Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"موقعة المطعم" في مصر نصرة للدين أم استعلاء إيماني؟

أعادت الجدل حول أحقية الشخص في الصلاة بأي مكان وزمان دون أي اعتبارات وفتحت أحاديث حول مظاهر "الصحوة الإسلامية الكاذبة" وأثرها في نشر التطرف

تحولت حادثة منع أحد المطاعم لشابة من الصلاة إلى "غزوة وفتح" من قبل البعض فيما اعتبرها أخرون "إغراق في التدين المظهري" (أ ف ب)

ملخص

تلونت انتشار الزوايا في مصر بلون العصر. فلم تعد الزاوية بالضرورة هذا البناء المخالف على الرصيف، أو ذاك بمدخل العمارة أو ردهة المؤسسة، ولكن تحولت لتكون كل مكان يرغب الشخص بالصلاة فيه، شاء من شاء، وأبى من أبى، وجد مسجد على مرمى حجر، أو لم يوجد، وافق صاحب المكان، أو لم يوافق. كما لم تعد المسألة تقتصر عند حد الصلاة سريعاً، لإعادة المكان إلى نشاطه الأصلي، أو عودة المصلي إلى عمله، أو استئناف العمل، أو الدراسة أو حركة البيع والشراء، بل تحول جانب منه إلى "جهاد" لنشر الدعوة!

يخطئ من يعتقد أن "موقعة المطعم" بمصر حدث غريب أو حادثة فريدة. هي ترجمة صادقة وصريحة وقوية لما يجري منذ أعوام. وهي نتيجة خطاب ديني يصر على أن ينأى بنفسه، والقائمين عليه، ومريديه، والممسكين بتلابيبه بعيداً قليلاً من التدين الزاعق المظهري العنيف لفظياً الضاغط معنوياً، في اتجاه التدين الحقيقي القائم على صلاح الجوهر ونقاء النية قبل طول الجلباب وعلامة الصلاة.

"سيدة المطعم" التي أصبحت أشهر من نار مطبخ المطعم الذي تسببت في طرد مديره من العمل لأنه طلب منها وصديقاتها الصلاة في المكان المخصص لها المجاور للحمامات في المركز التجاري الشهير، رمز من رموز المرحلة، وليست حدثاً فريداً أو غريباً.

موقعة سيدة المطعم

الموقعة، التي تحولت إلى غزوة ثم وصفت من قبل الأنصار باعتبارها "فتحاً مبيناً ونصراً عظيماً، وقعت قبل أيام حين نشرت شابة تدوينة على صفحتها على "فيسبوك" تشكو من أنه أثناء وجودها في مطعم شهير في مركز تجاري معروف مع صديقاتها، منع مدير الفرع إحداهن من الصلاة، بعدما همت بالصلاة أمام الباب المؤدي إلى المطبخ، فطلب منها عدم سد الطريق، فاختارت مكاناً آخر قالت إنه "منزو" في المطعم، لكنه طلب منها التوجه للمكان المخصص للصلاة إلى جوار الحمامات.

احتوت التدوينة على كثير من التفاصيل الدرامية، المعضدة بالمشاعر الغاضبة والاستنتاجات المحتقنة والمخرجات التي يصب جميعها في خانة "منعهن من أداء الشعائر" و"سلبهن حق أداء الفريضة"، مؤكدة أن الموقع الذي اختارته الصديقة للصلاة في المطعم لم يضايق أحداً أو يؤرق الموجودين أو يعرقل الحركة. وسردت السيدة الشابة أدق التفاصيل، وقالت إنه بعدما احتدم الموقف، وطلب مدير المطعم منهن المغادرة، وقفت صاحبة التدوينة وسألت العملاء بصوت جهوري إن كانت الصلاة حولهم تضايقهم، وقالت إن الجميع رد في نفس واحد: لا براحتها، نحن في بلد مسلم، ومن حقها أن تصلي في أي مكان طالما لا تضايق أحداً".

