ملخص
شهدت الأعوام الأخيرة ومنذ احتدام التوتر في أعقاب "العملية العسكرية الروسية الخاصة" في أوكرانيا، وفي محاولة للحد من الأضرار التي نالت من حركة السفن الروسية في مياه البحر الأسود، وفي ظل تزايد الأخطار الجيوسياسية والعسكرية على طول الطرق التقليدية، تزايد اعتماد روسيا على طريق بحر الشمال لتصدير نفطها على متن ما تملكه من ناقلات تابعة لما يُسمى بـ"أسطول الظل" التابع لمنطقة القطب الشمالي، حسب "تسمية" الاتحاد الأوروبي.
كشفت الأحداث الإقليمية والعالمية خلال الفترة القليلة الماضية عن أهمية وجود طريق مغاير للطرق التقليدية التي كثيراً ما تحددت عبرها خطوط وممرات النقل الاستراتيجية التقليدية.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عاد إلى "الطريق البحري الشمالي" ليؤكد أهميته الشديدة لكل من روسيا والتجارة الدولية، وليعلي دور بلاده ولعقود طويلة في استكشاف القطب الشمالي.
ومن المعروف في هذا الصدد أن روسيا ليست فقط أكبر الدول مساحة جغرافية، بل وصاحبة أكبر أسطول في العالم لكاسحات الجليد، إلى جانب، وكما ذكرت "انفو بريكس" الصينية، أن طريق بحر الشمال يمكن أن يحل جزئياً محل إمدادات النفط عير مضيق هرمز.
وتقول المصادر الروسية إن نحو 15 ناقلة نفط تتحرك على طول الساحل الشمالي لروسيا أو راسية في بحر كارا (شمال سيبيريا متفرع من المحيط المتجمد الشمالي)، في انتظار كاسحة جليد نووية لمواصلة رحلتها شرقاً اعتباراً من الإثنين الثالث من أغسطس (آب) الجاري. وذلك الى جانب ثلاث ناقلات نفط تبحر حالياً على طول طريق بحر الشمال، إحداها تُنهي رحلتها في القطب الشمالي. وذلك فضلاً عن أن ناقلتين أخريين تتجهان شمالًا من الغرب، عبر بحر النرويج وبحر بارنتس، وقد تم تخصيص ثلاث كاسحات جليد تعمل بالطاقة النووية لمرافقة هذه الناقلات.
وفي حديثه إلى صحيفة "كومسومولسكايا برافدا" الروسية قال مساعد الرئيس الروسي، رئيس الهيئة البحرية نيكولاي باتروشيف، إن "المهمة الأهم هي الحفاظ على أسطول الغواصات النووية وتحديثه باعتباره أساس الردع النووي البحري".
وإذ أشار باتروشيف إلى أن هذه أولوية مهمة، ولكنها ليست الوحيدة، قال "إننا نتحدث أيضاً عن تطوير البنية التحتية العسكرية والمدنية في القطب الشمالي، وتعزيز أنظمة الدفاع الساحلي وخفر السواحل في جميع المياه، وإنشاء مجموعة متكاملة من السفن والغواصات المسيرة".
وأكد أنه "من المهم أيضاً نشر نظام الاستطلاع والاستهداف البحري الخاص بنا القائم على كوكبة من الأقمار الاصطناعية"، بما يعني الأهمية العسكرية والجيوسياسية لذلك الطريق البحري الشمالي، وما يحمله في طياته من مكاسب اقتصادية وامتيازات عسكرية.
وفي هذا الصدد يتوقف مراقبون كثر عند ما استهل به الرئيس الأميركي دونالد ترمب ولايته الثانية بالحديث عن ضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة، وما قاله في هذا الشأن عن احتمالات المواجهة مع كل من روسيا والصين. ونذكر في هذا الصدد ما اتسمت به تصريحات بوتين حول هذه القضية من تحفظ شديد.
