ملخص
خلال أقل من عامين، واجه دونالد ترمب سلسلة متقاربة من محاولات الاغتيال والاختراقات الأمنية والتهديدات المباشرة داخل الولايات المتحدة، فضلاً عن أخطار خارجية دفعت الأجهزة الأميركية إلى تغيير ترتيبات سفره سراً في تركيا. ومع ارتفاع قضايا التهديد التي يحقق فيها جهاز "الخدمة السرية" وتكرار خروقات المجال الجوي حول تحركاته، تحولت حماية ترمب إلى واحدة من أكثر مهمات الحماية الرئاسية تعقيداً، في وقت يواجه الجهاز نفسه انتقادات بسبب إخفاقاته السابقة.
ليس أسلوب دونالد ترمب وحده ما يجعله استثناءً بين ساكني البيت الأبيض، بل أيضاً حجم الأخطار التي تحيط به، فمنذ عودته للحكم في يناير (كانون الثاني) عام 2025، توالت تهديدات القتل والاختراقات الأمنية والحوادث المسلحة، قبل أن يكشف تهديد إيراني أخيراً عن بعد خارجي أكثر تعقيداً، بعدما دفع الأجهزة الأميركية إلى تنفيذ عملية سرية غير اعتيادية لإخراجه من تركيا. ولا تكمن دلالة هذه الوقائع في كل حادثة على حدة، بقدر ما تكشفه مجتمعة من اتساع دائرة الخطر حول الرئيس الأميركي، ففي أقل من عامين اخترق مسلح محيط مقر إقامته في مارالاغو، واقتحم آخر حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض، فيما لاحقت السلطات مجموعة من الأشخاص المتهمين بتهديده بالقتل.
10 آلاف قضية تهديد
يصعب حصر التهديدات الموجهة إلى ترمب، إذ يتجنب جهاز الخدمة السرية الأميركي نشر حصيلة دورية مفصلة لكل شخص يحميه، لكن بيانات الوكالة والقضايا الكثيرة التي تباشرها وزارة العدل تكشف عن اتساع التهديد بصورة غير مسبوقة، ففي يوليو (تموز) الماضي، قال المتحدث باسم الخدمة السرية أنتوني جوجليلمي إن الجهاز حقق في نحو 10 آلاف قضية تهديد خلال النصف الأول من عام 2026 وحده، بزيادة تقارب أربعة في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق موقع "أكسيوس".
وزاد عدد الحالات التي اضطرت فيها الخدمة السرية إلى التدخل للتعامل مع أشخاص يطلقون تهديدات وهم في أزمات نفسية إلى نحو 10 أضعاف مقارنة بعام 2025، وشملت التدخلات نقل بعضهم إلى مرافق للرعاية النفسية والتنسيق مع عائلاتهم والأطباء لاحتواء الخطر. ولا تخص هذه الأرقام ترمب وحده، إذ يحمي جهاز الخدمة السرية أيضاً نائب الرئيس وأعضاء في الحكومة وقضاة المحكمة العليا ورؤساء سابقين وشخصيات أخرى، لكنها تمثل مؤشراً على البيئة الأمنية التي يتحرك فيها الرئيس الأميركي حالياً.
وفي حين لا توجد قاعدة بيانات معلنة في الولايات المتحدة توثق التهديدات التي يتعرض لها الرؤساء بما يسمح بالمقارنة الدقيقة، يصف موقع "أكسيوس" ترمب بأنه الرئيس الأكثر استهدافاً في التاريخ الأميركي الحديث، نظراً إلى سجل التهديدات ضده التي تتنوع بين اقتحامات مسلحة ومحاولات اغتيال مباشرة ومخططات مرتبطة بإيران.
وكان باراك أوباما من أكثر أسلافه تعرضاً للتهديد، إذ نقلت "واشنطن بوست" عام 2014 تقديرات بأن التهديدات الموجهة إليه بلغت نحو ثلاثة أضعاف ما واجهه رؤساء سابقون، وسط مخاوف متزايدة آنذاك من الجماعات العنصرية والمتطرفة بعد انتخاب أول رئيس أسود، غير أن مدير الخدمة السرية السابق مارك سوليفان قدّم تقديراً مختلفاً، قائلاً إن حجم التهديدات ضد أوباما لم يكُن أعلى بصورة جوهرية مما واجهه بيل كلينتون وجورج دبليو بوش.
ويكشف تاريخ الاعتداءات المباشرة عن أن الخطر لم يكُن غريباً على البيت الأبيض، فوفق خدمة أبحاث الكونغرس شهد التاريخ الأميركي الحديث 18 اعتداء مباشراً على رؤساء أو رؤساء منتخبين أو مرشحين للرئاسة، وتعرض سبعة من آخر تسعة رؤساء إلى محاولات اغتيال، إذ تعرض جيرالد فورد لمحاولتي اغتيال خلال أسابيع عام 1975، وأصيب رونالد ريغان بالرصاص عام 1981، وأطلق مسلح النار على البيت الأبيض خلال عهد كلينتون عام 1994، فيما ألقيت قنبلة يدوية باتجاه جورج دبليو بوش خلال زيارته جورجيا عام 2005 لكنها لم تنفجر.