ومضت في تدوينتها شارحة كيف أن بعض الأطفال الذين كانوا مع صديقاتها بدأوا يبكون بسبب الصوت العالي، قائلة "إحنا نربي ولادنا على إن سجادتك وإسدالك معاكم في كل مكان!".

قوة "السوشيال ميديا"

وتطور الأمر بعدما اعتمدت السيدة على قوة "السوشيال ميديا" في تهييج مشاعر الإيمان والغيرة على الدين والذود عن المتدينين وتسليط الضوء على أعداء الدين، وانتشرت التدوينة انتشار نار المتابعين في هشيم الأثير، وانبرت صفوف المؤيدين الغيورين على الدين مما تعرض له من "حرب شرسة" و"اعتداء سافر" و"هجوم متعمد" و"ازدراء أديان" و"حرمان من أداء الفروض".

وتناول جانب كبير من الصحافة في تغطيتها "الخبرية" الواقعة باعتبارها "حرمان سيدة من الصلاة" و"سلب سيدة حقها في ممارسة الشعائر" و"الصلاة ممنوعة بأمر مدير المطعم"، ووصل الأمر لدرجة اتخاذ عبارة "روحي صلي عند الحمامات" عنواناً رئيساً من قبل البعض.

 

وبعيداً من أن الغالبية المطلقة من الأماكن المخصصة للصلاة في المراكز التجارية تقع إنشائياً إلى جوار الحمامات، وبصرف النظر عن أن الغالبية المطلقة من الناس تعلم هذا جيداً، إلا أن القائمة على "غزوة المطعم" اتخذت من "صلي عند الحمامات" راية لجهادها، وشعاراً لفتوحاتها.

اللافت أن كثراً من المتابعين للواقعة والمدافعين عن حق الصلاة في أي مكان في أي زمان، وبصرف النظر عن توافر مسجد أو مكان مخصص للصلاة قريب، اتخذوا من نعت "فتح" مدخلاً في التعليق وسبباً للتعبير عن الفرحة العارمة ما إن أعلنت إدارة المطعم اعتذارها، والتأكيد على أن ما بدر من الموظف "تصرف فردي مرفوض لا يعبر عن قيم أو سياسة المجموعة"، وأن "احترام العملاء وتقديم أفضل مستوى من الخدمة يمثلان أولوية دائمة"، و"اتخاذ إجراء فوري يتمثل في تخصيص مكان لأداء الصلاة". واتخذت الشركة قراراً بفصل مدير المطعم نهائياً، مما أسعد السيدة كثيراً، التي عادت إلى قوة "السوشيال ميديا" لتعلن أن الإجراءات المتخذة من قبل إدارة المطعم مرضية لها، لا سيما وأن الشركة قررت تخصيص أماكن للصلاة في كل فروعها، وهو ما عدته "صدقة جارية في ميزان حسنات بابا".

من الظاهرة إلى المنظومة

وبين "هل بابا مرتاح في قبره بعدما تم قطع عيش شخص لسبب سخيف؟" و"هذا فتح مبين حبيبتي ونصر للإسلام والمسلمين. رحمة ونور على روح بابا" و"الله أكبر ولله الحمد، ربنا يعز الإسلام والمسلمين بك يا محترمة يا غيورة على دينك"، مضى أثير "السوشيال ميديا" يهتز لفرط تناقض طرفي نقيض فرحة النصر والفتح، وغضب التنطع بالإيمان ونزق التدين المظهري.

ووصل الأمر لدرجة مطالبة فريق "الفتح" بتخصيص زاوية في كل مقهى ومطعم وشركة ومصنع ومحطة ووزارة وعمارة للصلاة، وهو ما رد عليه فريق "التنطع" بالقول إن هذا قد حدث بالفعل في غفلة من السلطات، أو هكذا يبدو.

الملاحظ في العامين الماضيين عودة ظاهرة الزوايا بصورة كبيرة في كل مكان، بما في ذلك الأماكن المتاخمة لمساجد، أو التي يتوافر فيها ركن وغرفة مخصصة للصلاة.

