ملخص
صدرت صحيفة "الرياض" خلال بداياتها في ثماني صفحات، ثم توسعت تدريجاً حتى وصلت في بعض مراحلها إلى نحو 60 صفحة، وارتفع عدد الصحافيين السعوديين المتفرغين فيها من 10 بادئ الأمر إلى أكثر من 200 بعد ثلاثة عقود.
بعد أكثر من ستة عقود على صدور عددها الأول، تستعد صحيفة "الرياض" السعودية لإنهاء طبعتها الورقية في الـ24 من أغسطس (آب) الجاري، في واحدة من أبرز محطات التحول في تاريخ الصحافة السعودية.
القرار الذي يشمل أيضاً قرينتها مجلة "اليمامة" الثقافية، يضع حداً لمشهد اعتاده السعوديون لعقود، وصول "الرياض" إلى صناديق الصحف المعلقة أمام أبواب المنازل، ورائحة الورق وطقوس تصفح الصفحات، قبل انتقالها إلى نموذج نشر رقمي كامل عبر الموقع والمنصات الإلكترونية ونسخة PDF، إذ أصبحت كلفة الطباعة والتوزيع وتراجع عادات القراءة الورقية تحديات عالمية لصناعة الصحافة.
وحظي هذا الخبر باهتمام واسع لدى شريحة كبيرة من السعوديين، بخاصة أن "الرياض" التي صدرت عام 1965، باتت جزءاً من ذاكرة الحياة العامة السعودية، وخرج من صفحاتها صحافيون وكتاب شكلوا أجيالاً متعاقبة من الإعلاميين.
"ملك الصحافة"
ويصعب الحديث عن "الرياض" وقصتها من صحيفة ناشئة إلى واحدة من أبرز الصحف السعودية من دون التوقف عند تركي السديري، أحد أبرز رموز الصحافة السعودية، الرجل الذي أطلق عليه الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز لقب "ملك الصحافة" وهو الذي ارتبط اسمه بالصحيفة لأكثر من أربعة عقود.
وتولى رئاسة تحريرها عام 1974 وهو في الـ30 من عمره، وبقي في المنصب 41 عاماً حتى استقالته عام 2015. وخلال هذه المسيرة، ارتبط اسمه أيضاً بعموده الصحافي "لقاء" الذي بدأه عام 1972 واستمر نحو 43 عاماً، ليصبح من أطول الأعمدة عمراً في تاريخ الصحافة السعودية، والسديري الذي كرمته البلاد حياً، كرمته بعد مماته بتسمية شارع باسمه.
وخلال تلك الأعوام تغيرت الصحيفة بصورة كبيرة، إذ كانت تصدر خلال بداياتها في ثماني صفحات، ثم توسعت تدريجاً حتى وصلت في بعض مراحلها إلى نحو 60 صفحة، وارتفع عدد الصحافيين السعوديين المتفرغين فيها من 10 بادئ الأمر إلى أكثر من 200 بعد ثلاثة عقود، وفق استعادة نشرتها "الجزيرة" لمسيرة السديري.
حول العالم
وكانت تلك الحقبة أيضاً مدرسة للكتاب، ومن بينهم فهد عامر الأحمدي الذي بدأ الكتابة في "الرياض" في سبتمبر (أيلول) 2000 واشتهر بعموده اليومي "حول العالم".
وتعكس مسيرته التي استمرت نحو 19 عاماً جانباً من قدرة الصحيفة على تحويل الكاتب إلى علامة مرتبطة بها، وتعكس كذلك مكانة الصحافة الورقية السعودية في صناعة النجوم الصحافيين.
تجربة رقمية تبعث التفاؤل
ما يحدث في "الرياض" ليس حالاً صحافية سعودية معزولة. فقبل عقد، شهدت بريطانيا تجربة أكثر وضوحاً مع "ذا اندبندنت" The Independent، حين أعلنت في فبراير (شباط) 2016 أنها ستتوقف عن الطباعة، وكان عددها الأخير في الـ26 من مارس (آذار) من العام نفسه.
وبالمقارنة، عاشت "ذا اندبندنت" البريطانية نحو 30 عاماً في نسختها الورقية منذ صدورها عام 1986، قبل أن تتحول إلى صحيفة رقمية بالكامل. أما "الرياض" التي بدأت عام 1965، فتغادر الورق بعد نحو 61 عاماً من الطباعة، أي بعد ضعف المدة التي قضتها "ذا اندبندنت" تقريباً في نسختها الورقية.
ولم تكُن ثمة لغة تشاؤمية ساورت البريطانية العريقة وقراءها حين أصبحت بعد رقمنتها من أكثر مواقع الصحف البريطانية نمواً، وبلغ جمهورها نحو 70 مليون مستخدم فريد شهرياً، بحسب إدارة الصحيفة آنذاك.
والأرقام اللاحقة جعلت تجربة "اندبندنت" واحدة من أكثر الأمثلة إثارة للاهتمام. ففي السنة المالية 2018 سجلت المجموعة "إيرادات بلغت 27 مليون جنيه استرليني وأرباحاً قدرها 2.3 مليون جنيه"، لتكون تلك السنة الثالثة على التوالي من الأرباح بعد التحول الرقمي.
وبحلول عام 2024 بلغ حجم الأعمال 53.2 مليون جنيه، وفق تحليل نشرته INMA في 2026.
الرياض ويمامتها
مع ذلك، لا تقدم "اندبندنت" وصفة نجاح مضمونة يمكن لـ"الرياض" و"يمامتها" اتباعها، لكنها تجربة تستحق التمعن بتفاصيلها.
وهنا تكمن المسألة بالنسبة إلى "الرياض"، فالانتقال من الورق إلى الشاشة يخفض ربما أعباء الطباعة والتوزيع، لكنه يضع الصحيفة في سوق أكثر ازدحاماً وسرعة، حيث ينافسها الهاتف ومنصات التواصل بمؤثريها والمواقع الإخبارية التي ولدت رقمية ولم تعرف الورق وحبره.
وستواجه "الستينية" العريقة التي كثيرة ما كانت رفيقة للناس والمنازل والأبواب امتحاناً رقمياً في زمن بات فيه الرهان دوماً على الخبر وما وراءه، والمحتوى الأكثر جرأة وعمقاً.
لكن وعلى رغم توقف أوراق "الرياض"، وتوقف المصانع والمطابع، فإن اسمها وأرشيفها المعاصر لخمسة ملوك للبلاد منذ عام 1965 سيظلان خالدين بما وثّقاه لتحولات السعودية التي باتت اليوم تسابق الزمن نحو مستقبلها.