ملخص
على أثر افتتاح متحف الحضارة المصرية والمتحف الكبير، شهد الإقبال على المتحف المصري بالتحرير تراجعاً ملحوظاً، إذ كشف عبدالحليم مدير المتحف المصري عن تراجع أعداد الزوار بعدما كانت ما بين ما بين 7 و8 آلاف زائر يومياً وربما أكثر لتراوح في الوقت الحالي ما بين 1000 و2000 زائر يومياً.
على مدى أكثر من 100 عام كان المتحف المصري بالتحرير (وسط العاصمة) هو المتحف الرئيس الذي يمثل وجهة أساسية للمصريين والسائحين من المهتمين بالمصريات على رغم وجود متاحف أخرى في القاهرة تهتم بمجالات أخرى مثل المتحف الإسلامي والقبطي ومتاحف الفنون وغيرها.
لكن وعلى مدى الأعوام الأربعة الأخيرة بدا أن المشهد والوجهة تغيرا، وذلك إثر افتتاح متحف الحضارة المصرية بمنطقة الفسطاط عام 2021، ومن بعده المتحف الكبير العام الماضي، بكل ما صاحبه من زخم إعلامي وترويجي، مما جعل أنظار المصريين والسياح تتوجه إليه، بخاصة أن كلاً من المتحفين الجديدين حصل على نقطة قوة من المتحف المصري بالتحرير، فالأول نقلت إليه المومياوات الملكية في موكب مهيب كان محط أنظار العالم حينها، والثاني نقلت إليه مجموعة كنوز توت عنخ آمون التي كانت من أهم نقاط الجذب في المتحف وإن لم تكن مكتملة العرض.
وأمام هذا التحول في وجهة السياح والمصريين بالنسبة إلى متحف العاصمة الرئيس، بدأت تثار كثير من النقاشات بين المتخصصين حول وضع المتحف المصري وكيف يمكن إعادة ترتيبه ليبقى في دائرة الضوء باعتباره من أهم المتاحف في العالم وليس في مصر وحدها بما يضمه من قطع أثرية فريدة لا مثيل لها إضافة إلى القيمة التاريخية الكبيرة للمبنى ذاته المسجل كأثر ويعد من أجمل مباني المتاحف في العالم بطرازه المعماري الفريد، ويضم نحو 100 ألف قطعة أثرية معروضة إضافة إلى مثلها في المخازن، وهو رقم ضخم ويدلل على القيمة الكبيرة للمتحف ومقتنياته، وفق ما يقول مدير المتحف علي عبدالحليم.
مقترحات متواصلة للتطوير
منذ افتتاح المتحف المصري الكبير وربما قبل ذلك بقليل، عكف كثير من المتخصصين على تقديم مقترحات عن الكيفية التي يمكن الحفاظ بها على وضع المتحف القديم ومكانته مع الزخم الذي سيصاحب افتتاح المتحف الكبير، وتعددت المقترحات وكان من بينها تصور فاروق حسني وزير الثقافة السابق وصاحب فكرة إنشاء المتحف المصري بأن يتم تحويل المتحف المصري بالتحرير لمركز دولي عالمي لعلم المصريات، ليصبح مدرسة ذات ثقل على المستوى العالمي لدراسة هذا العلم، مؤكداً أن هذا المقترح سيضيف كثيراً لمصر وللمتحف.
كذلك اقترح البعض أن يتم إغلاق المتحف بشكل كامل فترة قد تصل لعام أو أكثر، يعاد فيها ترتيب المتحف وتغيير سيناريو العرض المتحفي وفق رؤية جديدة تماماً وأن يقام له حفل افتتاح كبير باعتبار أن هذا من شأنه أن يعيده لدائرة الضوء ويقدم صورة عن أن هذا المتحف يقدم للعالم بحلة جديدة، فيما ذهب آخرون لاعتبار أن المتحف حتى بعد افتتاح المتحف المصري الكبير ونقل آلاف القطع الأثرية إليه لا تزال مجموعاته الأثرية من الأهم والأبرز في عالم المصريات ولا تحتاج إلا إلى حملة إعلامية تضعها في بؤرة الضوء وتركز على قيمتها التاريخية، مع الإشارة إلى أن بدروم المتحف المصري يحوي عشرات آلاف القطع الأثرية التي لم يعرض معظمها من قبل، متسائلين لماذا لا تخرج مجموعات من هذه القطع للنور وتعرض ويتم الترويج للمتحف باعتبار أنه يعرض قطعاً أثرية سيراها الزوار للمرة الأولى؟
وأخيراً أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار هشام الليثي خلال تصريحات صحافية أن نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 سيشهد مرور 125 عاماً على افتتاح المتحف، وأن هناك تصوراً لاستغلال هذا الحدث لإعادة تقديم المتحف للعالم من جديد بعد إعادة الترتيب.
