ملخص
عززت حرب إيران من مساعي المملكة المتحدة لاستعادة علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي. يدعو رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى رفع سقف الطموح في هذا المجال، ولكنه لا يريد التراجع عن تعهد حزبه بعدم العودة إلى العضوية الأوروبية، فهل من سبيل لتحقيق هذه المعادلة الصعبة؟
حملت حرب إيران جانباً إيجابياً من وجهة نظر فئة من البريطانيين، فقد أظهرت حاجة بلادهم إلى تعزيز علاقاتها مع جيرانها في القارة العجوز، وإن سار هذا التقارب على خير ما يرام، فيأمل هؤلاء في أن نشهد خلال سنوات قليلة عودة المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي.
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قال أمس في مؤتمر صحافي إن الحرب أكدت ضرورة تعميق علاقة المملكة المتحدة مع الأوروبيين، ولكن السؤال هو، هل يمكن أن يبلغ الأمر حد الرجوع عن "بريكست"، وهل يعود ستارمر عن تعهده بعدم وقوع ذلك خلال عهده؟
بعد وصوله إلى السلطة في يوليو (تموز) 2024، سئل ستارمر عن علاقة المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي، فقال إنها بحاجة إلى تصحيح وتقوية، أما العودة الأوروبية فهي خطوة لن يقدم عليها أبداً، ولن تحدث خلال ولاية البرلمان الحالي التي تنتهي في 2029.
إذا تراجع ستارمر عن تعهده هذا فلن يكون الأمر مستهجناً، أولاً لأن حكومته باتت مشهورة في العودة عن قراراتها، وثانيا لأن الظروف التي تحدث فيها رئيس الوزراء تغيرت وتبدلت كثيراً لناحية الفرص والأخطار التي تعيشها المملكة المتحدة اليوم داخلياً وخارجياً.
هناك احتمال أخر ليس بمستحيل، هو أن يكون عمر الحكومة أقصر من ولاية البرلمان، أي أن يستبدل ستارمر بزعيم عمالي آخر يقود البلاد ويكون أكثر انفتاحاً على فكرة العودة إلى الاتحاد، ومجاراة رغبة شريحة من البريطانيين بإطلاق استفتاء جديد على "بريكست".
هناك تيار في حزب العمال الحاكم يميل إلى هذا المنحى، ومن أبرز رموزه عمدة لندن صادق خان الذي دعا "العمال" إلى طرح العودة إلى الاتحاد الأوروبي كعنوان رئيسي في الاستحقاق البرلماني المقبل عام 2029، وتجاوز شعارات تعزيز علاقات لندن وبروكسل.
ترددت إشاعة بأن ستارمر سيمنح خان لقب السير لعله يتجنب الجهر بهذا الطرح ثانية، نفت الحكومة الشائعة، ولكنها لا تستطيع نفي إصغائها لقوة الحجة في حاجة المملكة المتحدة إلى روابط متينة مع بروكسل قد لا تتحقق إلا عبر العودة إلى العضوية الأوروبية.
وزير شؤون مجلس الوزراء البريطاني نيك توماس- سيموندز قال بعد لقائه أخيراً مع ماروش شيفتشوفيتش، المسؤول في بروكسل عن ملف الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، إن الطرفين يجب أن يوسعا أفقهما عند النظر إلى المستقبل، والبحث عن نموذج مميز لعلاقتهما.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تجري بريطانيا مع جيرانها حواراً أطلقه ستارمر بداية ولايته تحت عنوان "إعادة ضبط " العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، وضعت أسس الضبط المأمول خلال العام الماضي، لكن النقاش حول التنفيذ لا يزال مستمراً ويواجه تحديات عدة يأمل الطرفان بتذليلها قريباً.
ثمة قمة بريطانية- أوروبية سيعلن عنها قريباً، تأمل الحكومة بأن تطلق "إعادة الضبط" التي رسمت خطوطها العريضة في قمة مايو (أيار) 2025، وتقول نعومي سميث، رئيسة منظمة "الأفضل لبريطانيا"، إن السعي نحو تعاون أوثق مع الأوروبيين هو أمر صائب.