 

ومع الظاهرة التي لا يمكن تجاهلها، لا سيما أنها أصبحت منظومة، رأى فريق "الفتح" انتشار الزوايا وتحويل أي بقعة في المجال العام إلى مكان للصلاة فتحاً مبيناً وحقاً أصيلاً، في المقابل عدها فريق "التنطع" ردة شديدة نحو تديين المجال العام واستعراض عضلات مظاهر التدين بغرض ترسيخ قواعد الدولة الدينية.

وعلى رغم أن مصر ذاقت مرارة النمو العشوائي لزوايا الصلاة على مدار عقود، وتحول كثير منها إلى بؤر استغلتها جماعات دينية متطرفة لنشر فكرها المتشدد بعيداً من عيون ورقابة المؤسسات الدينية الرسمية، وعلى رغم الدور الكبير الذي لعبته لنشر فكر جماعة الإخوان المسلمين وأبناء عمومها من الجماعات السلفية والجهادية والتكفيرية على مدار أعوام طويلة، وعلى رغم جهود مضنية بذلها وزير الأوقاف السابق مختار جمعة (2013- 2024) لمواجهة منظومة نشر التطرف، فإنها تعود بقوة وسرعة وبصور تجاري العصر وتناسب متغيراته.

زحف تدرجي

مقهى أنيق يرتاده شباب "كوول" يقرر العاملون فيه أن يصلوا جماعة بين الطاولات. وأثناء الصلاة يجري وقف "المعازف" (الموسيقى الخفيفة) سمة المكان. وتتحول باحة مركز تجاري صغير تدرجاً من سجادة صلاة واحدة لمن يرغب في الصلاة إلى زاوية يتبارى المتصدقون في التبرع لها بالحصر والمصاحف، ثم تصبح مكاناً لصلاة الجماعة، ومنها إلى مكان يتجمع فيه البعض للاستماع إلى "الفطاطري" (صانع الفطير) الملقب بـ"الشيخ أبو إسحاق الصغير" (نسبة إلى أبو إسحاق الحويني خريج الألسن الذي تحول إلى عالم جليل من علماء المسلمين في نظر مريديه، وداعية فتنة وتطرف وتحريض في نظر منتقديه) وهو يعطي عمال المحال وصبيتها درس ما بعد صلاة العصر، ويتطور الأمر ويتوسع فيجري تنبيه النساء والفتيات والطفلات بعدم المرور أمام المصلين في ساحة "المول" منعاً لإثارة الشهوات وحماية للرجال من فتنة النساء، ويتطور الأمر من تنبيه إلى زجر وتقريع لهن ففرض الصلاة أولى من وجود المرأة خارج بيتها.

صالون اجتماعي مخصص لأعضاء ناد رياضي اجتماعي شهير حيث موسيقى خافتة ومشروبات ساخنة وباردة يقرر البعض فجأة تحويل ركنين فيه إلى مصلى للسيدات وآخر للرجال على رغم وجود مسجد على بعد 100 متر، ثم يتحول المصلى إلى مكان لصلاة الجماعة وقراءة القرآن بصوت مرتفع وويل للمعترضين وسحقاً للمطالبين بعودة الصالون إلى دوره الاجتماعي وعودة المصلين إلى المسجد.

صحوة السبعينيات الممتدة

بتتبع مجريات وتغيرات وتحولات المجتمع المصري منذ السبعينيات يُكشف ما حدث، ويُفسر ما يجري هذه الأوان. كثر كتبوا وفندوا وشرحوا وحذروا من الجانب الآخر لـ"صحوة السبعينيات".