وبدأت فكرة إنشاء متحف للآثار المصرية في عهد الخديوي إسماعيل عام 1863 بناءً على اقتراح من عالم المصريات الفرنسي أوجست مارييت، وعام 1902 تم الانتهاء من بناء المبنى، الذي افتتحه الخديوي عباس حلمي الثاني ليكون أول متحف للآثار في منطقة الشرق الأوسط.
وعلى أثر افتتاح متحف الحضارة المصرية والمتحف الكبير، شهد الإقبال على المتحف المصري بالتحرير تراجعاً ملحوظاً، إذ كشف عبدالحليم مدير المتحف المصري عن تراجع أعداد الزوار بعدما كانت ما بين ما بين 7 و8 آلاف زائر يومياً وربما أكثر لتراوح في الوقت الحالي ما بين 1000 و2000 زائر يومياً.
بيت المصريات في العالم
وعلى رغم تعدد مقترحات المتخصصين والمعنيين بالآثار المصرية حول تطوير المتحف المصري بالتحرير، التي قد تختلف في فحواها فإن جميعها تتفق على أن هناك حاجة ماسة إلى وضع رؤية جادة للمتحف وبصورة خاصة بعد التصريحات الأخيرة بالانخفاض الكبير في أعداد الزائرين منذ افتتاح المتحف المصري الكبير.
وفق رؤية المتخصص في المصريات، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية حسين عبدالبصير فإن "المتحف المصري بالتحرير هو بيت المصريات في العالم كله وهو لا يحتاج إلا إلى أن يعاد تسويقه للجمهور من المصريين والأجانب بخلق نقطة جذب جديدة"، موضحاً أنه "بالفعل يضم المتحف مجموعات قيمة جداً من الكنوز والآثار ولكنها تحتاج إلى أن يتم الدعاية لها عبر حملات إعلامية مكثفة في الداخل والخارج".
ومن أبرز الكنوز التي يضمها متحف التحرير، وفق عبدالبصير، تأتي "مجموعة ذهب تانيس التي يمكن أن تمثل نقطة جذب كبيرة وتحل محل توت عنخ آمون بعد انتقاله للمتحف الكبير بخاصة عندما تذكر قصتها وحكاية اكتشافها، ومجموعة تويا ويويا من القطع الفريدة التي تحتاج إلى أن توضع في بؤرة الاهتمام بصورة أكبر، إضافة إلى روائع الفن المصري القديم الموجودة في المتحف"، مشيراً إلى أهمية عدم إغفال عامل التكنولوجيا الحديثة وتأثيرها في الزائر في المتاحف حالياً وهو ما مثل نقطة قوة في المتحف الكبير، معتبراً أن "هناك حاجة ماسة إلى الاستعانة بالتكنولوجيا في عملية تطوير المتحف المصري بالتحرير، فهذا يمثل إضافة إلى تجربة الزائر".
ويمضي عبدالبصير في حديثه، قائلاً "الفكرة المقترحة بإقامة مركز للمصريات في المتحف يمكن أن يتم تنفيذها في جزء منه بحيث لا تلغي رسالته الأساسية كمتحف للآثار ولكن تكون مكملة لها، فهذا المتحف هو الأول من نوعه في مصر وأفريقيا والشرق الأوسط ولا بد من أن يبقى دوره الأساس كمتحف إلى جانب أي أدوار أخرى يمكن أن يتم إضافتها إليه".
مع رحيل مجموعة كنوز الملك الشاب توت عنخ آمون عن المتحف عرضت في المتحف المصري في الفترة الأخيرة كنوز تانيس، وهي مجموعة تم العثور عليها في منطقة صان الحجر بالشرقية عام 1939 واكتشفها عالم الآثار بيير مونييه، ويرى كثير من المتخصصين أن المجموعة لا تقل في أهميتها عن كنوز توت عنخ آمون ولكنها لم تحظ بالشهرة والاهتمام بالقدر الكافي حينها بسبب تواكب توقيت اكتشافها مع الحرب العالمية الثانية.
ومنذ أعوام طويلة كانت مجموعة تويا ويويا معروضة في الدور العلوي للمتحف ولكنها ربما لم تحظ بالشهرة التي تستحقها، لأن قربها كانت مجموعة كنوز توت عنخ آمون التي تمثل عنصر جذب لا يقاوم للمصري والسائح على السواء، ويرى كثير من المتخصصين أن هذه المجموعة ذات أهمية كبيرة ويمكن أن تكون ذات ثقل كبير بخاصة مع ربطها بالحكاية والتسلسل التاريخي، فتويا هي أم واحدة من أقوى ملكات مصر القديمة وهي الملكة "تي" جدة توت عنخ آمون.
وتعد المجموعتان في نظر المتخصصين من أقوى عوامل الجذب التي يمكن أن يتم الاستعانة بها في الحملات الدعائية لاستعادة الزوار للمتحف المصري خلال الفترة المقبلة.
فمن منظور المتخصص في المصريات، المدير التنفيذي لمؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث علي أبو دشيش "ما حدث من انخفاض لأعداد الزائرين في المتحف المصري بالتحرير كان متوقعاً، لأن العالم كله كان ينتظر افتتاح المتحف المصري الكبير وكانت هناك حال من الزخم الكبير نتج منها رغبة المصريين والأجانب على السواء في الذهاب للمتحف الجديد، فكان من الطبيعي انخفاض عدد زائري المتحف المصري خلال هذه الفترة، غير أنه لا أعتقد أن الوضع سيستمر على هذا المنوال، فالمتحف المصري علامة من علامات القاهرة وذو قيمة كبيرة وهو وجهة أساسية لزوارها حتى لو وجدت متاحف أخرى، والمبنى ذاته له قيمة تاريخية كبيرة باعتباره أول مبنى يتم إنشاؤه بغرض أن يكون متحفاً في المنطقة بكاملها، فالمبنى مسجل كأثر وهو من أجمل المتاحف في العالم".
ويضيف أبو دشيش "هناك مقترحات كثيرة لتطوير المتحف وتغيير سيناريو العرض المتحفي، ولكن من وجهة نظري أن المتحف بوضعه الحالي به قطع أثرية ليس لها مثيل ولكنها لا تحظى بالدعاية الكافية ويمكن استغلالها للتسويق للمتحف بصورة كبيرة، فعلى سبيل المثال يذهب الناس لمتحف برلين لرؤية تمثال نفرتيتي، وهي القطعة الأشهر في المتحف التي تعد عامل جذب رئيساً، والمتحف المصري به عشرات القطع لو تم إبرازها بالشكل الكافي يمكنها أن تكون عنصر جذب كبير، من بينها تابوت بسوسنس الأول الذي يعرف بالملك الفضي، لأن تابوته على عكس الشائع صنع من الفضة وليس الذهب باعتبارها كانت معدناً نادراً وأكثر قيمة بكثير من الذهب في هذا العصر، ومثل تمثال منكاورع الذي يعد تحفة فريدة لا مثيل لها، إضافة إلى مجموعة تويا ويويا وكنوز تانيس وغيرها كثير، فإذا تم إبراز هذه القطع ستكون عوامل جذب كبيرة بعد نقل المومياوات الملكية وكنوز توت عنخ آمون".