بحسب سميث، يجب المضي قدماً وبسرعة في إعادة بناء الروابط الحاسمة مع أوروبا، حيث تُظهر الأبحاث الاقتصادية المستقلة أن النمو الاقتصادي الذي يحتاجه الشعب البريطاني لا يتحقق إلا من خلال تعميق التوافق بين جميع القطاعات الصناعية والخدمية.
أبرم الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة العام الماضي تفاهمات بشأن حركة الشباب والزراعة والطاقة والدفاع. تنفيذ التفاهمات يواجه تحديات في المجالات الأربعة، لكن وزيرة الخزانة البريطانية راشيل ريفز تعتبر تجاوزها "ضرورة استراتيجية للطرفين".
تصر بروكسل على معاملة الشباب الأوروبي كمواطنين عندما يتعلق الأمر برسوم الدراسة في جامعات المملكة المتحدة، كذلك أرادت حرية كاملة لهذه الفئة في العمل والعيش في بريطانيا حتى يبلغ الفرد 30 سنة من عمره، فيخضع لقواعد البالغين في هذا المجال.
قال أحد المطلعين على المفاوضات إن "هناك إرادة سياسية قوية من دول الاتحاد الأوروبي للتوصل إلى اتفاق مع بريطانيا لكن المسألة أصبحت شائكة للغاية"، فيما أشار آخر إلى "أن المحادثات منتظمة بين الطرفين، لكن التقدم تباطأ كثيراً بسبب عدة قضايا".
في ملف حركة الشباب أيضاً تريد لندن عدداً مقيداً من أبناء الاتحاد الأوروبي الذين يقصدون المملكة المتحدة كل عام للإقامة بغرض الدراسة أو العمل، ويبدو أن بروكسل تبدي مرونة بمنح بريطانيا صلاحية "تفعيل المكابح" إذا ما تصاعدت الأرقام أكثر من اللازم.
هناك نقاط اختلاف في مفاوضات الصحة والزراعة وعدد الشركات البريطانية التي يمكن أن تدخل أسواق الاتحاد ضمن الاتفاقيات الجديدة في هذا المجال، تريد لندن أن يتاح المجال لاثنتين أو ثلاثة من بريطانيا بين كل 10 شركات وبروكسل تريد واحدة فقط.
حتى في مجال الدفاع المشترك الذي جعلته الظروف الدولية حتى قبل حرب إيران، أولوية في القارة العجوز، لم تستطع لندن أن تقنع بروكسل بتوسيع مشاركة الشركات البريطانية في برامج الاتحاد الأوروبي للتصنيع العسكري بسبب تحفظات عدة لدول التكتل.
الأساس في برامج مثل صندوق الدفاع الأوروبي أنها تموَّل من موازنة التكتل، وبالتالي يحق للدول الأعضاء التي تموّل الموازنة أن تستفيد من تلك البرامج قبل أي طرف أجنبي، كذلك هناك خشية من أن يؤدي إشراك المملكة المتحدة إلى تسرب التكنولوجيا خارج الاتحاد.
المصلحة الوطنية
يقول ستارمر إن بريطانيا ستسعى إلى توثيق علاقاتها الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي في ظل "استمرار العالم بالسير في مسار متقلب يجعل المصلحة الوطنية للمملكة المتحدة على المدى الطويل تتطلب شراكة أوثق مع حلفائها في القارة العجوز ومع الاتحاد".
وشدد ستارمر على أن خروج المملكة المتحدة من عضوية الاتحاد الأوروبي "ألحق ضرراً بالغاً باقتصادها"، والفرص المتاحة لتعزيز الأمن وخفض تكاليف المعيشة على البريطانيين من خلال توطيد العلاقة مع التكتل ثانية "كبيرة للغاية بحيث لا يمكن تجاهلها".