"نقل النفط وكاسحات الجليد"
ليس غريباً أن تمتلك روسيا أضخم أسطول لكاسحات الجليد في العالم، بما في ذلك ثماني كاسحات جليد نووية قوية مثل "أركتيكا"، و"يامال"، ونحو 34 كاسحة تقليدية، لكنه قد يكون "أكثر غرابة" أن يتوقف مؤشر القيادة الروسية عند الطريق البحري الشمالي كممر للشحن البحري من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ، يمر عبر ساحل القطب الشمالي الروسي من بحر بارنتس، بمحاذاة سيبيريا، إلى الشرق الأقصى، في الوقت الذي يكون فيه ذلك مستحيلاً إلا في غضون شهرين فقط في العام يخلو خلالهما من الجليد.
وذلك ما لم يكن ليغيب عن قيادات الدولة التي لم تعد تعرف مستحيلاً، منذ بدأت التنقيب عن النفط والغاز تحت الجبال الجليدية التي تغطي القطب المتجمد الشمالي، على رغم كل التحديات التي خففت التغيرات المناخية بما تركته من بصمات خلال العقود القليلة الماضية، من حدة بعضها.
وها هي روسيا بما تمتلكه من أسطول لكاسحات الجليد، رفدته بثماني كاسحات نووية، ترسخ هيمنتها في هذه المناطق، وتضمن الملاحة عبر الطريق البحري الشمالي، بما تقوم به هذه الكاسحات من تكسير للجليد الذي يصل سمكه إلى ثلاثة أمتار، وتسهيل للتجارة، ونقل للشحنات من الموانئ السيبيرية، وسط خطط لتوسيع الأسطول بوحدات جديدة مثل "تشوكوتكا" و"لينينغراد" و"ستالينغراد" لتعزيز النفوذ الاستراتيجي.
وتقول المصادر الروسية "إنه في الوقت الذي يسعى فيه الاتحاد الأوروبي جاهداً إلى تقليص عائدات صادرات النفط الروسية، تحوّل موسكو صادرات الطاقة إلى المحيط المتجمد الشمالي، مما يسمح لها بالحفاظ على مستويات إمداد عالية تاريخياً، وتقليل أوقات التسليم، وتجنب الطرق الإشكالية".
تفادياً لتهديدات الجنوب
وشهدت الأعوام الأخيرة ومنذ احتدام التوتر في أعقاب "العملية العسكرية الروسية الخاصة" في أوكرانيا، وفي محاولة للحد من الأضرار التي نالت من حركة السفن الروسية في مياه البحر الأسود، وفي ظل تزايد الأخطار الجيوسياسية والعسكرية على طول الطرق التقليدية، تزايد اعتماد روسيا على طريق بحر الشمال لتصدير نفطها على متن ما تملكه من ناقلات تابعة لما يُسمى بـ"أسطول الظل" التابع لمنطقة القطب الشمالي، حسب "تسمية" الاتحاد الأوروبي.
وذلك لتجنب التهديدات في البحر الأسود، ولصعوبة سيطرة الغرب على نقل النفط الخام الروسي. وشهدت الفترة الأخيرة نقل قرابة 13.1 مليون برميل من النفط عبر هذا الطريق. وتقول المصادر الروسية إن أسطول ناقلات النفط، بين أرخبيل "نوفايا زيمليا" (في شمال غربي القطب الشمالي)، و"شبه جزيرة تايمير" (في الشمال الشرقي من القطب الشمالي) بدأ الاستعدادات لنقل 8 ملايين برميل من النفط عبر الطريق البحري الشمالي. وتمثل هذه الكميات نحو 60 في المئة من إجمال صادرات روسيا من النفط القطبي إلى الدول الآسيوية، وفي مقدمها الصين والهند وغيرهما، خلال موسم الشحن في فصلَي الصيف والخريف.
وتقول المصادر الروسية إن نحو 15 ناقلة نفط تتحرك على طول الساحل الشمالي لروسيا، أو راسية في بحر كارا (شمال سيبيريا)، في انتظار كاسحة جليد نووية لمواصلة رحلتها شرقاً اعتباراً من الإثنين الموافق الثالث من أغسطس (آب) الجاري. وذلك في وقت تبحر ثلاث ناقلات نفط حالياً على طول طريق بحر الشمال، إحداها تُنهي رحلتها في القطب الشمالي، فيما تتجه ناقلتان أخريان شمالاً من الغرب، عبر بحر النرويج وبحر بارنتس.
