو إعادة تعريف جذري لمفهوم السيادة الوطنية والقوة الجيوستراتيجية، خصوصاً بعد أن أثبتت تحليلات استراتيجية أن الفضاء لم يعُد ساحة معزولة عن الأرض، بل أصبح البنية التحتية الحيوية التي تحكم الاتصالات والاقتصاد والاستخبارات والدفاع، وأن مستقبل القوة والنفوذ خلال العقود المقبلة لن يُكتب على الخرائط المعتادة، بل سيُرسم بأشعة الليزر والترددات الراديوية في مدارات تعلو أسطحنا بآلاف الكيلومترات.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير