ملخص
في مستشفى الشفاء بغزة، انخفضت جلسة غسل الكلى من أربع ساعات إلى ساعتين فقط بسبب تعطل نصف الأجهزة ونفاد المستلزمات.
داخل قسم غسل الكلى بمستشفى الشفاء في غزة بات الضجيج يعبر عن سباق متواصل ومضطرب مع الوقت، تطغى على أرجاء المكان أصوات الصفير المتكررة والمتقطعة المنطلقة من الماكينات المتبقية.
مع كل تذبذب في ضغط الدم أو انسداد جزئي في الأنابيب، تصدر أجهزة غسل الكلى إنذارات صريحة تتصاعد لتتداخل مع همهمات المرضى وأنفاسهم الثقيلة.
على الأسرة والمقاعد المتلاصقة، تتكوم أجساد أنهكها التسمم البولي وتراكم السوائل، وجوههم شاحبة وأطرافهم متورمة تصارع ثقل اللحظة، بينما تتصل بالأوردة أنابيب بلاستيكية ينقبض فيها الدم ويعود بطيئاً، في محاولة لاقتطاع عافية غير مكتملة.
وفي قلب هذا الازدحام، يتحرك الممرضون والكوادر الطبية تحت ضغط استثنائي لا يتوقف، لا تقتصر مهمتهم على ضبط الإعدادات ومتابعة أكياس الترشيح، بل يشرفون مباشرة على تقليص زمن الجلسات واختيار الحالات الأشد حرجاً لمنحها أولوية الدخول إلى الماكينات المتبقية قيد الخدمة.
ساعتان فقط
من بين تلك الأجساد المنهكة، تجلس خديجة تعاني الفشل الكلوي منذ أعوام، تترقب بعينين غائرتين الشاشة الرقمية للماكينة وهي تسجل الدقائق الأخيرة من جلستها المفاجئة.
لم تعد الجلسة بالنسبة إلى خديجة تعني أربع ساعات متواصلة لتنقية دمها كما اعتادت، بل باتت مجرد ساعتين قسريتين تنتهيان بإنذار حاد يعلن وجوب إخلائها السرير لمريض آخر ينتظر في الممر.
تصف خديجة ما يشبه الاختناق الداخلي الذي يرافق لحظة فصل الأنابيب المبتورة، تقول "عندما تُفصل الوصلة بعد ساعتين فقط، أشعر أن نصف السموم ما زالت تجري في عروقي"، وتضيف "لا يكتمل تنظيف الدم وأغادر المستشفى وجسدي لا يزال ممتلئاً بالثقل، كل قطرة ماء أشربها بعد ذلك تتحول إلى عبء، وكأن جسمي يفيض بالسوائل التي لم تجد طريقاً للخروج".
تحاول خديجة تعديل جلستها بصعوبة نتيجة التورم الملحوظ في قدميها، ثم تكمل "في الساعتين المتبقيتين اللتين خسرناهما، كان جسدي يتخلص عادة من المسافة الفاصلة بين الحياة والموت. أخرج بنصف جلسة، وأعود إلى البيت لأقضي الليل وأنا أحاول التنفس بصعوبة، وكأن السموم والمياه تحاصر رئتي وقلبي بانتظار الجلسة القادمة".
نصف الأجهزة توقفت
قصة خديجة هي التجسيد المباشر لوقف 50 في المئة من أجهزة غسل الكلى في مستشفى الشفاء، هذا التعطل الذي أربك القسم الحيوي وأجبر الكوادر الطبية على اقتطاع نصف الزمان المخصص لكل مريض.
ففي مجمع الشفاء، توقفت عشرات الأجهزة عن العمل، وبات هذا يهدد أجساد مئات المرضى المعتمدين على هذا القسم. وحول هذه الكارثة، يقول رئيس قسم الكلية الصناعية غازي اليازجي "خروج 25 جهازاً عن الخدمة في الفترة الأخيرة لم يترك سوى 26 جهازاً تعمل بصورة جزئية"، ويضيف "تسبب هذا بضغط هائل واضطرار الطواقم لاتخاذ تدابير طارئة شملت تقليص مدة الجلسات وتقليل أعدادها الأسبوعية، وهو ما انعكس سلباً على الحالة الصحية للمرضى ورفع مستوى الخطورة عليهم إلى حد التهديد المباشر لحياتهم".
ويتابع اليازجي متحدثاً عن محاولات الاستجابة للأزمة "تسعى إدارة المستشفى للتعامل مع أزمة الوقود ونقص قطع الغيار والمستلزمات الطبية عبر سياسة تقاسم المتاح".
احتضار الكلية الصناعية
يعد قسم الكلية الصناعية في مجمع الشفاء الطبي الشريان الحيوي لمرضى القصور الكلوي المزمن من الدرجة الخامسة، وتوقف نصف الأجهزة يعني أن الموت يقترب منهم.