وقد تم تخصيص ثلاث كاسحات جليد أخرى تعمل بالطاقة النووية لمرافقة هذه الناقلات.
وتقول المصادر الغربية إن العقوبات المفروضة على روسيا من جانب بلدان الاتحاد الأوروبي والبلدان الغربية الأخرى، أسفرت عن حرمانها من القدرة على شراء المنتجات من شركات بناء السفن الأجنبية، وذلك نظراً إلى أن الشركات الروسية، التي كانت قبل الحرب الباردة تطلب في أغلب الأحيان هذه السفن من أحواض بناء السفن الكورية الجنوبية، تقف حائلاً دون ذلك.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويسير بناء السفن المتخصصة في الملاحة عبر الجليد الكثيف، في حوض بناء السفن "زفيزدا" في الشرق الأقصى ببطء شديد بسبب مشكلات في توريد المعدات، التي تستورد روسيا معظمها، فضلاً عن مشكلات التمويل ومنها الارتفاع المطرد في الكلف عاماً بعد عام، إلى جانب نقص المتخصصين الذي يبلغ حد الندرة في أحيان كثيرة.
كذلك فإن إجمال حجم البضائع المنقولة عبر البحار القطبية الروسية انخفض في عام 2025 بنسبة 2.3 في المئة مقارنة بالعام السابق، ليصل إلى 37.02 مليون طن. وشكّل الغاز الطبيعي المسال 58 في المئة من هذا الحجم، والنفط ومشتقاته 21 في المئة، ومكثفات الغاز أربعة في المئة، على حد تقديرات المصادر الغربية.
لكن ذلك كله لم يمنع مساعد بوتين، رئيس الهيئة البحرية الروسية، نيكولاي باتروشيف من أن يؤكد أخيراً في حديثه إلى صحيفة "كومسومولسكايا برافدا" الروسية أن موسكو تؤدي حالياً ليس فقط أداءً جيداً في بناء السفن ومنها الغواصات وسفن الصواريخ الصغيرة، وسفن مكافحة الألغام، في العمليات القتالية وحسب، بل وتحظى أيضاً باهتمام شركائنا الأجانب.
"مواجهة التحديات"
وكان باتروشيف أشار أيضاً في حديثه إلى "كومسومولسكايا برافدا"، إلى أن "دور القوة البحرية في العالم يتزايد اليوم بوتيرة متسارعة". وقال إن "السيطرة على الممرات البحرية الاستراتيجية، كمضيق ملقا، ومضيق هرمز، ومضيق باب المندب، وبحر البلطيق وغيرها، باتت أداة رئيسة للضغط والردع، فضلاً عن أن إغلاق ممر واحد كفيل بانهيار سلاسل الإمداد العالمية".
ولفت مساعد بوتين إلى أن من بين المهمات التي يجب معالجتها لتعزيز القوة البحرية الروسية، زيادة الوجود البحري للبلاد في المناطق النائية، فضلاً عن تطوير التعليم والعلوم البحرية، وأكد أن "الأهم هو أن يكون الأسطول متوازناً، قادراً على مواجهة كل التحديات التي تواجه البلاد في السلم والحرب"، وأضاف "لو أن بلادنا سلكت المسار الذي فرضه علينا دعاة الليبرالية ذوو الأصوات العذبة في التسعينيات، وفككت الأسطول السوفياتي، ولم تترك سوى قوة دفاع ساحلية صغيرة، لما كان لدينا ساحل على بحر البلطيق أو البحر الأسود، ولا حتى ساحل على القطب الشمالي. ولكنا قد دُفعنا إلى عمق القارة، وانقطعنا عن بقية العالم، وفي نهاية المطاف لكانت بلادنا قد تمزقت".
وشدد على ضرورة استشراف المستقبل وتحليل احتمالية نشوب النزاعات البحرية، ومشاركة القوارب المسيرة بكثافة في القتال في البحر الأسود، مثل ما يحدث في الفترة الأخيرة في هذه المنطقة.