لا يريد ستارمر للقمة البريطانية- الأوروبية هذا العام أن تكتفي بالتصديق على التزامات حالية تعهدت بها قمة 2025، بل يريدها أكثر طموحاً على حد تعبيره. ولكن سقف هذا الطموح هو ما بات يهم البريطانيين اليوم، أين يمكن أن يصل ومتى قد يبلغ منتهاه؟
سئل ستارمر عن العودة إلى السوق الأوروبية الموحدة التي تتيح حرية حركة السلع والخدمات والأشخاص بين الدول الأعضاء، فأجاب أنه "يتوجب على المملكة المتحدة تعزيز تعاونها مع الاتحاد الأوروبي في مجالات الدفاع والأمن والطاقة والانبعاثات والاقتصاد".
يطمح ستارمر "إلى بذل المزيد من الجهد في ما يتعلق بالسوق الموحدة، لأن ذلك يصب بشكل كبير في مصلحة بريطانيا الاقتصادية"، ولكنه أكد على أن التزام حزب العمال بعدم العودة إلى تلك السوق أو الاتحاد الجمركي أو حرية التنقل لا يزال سارياً حتى اليوم.
سُئل رئيس الحكومة أيضاً عما إذا كان يفضل أوروبا على الولايات المتحدة، فرفض الاختيار وقال "إن مصلحة بريطانيا تكمن في علاقة قوية مع الطرفين، والروابط القوية لها مع دول القارة العجوز سوف تعزز تعاونها وتحالفها مع أميركا في مختلف المجالات.
داخلياً وأوروبياً
على ضفة الأحزاب البريطانية الأخرى، يتهم "المحافظون" الذي قاد البلاد نحو "بريكست" قبل 10 سنوات، ستارمر بإلقاء اللوم على طلاق لندن وبروكسل لصرف الانتباه عن إخفاقاته، فيما يتمسك "ريفروم" الذي يقوده نايجل فاراج، بصواب طلاق لندن وبروكسل.
بالنسبة لأحزاب اليسار فهناك من يدعو صراحة وعلانية للعودة إلى العضوية الأوروبية مثل "الخضر"، فيما يحث "الليبراليون الديمقراطيون" حكومة ستارمر على المضي قدماً نحو التفاوض بشأن اتحاد جمركي يجمع الدول الأوروبية ويسهل حركة التجارة بينها.
ثمة حزب جديد أطلق في بريطانيا باسم "العودة إلى الاتحاد الأوروبي"، يقول إن العضوية الأوروبية تعيد للمملكة المتحدة إمكانية الحصول على تمويلات بمليارات الجنيهات من هيئات مثل الصندوق الأوروبي للتنمية الإقليمية والصندوق الاجتماعي الأوروبي.
شعبياً، قال استطلاع للرأي أجرته مؤسسة مختصة لمصلحة صحيفة "ذا ميرور" خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، إنه في حال إجراء استفتاء آخر حول "بريكست" في المملكة المتحدة فإن ستة من كل عشرة بريطانيين سوف يصوتون لمصلحة العودة للاتحاد.
نتائج هذا الاستطلاع لا تنسجم مع عريضة على موقع البرلمان البريطاني، تدعو للعودة إلى العضوية الأوروبية في أسرع وقت ممكن، فقد أطلقت العريضة في يناير أيضاً ولكن لم يوقع عليها حتى اليوم سوى ما يقارب 48 ألف شخص في عموم المملكة المتحدة.
على الجانب الأوروبي، نشرت مؤسسة "يوغوف" قبل أشهر استطلاعاً للرأي يقول إن أكثر من نصف سكان دول الاتحاد يؤيدون عودة بريطانيا إلى التكتل، ولكن ليس بالشروط التي سبقت "بريكست"، وبتعبير آخر لن يكون لها أي "وضع خاص" في أي مجال.
قبل "بريكست" الذي دخل حيز التنفيذ مطلع عام 2021، كانت بريطانيا تتمتع بالعضوية الأوروبية مع بعض الامتيازات، من بينها عدم التخلي عن عملتها المحلية الجنيه الاسترليني، والاستثناء من اتفاق "شنغن" على مستوى حركة الأفراد بين الدول الأعضاء.