التكنولوجيا والمتاحف الحديثة
في وقت أصبح فيه التوجه العالمي الجديد في عالم المتاحف لا يتعامل معها كمجرد أماكن لحفظ الآثار وعرضها للجمهور فحسب، بل كمؤسسات ثقافية متكاملة لها دور في مجتمعاتها، وفي الوقت نفسه أصبح للتكنولوجيا حضور كبير في عالم المتاحف، وباتت تمثل عامل جذب كبيراً للزائر وهو ما تم اعتماده في المتاحف الحديثة التي افتتحت في مصر مثل متحف الحضارة والمتحف المصري الكبير، وهو ما يدعو المتخصصين إلى اعتماده مع مشروع تطوير المتحف المصري بالتحرير.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقول مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية عبدالرحيم ريحان إن "هناك ضرورة لإدخال الإبهار في العرض المتحفي على غرار المتحف المصري الكبير ومنها تقنية الهولوغرام، بعرض تفاصيل القطع بتقنية ثلاثية الأبعاد مما يتيح للزوار رؤية القطع بشكل استثنائي بحيث تعرض مشاهد تحاكي مصر القديمة بطريقة بصرية تخطف الأنظار، واستخدام تقنية الواقع المعزز لتتيح للزوار دمج القطع الأثرية بالواقع المحيط بها، والتقاط صور فريدة وتجربة تحاكي أعمال التنقيب والترميم واستخدام الذكاء الاصطناعي والإرشاد الذكي وتوفير تجارب ترفيهية وتعليمية للأطفال تعتمد على الشاشات الذكية لتصميم نقوش مصرية رقمية أو بناء نماذج للآثار".
ويطرح ريحان تصوراً يتعلق بإدارة المتحف، موضحاً "هناك ضرورة لمعاملة المتحف المصري بالتحرير إدارياً ومالياً معاملة المتحف الكبير ومتحف الحضارة بأن يكون هيئة عامة ذات شخصية اعتبارية فهذا من شأنه تسهيل كثير من الأمور وتسريع اتخاذ القرارات، في الوقت نفسه هناك ضرورة لتكثيف النشاط الثقافي والعلمي على المستوى المحلى والإقليمي والعالمي بعقد مؤتمرات دولية في علوم المصريات بالمتحف تجذب الأنظار للمتحف وتدعم دوره كمؤسسة علمية ثقافية عالمية".
وسجل مبنى المتحف المصري بالتحرير على القائمة التمهيدية لـ"اليونيسكو" وهو ما يرشحه للتسجيل على قائمة التراث العالمي للمنظمة الدولية.
وقد تم التسجيل استناداً إلى القيمة المعمارية الكبيرة للمتحف، إذ يمثل تصميمه الفريد للمهندس الفرنسي مارسيل دورنون الذي فاز بمسابقة عام 1895 نموذجاً أصيلاً ومرجعياً لتصميم المتاحف على مستوى العالم، كذلك فإنه أول صرح متحفي يشيد لغرض العرض المتحفي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومهد علم المصريات نظراً إلى اتساع وأهمية مجموعاته الأثرية.
وبحسب عبدالرحيم ريحان "إذا نجحت مصر في تسجيل المبنى كتراث ثقافي مادي بـ’اليونيسكو‘ سيمثل هذا دفعة قوية ودعاية مجانية للمتحف وسيؤدي إلى زيادة كبيرة في الإقبال على زيارته بخاصة إذا صاحبته حملة دعائية ضخمة باللغات الأجنبية عبر هيئة تنشيط السياحة والمكاتب السياحية بالخارج بلغات عدة، تعرض تاريخ المتحف وتركز على القطع الاستثنائية بمتحف التحرير وهي كثيرة حتى بعد افتتاح المتحف الكبير، ومن بينها صلاية نعرمر موحد القطرين، وتمثال القزم سنب وزوجته، ورأس الملكة حتشبسوت المصنوعة من الغرانيت، ومقصورة حتحور وغيرها من القطع الفريدة، إضافة إلى عمل جرد للمخزن واستخراج مجموعة قطع تعرض للمرة الأولى لتمثل عنصر جذب جديداً".
ويتابع ريحان "في الوقت نفسه لا بد من أن يكون هناك حرص على الاهتمام بالسياحة الداخلية، فاستمرارها يحقق عائداً كبيراً أيضاً علاوة على دورها الأساس في التثقيف والتعلم والاهتمام برحلات المدارس والجامعات".