لكن ما يميز ترمب هو تقارب محاولات استهدافه زمنياً وتنوع مصادرها، إذ نجا خلال الحملة الانتخابية في يوليو 2024 من إطلاق النار في باتلر بولاية بنسلفانيا، ثم من محاولة ثانية في ملعبه للغولف بفلوريدا بعد شهرين، قبل أن توجه السلطات في أبريل (نيسان) الماضي، بعد نحو 15 شهراً من عودته للحكم، إلى رجل ثالث تهمة محاولة اغتياله خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض، وبذلك واجه ترمب ثلاث قضايا صُنفت أو عوملت باعتبارها محاولات اغتيال خلال أقل من عامين، فضلاً عن حوادث أخرى بقيت دوافعها غير محسومة، لكنها مجتمعة تكشف عن مستوى استثنائي من الخطر قلما شهدته الرئاسة الأميركية في تاريخها الحديث.
التهديدات الإلكترونية
خلال عام 2025، كان جزء كبير من الخطر الذي تعاملت معه السلطات يبدأ من شاشة هاتف أو منشور في مواقع التواصل، لكنه لم يكُن دائماً مجرد غضب سياسي عابر. ففي بنسلفانيا مثلاً، اعتقلت السلطات شون مونبر بعدما نشر تهديدات بقتل ترمب ومسؤولين فيدراليين. وعند توقيفه، ضبطت السلطات ثلاثة مسدسات اشتراها خلال فبراير ومارس 2025، بعدما كان حصل على تصريح لشراء الأسلحة عقب عودة ترمب للسلطة. وقالت وزارة العدل إنه تحدث أيضاً عبر الإنترنت عن شراء الذخائر والدروع الواقية وتنفيذ أعمال عنف، وأقرّ لاحقاً بذنبه.
وفي ميشيغان، هدد جيمس فانس عبر منصة "بلوسكاي" بقتل ترمب ونائبه جي دي فانس وآخرين، وقال إنه لا يبالي إن قتلته الخدمة السرية خلال التنفيذ، قبل الحكم عليه بالسجن عامين. وفي تكساس، اعتقل روبرت هيريرا عشية زيارة لترمب بعدما نشر تعليقاً على صورة محاولة اغتيال باتلر قال فيه إنه "لن يخطئ"، وأرفق ذلك بصورة لسلاح وذخيرة.
وتكررت القضايا من ماساتشوستس إلى جورجيا وفلوريدا ووست فرجينيا، مما يجعل أهميتها مجتمعة أكبر من تفاصيل كل واحدة منفردة، فهي تظهر المعضلة التي تواجهها الخدمة السرية، إذ يتعين عليها التمييز يومياً بين آلاف التعليقات الغاضبة والتهديدات غير القابلة للتنفيذ وبين شخص ينتقل بالفعل من الكتابة إلى شراء سلاح أو الاقتراب من موقع الرئيس.
الاستهدافات الداخلية الوشيكة
وشهد عام 2026 ارتفاع مستوى الخطر، ففي الـ22 من فبراير (شباط) الماضي، تمكن أوستن تاكر مارتن، البالغ 21 سنة، من الدخول عبر البوابة الشمالية إلى قصر مارالاغو في فلوريدا بينما كان يحمل بندقية. وطلب منه عناصر الخدمة السرية إلقاء السلاح، لكنه رفع البندقية إلى وضع إطلاق النار، فأطلقوا النار عليه وقتلوه. ولم يكُن ترمب داخل القصر حينها، ولم تعلن السلطات دافعاً يثبت أن الرجل كان يسعى إلى اغتياله، ولذلك تصنف الحادثة باعتبارها اختراقاً شديد الخطورة لا محاولة اغتيال مؤكدة.
وبعد شهرين في الـ25 من أبريل الماضي، سافر كول توماس ألين من كاليفورنيا إلى واشنطن، واقتحم نقطة تفتيش في فندق "واشنطن هيلتون" أثناء إقامة عشاء مراسلي البيت الأبيض الذي كان ترمب يحضره وأطلق النار، فأصاب أحد عناصر الخدمة السرية قبل اعتقاله. وقال الادعاء إن الأدلة أظهرت أنه كان يستهدف مسؤولين كباراً في الإدارة، ووجهت إليه تهمة محاولة اغتيال رئيس الولايات المتحدة، وهي أخطر واقعة موثقة تعرض لها ترمب منذ بدء ولايته الثانية.
ولم يقتصر الخطر على ذلك، ففي الـ23 من مايو (أيار) الماضي، أطلق رجل النار قرب نقطة أمنية للبيت الأبيض بينما كان ترمب موجوداً داخله، فرد عناصر الخدمة السرية وقتلوه. وأوردت "أسوشيتد برس" آنذاك إن الحادثة كانت ثالث واقعة إطلاق نار في محيط ترمب خلال نحو شهر، ولم يثبت أن مطلق النار في الواقعة الأخيرة كان يحاول اغتيال الرئيس، لكنها أظهرت مدى تقارب الحوادث المسلحة من الدائرة الرئاسية.