قبل الحرب، كان قسم الكلية الصناعية في مجمع الشفاء الطبي يضم أكثر من 60 جهازاً لغسل الكلى، لكن تسببت عمليات الاقتحام والحصار والقصف في تدمير قسم الكلية الصناعية بالكامل وخروج جميع الأجهزة عن الخدمة وتحولها إلى حطام.
وعقب انسحاب القوات وإعادة ترميم قسم غسل الكلى جزئياً في "الشفاء" بجهود ومساعدات إغاثية، جرى توفير وتشغيل 51 جهاز غسل كلى خصصت لخدمة نحو 240 مريض فشل كلوي في مدينة غزة والشمال.
لكن الأسبوع الماضي، أعلن رئيس قسم الكلية الصناعية عن توقف وخروج نحو 25 جهازاً من الخدمة، بسبب النقص الحاد في المواد والمستهلكات الطبية الأساسية مثل مادة بيكربونات الصوديوم والفلاتر وزيادة الأعطال، مما ترك 26 جهازاً فقط تعمل بصورة جزئية وتحت ضغط شديد.
يوضح غازي اليازجي أنه ينكشف حجم الفاجعة مع انكماش أعداد المرضى المسجلين، إذ يشير مسؤولو القطاع الطبي إلى أن أعداد مرضى غسل الكلى في المجمع تقلصت من نحو 550 مريضاً إلى قرابة 260 مريضاً فقط.
يبين اليازجي أن هذا التقلص ليس بسبب التعافي، بل نتيجة ارتفاع معدلات الوفيات الناتجة من تدهور الرعاية الصحية وتوقف الخدمات الطبيعية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويشير اليازجي إلى أن الطواقم الصحية قسمت العمل إلى نظام "شفتات" متواصلة ومكثفة على مدى 24 ساعة، مما جعل القسم يعمل تحت ضغط ميداني غير مسبوق لتفادي موت المرضى المنتظرين في الممرات.
أمام الفجوة الهائلة بين عدد المرضى والأجهزة الصالحة للعمل، وجدت إدارة القسم نفسها أمام خيار تطبيق خطة الطوارئ القصوى "المفاضلة الطبية الاضطرارية" لإبقاء الجميع على قيد الحياة، ولو بالحد الأدنى.
يشرح اليازجي "عملنا على تقليص البروتوكول العلاجي، يفرض البروتوكول الطبي العالمي الخضوع لثلاث جلسات أسبوعياً بواقع أربع ساعات لكل جلسة، لتصفية الدم من السموم، لكن الطواقم الطبية في الشفاء اضطرت قسراً إلى تقليص هذا الجدول إلى جلسات قصيرة لا تتجاوز ساعتين وبمعدل مرتين فقط أسبوعياً".
يعلق الباحث الطبي صقر الزنط "اقتطاع أكثر من نصف الساعات العلاجية المقررة أدى إلى تراكم الفضلات والسوائل في أجساد المرضى"، ويقول "يصاب المريض بفرط بوتاسيوم الدم، مما يسبب اضطرابات خطرة في كهرباء القلب قد تنتهي بسكتة قلبية مفاجئة أثناء النوم أو الانتظار، ويتسبب في احتباس السوائل مما يسبب للمريض شعوراً بالغرق الخنقي لعدم القدرة على التنفس، وكذلك يسبب التسمم البولي وغيبوبة تنتهي بالتلف العضوي المباشر".
يروي المريض عطاء الله الأسعد "كنت أغسل الكلى على مدى 13 عاماً بواقع 12 ساعة أسبوعياً مقسمة على ثلاث جلسات، وكان جسمي يتكيف مع العلاج، اليوم أخرج من الجلسة المبتورة وأنا أستشعر خناقاً في صدري وجسدي متورماً بالسوائل لعدم اكتمال الساعات، نحن نتلقى جرعات تسكين تؤجل وفاتنا أياماً قليلة".
أسباب هذه الأزمة كبيرة، وأبرزها استنزاف الآلات، إذ تعمل الأجهزة بنظام الدوران المستمر من دون توقف على مدى الساعة، هذا التشغيل المتواصل بلا فترات تبريد أو صيانة دورية أدى إلى تآكل المضخات الداخلية مما يسرع خروج جهاز تلو الآخر من الخدمة من دون وجود بدائل.
كذلك يواجه قسم الكلى نفاداً مستمراً في مرشحات الدم وأنابيب نقل الدم الملوثة، ومادة بيكربونات الصوديوم الشديدة الأهمية لموازنة حمضية الدم، هذا النقص يفرض أحياناً إيقاف تشغيل أجهزة سليمة لمجرد غياب الفلتر المناسب.
أيضاً يعتمد القسم بالكامل على مولدات كهربائية متهالكة وغير مستقرة في فولتية التيار الكهربائي، وهذا التذبذب في الطاقة يؤدي إلى تدمير اللوحات الإلكترونية الحساسة للأجهزة، كذلك فإن انقطاع التيار أثناء جلسة الغسل يهدد بتجلط دم المريض داخل أنابيب الجهاز وتلفه بالكامل.