التهديدات الخارجية والجوية
وكشفت العملية السرية الأخيرة لإخراج ترمب من تركيا عن أن دائرة التهديد لم تعُد محصورة بأفراد داخل الولايات المتحدة، بل امتدت إلى أخطار خارجية أكثر تعقيداً، وفي مقدمتها التهديدات الإيرانية المعلنة. ففي يوليو الماضي، وبعد قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، تلقى المسؤولون الأميركيون معلومات استخباراتية عن تهديد إيراني يستهدف ترمب، مما دفع الخدمة السرية والجيش إلى تنفيذ مناورة أمنية غير معتادة. غادر الرئيس طائرته الرئاسية سراً داخل مركبة تموين، وانتقل إلى طائرة عسكرية أصغر، بينما واصلت "إير فورس وان" رحلتها وعلى متنها موظفون وصحافيون كانوا يعتقدون بأنه لا يزال فيها، وأكد ترمب لاحقاً أنه امتثل لتعليمات الأجهزة الأمنية بسبب خطورة التهديد.
وتميز هذه الواقعة التهديد الإيراني عن معظم الحالات السابقة، فهي ليست منشوراً لشخص غاضب أو أن مسلحاً منفرداً يقترب من حاجز أمني، وإنما خطر رصدته الاستخبارات واعتبرته جدياً إلى درجة تغيير وسيلة سفر رئيس الولايات المتحدة خارج البلاد.
وامتدت الضغوط الأمنية لتشمل تزايد خروقات المجال الجوي، فبحلول التاسع من مارس (آذار) عام 2025، أي بعد أقل من سبعة أسابيع على تنصيب ترمب، سجلت قيادة دفاع الفضاء الجوي لأميركا الشمالية (نوراد) أكثر من 20 خرقاً لمنطقة الحظر الجوي حول مارالاغو وتحركات ترمب في فلوريدا، مما استدعى في بعض الحالات تدخل مقاتلات "أف 16"، لكن "نوراد" أوضحت أن معظم هذه الحوادث يعود لطيارين مدنيين لم يراجعوا إشعارات حظر الطيران، ولم تعتبرها محاولات لاستهداف الرئيس.
وتجددت الخروقات الجوية في أغسطس (آب) الجاري، إذ اعترضت مقاتلات أميركية طائرتين مدنيتين دخلتا المجال الجوي المحظور فوق بيدمينستر في نيوجيرسي الأحد الماضي، بينما كان ترمب في ناديه للغولف، ضمن خمسة خروق سجلتها "نوراد" في المنطقة خلال عطلة نهاية الأسبوع. وبعد ثلاثة أيام فقط، اليوم الأربعاء، تدخلت مقاتلات "أف 16" مجدداً لاعتراض طائرة مدنية اخترقت منطقة الحظر الجوي أثناء حضور ترمب فعالية رياضية في أوهايو.
ولا تعني تلك الخروق وجود مؤامرات اغتيال في الجو، لكن كثرتها تضيف طبقة أخرى إلى العبء الأمني، إذ يتعين على الحماية الرئاسية اليوم مراقبة الأرض والجو والإنترنت في الوقت نفسه، والتعامل مع خطر محتمل مصدره فرد داخل البلاد أو دولة أجنبية.
ولا يُعد الاغتيال خطراً جديداً على الرئاسة الأميركية، فأربعة رؤساء قتلوا أثناء وجودهم في المنصب، ونجا آخرون من إطلاق نار وقنابل واقتحامات، لكن حال ترمب تجمع عناصر نادراً ما اجتمعت بهذه الكثافة في فترة قصيرة، محاولة اغتيال أصابته شخصياً خلال حملته الانتخابية، ومحاولة ثانية بعد شهرين، ثم محاولة ثالثة بعد عودته للرئاسة واختراق مسلح لمقر إقامته وتهديدات قتل متكررة وحوادث إطلاق نار قرب البيت الأبيض وتهديد خارجي دفع إلى تغيير طائرته سراً.
وتضع هذه التهديدات حهاز الخدمة السرية أمام اختبار صعب، بخاصة أنه واجه انتقادات حادة بعد محاولة اغتيال ترمب في باتلر عام 2024، بعدما كشفت التحقيقات عن سلسلة من الإخفاقات الأمنية التي كان يمكن تفاديها. وفي المقابل، يصعب فصل تقييم أداء فريق الحماية عن بيئة أمنية تتزايد فيها التهديدات بوتيرة حادة وتتسع معها المسؤوليات.
وبين إرث الإخفاقات السابقة وتصاعد حجم الأخطار، يواجه الجهاز تحدياً مزدوجاً، منع تكرار الثغرات التي كادت تكلف ترمب حياته، والاستجابة في الوقت نفسه إلى سيل متنامٍ من التهديدات من دون أن تُستنزف قدرته على حماية الرئيس أو المسؤولين الآخرين.