رحلة ما بعد غسل الكلى
تتحول حياة مرضى الفشل الكلوي في غزة إلى صراع دائم مع الزمن، "نهاية الجلسة" هي بداية عد تنازلي جديد لخطر الاختناق وتراكم السموم.
تتوقف صفارات الأجهزة داخل قسم غسل الكلى في مجمع الشفاء الطبي، لا لاكتمال الدورة العلاجية، وإنما التزام بالجدول الصارم الذي فرضته أزمة الوقود ونقص المستلزمات الطبية.
تمد ياسمين ذراعها المنهكة المقيدة بالأنابيب المطاطية، وقبل أن تكتمل الساعات الأربع المفترضة للتصفية، ينحي الفني الوصلات جانباً عند رأس الساعة الثانية.
يقول الممرض عامر "عندما نفصل الأنابيب عن ياسمين بعد ساعتين فقط، نعلم يقيناً أننا نرسلها إلى خيمتها بنصف جلسة، الجهاز لم يكمل سحب اليوريا ولا السوائل زائدة الحجم من جسدها، نضطر إلى القيام بذلك لنمنح الكرسي لمريض آخر ينتظر في الممر، لكن هذا الإجراء المبتور يعني أن الماء والسموم يظلان محتجزين داخل جسدها الشاب".
تغادر ياسمين العيادة بخطوات ثقيلة تستند فيها على كتف زوجها، وشعور بالغثيان يرافقها، ممسكة بقطعة شاش مضغوطة على مكان الوصلة الشريانية الوريدية في ذراعها، وهي تعلم أن جسدها لم يتخلص سوى من جزء يسير من السموم.
بعد العودة إلى الخيمة، يبدأ مفعول الغسل المبتور بالانحسار سريعاً، يتوقف الفلتر الصناعي الذي لم يستكمل عمله، ليبدأ الجسد في الامتلاء القسري بالسوائل المحتبسة.
يقول زوجها ماهر "نحن لا نتعامل مع الماء في حياة ياسمين كشراب، كل قطرة تدخل فمها نحسبها بمقدار الملليتر، عندما تترجاني للحصول على شربة ماء لتبريد جوفها، أقدمها لها بالقطارة، لأننا نعرف أن أي نقطة إضافية ستستقر مباشرة في قدميها أو ترشح على رئتيها".
تصل المعاناة إلى ذروتها في منتصف الليل، ينعدم خيار الاستلقاء الأفقي تماماً بالنسبة إلى ياسمين مع بدء تراكم السوائل على غشائها الرئوي، وكلما حاولت وضع رأسها على الوسادة، داهمها شعور بالقرقرة في الصدر وضيق حاد في التنفس يلاحظه الجميع، تجعلها تشهق طلباً للهواء.
تقول ياسمين "النوم مستلقية بالنسبة إليَّ يعني الموت غرقاً بسوائل جسمي، أنام جالسة وأسند رأسي إلى حافة المقعد أو على عمود الخيمة، أصعب ما في الليل رؤية أطفالي وزوجي يراقبون نبرة أنفاسي بوجل، ينتظرون طلوع الفجر".
مع اكتمال 24 ساعة على الجلسة السابقة، تصبح الصورة الإكلينيكية لياسمين أكثر تعقيداً، إذ يتورم وجهها وأطرافها السفلية بشكل ملحوظ، ويبدأ التسمم البولي بفرض تأثيره العصبي والنفسي.
المواقف الرسمية
يقول مدير قسم الكلى الصناعية غازي اليازجي "العجز في المستهلكات الطبية الأساسية تجاوز المستويات الحادة ليلامس نقطة الصفر التنفيذية، تسجل أقسام غسل الكلى عجزاً يجبر الأطقم الطبية على التعامل مع خيارات تشغيلية تخالف المعايير القياسية"، ويضيف "الساعات الـ48 القادمة تمثل الهامش الزمني الأخير قبل توقف عدد من الأجهزة بالكامل نتيجة انعدام الفلاتر ووصلات الدم المخصصة".
تصرح وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق والمتحدثون باسم الجيش الإسرائيلي عبر البيانات الرسمية والإيجازات الصحافية بالتزام المعايير الإنسانية.
يقول منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية يورام هليفي "لا يوجد حظر أو قيود على إدخال العلاجات الأساسية ومستهلكات الغسل الكلوي والأدوية المنقذة للحياة، التأخير في التوزيع يعود إلى مشكلات لوجستية واختناقات في عمليات التفريغ والتوزيع داخل القطاع وليس بسبب إجراءات المنع"، ويضيف "ندخل صهاريج وقود مخصصة وموجهة للمستشفيات، وفي الوقت ذاته نقوم بحفص أمني دقيق على إدخال قطع غيار أجهزة الكلى والمولدات، لمنع استغلال هذه القطع والتكنولوجيا المتقدمة في إعادة تأهيل البنية التحتية العسكرية أو حفر الأنفاق".