أحد هؤلاء هو المفكر وأستاذ الفلسفة المصري الراحل فؤاد زكريا في كتابه "الصحوة الإسلامية في ميزان العقل" (1989) انتقد استخدام مسمى "صحوة" لوصف انتشار الجماعات الدينية في المجتمع المصري، وانجذاب قطاعات عريضة من المصريين لهم، دون أن تتميز هذه الجماعات بفهم حديث أو متطور للإسلام، وتمسكها بكل ما هو قديم في ظل عالم شديد التغير والتطور.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومضى زكريا في اعتراضه على إطلاق اسم "الصحوة" على فكر وجماعات ودعوة قائمة على "رجعية شديدة التخلف"، و"ترتكز على إحياء أفكار وسلوكيات تعود إلى ما يزيد على ألف عام ماض"، مضيفاً انتقادات شديدة للاهتمام شبه الأوحد المنصب على الجوانب الشكلية من العقيدة، وكذلك المُتعلقة بالشروط الشعائرية للدين، والاستجابة لبعض الأوامر والنواهي التي لا تمس في الغالب الحياة العامة في المجتمع.

وكتب "إن الشعائر الدينية التي تقصد لذاتها، بوصفها أركاناً أساسية من أركان الدين لا بد أن تترجم إلى أفعال تنعكس إيجاباً على حياة الناس، وإلا فقدت فاعليتها، ولم تعد مقبولة، حتى من وجهة نظر الدين نفسه".

مضيفاً، كم من أحاديث نبوية تؤكد على أهمية المعاملة بوصفها المظهر الأساس للدين، وتندد بأولئك الذين يقومون ويقعدون دون أن ينفعوا الناس بشيء!

من جانبه أشار أستاذ الفلسفة أحمد عبدالعال في مقالة عنوانها "الصحوة الإسلامية الكاذبة" (2018) إلى أن اختراق جماعة الإخوان المسلمين والتيارات السلفية والجماعات الإسلامية للمجتمع المصري في عقود ما بعد "صحوة" السبعينيات، وكثرة عدد المنتمين إليهم أو المتعاطفين معهم، من أكبر الجرائم التي ارتكبت في حق المجتمع المصري وثقافته وهويته في القرن الماضي، والتي يجني الجميع ثمارها.

في الحقبة نفسها، كانت الزوايا تنتشر في الشارع المصري انتشاراً سريعاً، وينظر إليها باعتبارها علامة حميدة وأمارة طيبة على انتشار الدين، وزيادة عدد المتدينين، تحقيقاً لأهداف "الصحوة".

شهدت السبعينيات والثمانينيات انشطار منظومة الزوايا من بضع عشرات أماكن قرر منتمون إلى فكر "الصحوة" أن يخصصوها للصلاة، إلى آلاف وربما ملايين الزوايا في كل شارع وحارة. مداخل العمارات السكنية، مناور المباني، مرائب السيارات، حرم محطات القطار ومترو الأنفاق (بعد تشييدها)، وساحات المباني الحكومية، وغرف الشركات، وفصول في المدارس، وقاعات محاضرات في الجامعات، وكافيتريا المصانع، ومكاتب المصالح الحكومية، وغيرها تحولت إلى زوايا.

ووصل الأمر في بعض الأحوال إلى تحويل فناء مدرسة حكومية متناهي الصغر، ويعد المتنفس الوحيد للصغار إلى مسجد، لأن "الصلاة أولى من اللهو"، وبناء مسجد بدلاً من الحديقة العامة لأن كلام الله وأداء الفرائض أبدى من "شوية أشجار" لا فائدة منها.

"زوايا وتطرف"

على مدار عقود، قيل الكثير عن الزوايا التي انطلقت منها أعمال وأنشطة وأقوال وفتاوى ومحاضرات زرعت التطرف في عقول وقلوب كثير من مرتاديها. وقبل أعوام، قال المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية إبراهيم ربيع، معلقاً على انتشار الزوايا في مصر على مدار عقود، إنها "تمثل خطراً كبيراً بسبب استغلال جماعات الإسلام السياسي، لا سيما التيارات السلفية، لها لنشر أفكارها، واستقطاب الشباب"، داعياً إلى مساندة وزارة الأوقاف في خطواتها (السابقة) لإغلاق الزوايا المخالفة، وتنظيم غير المخالف منعاً لإعادة نشر التطرف والتشدد.

تجدر الإشارة هنا إلى أن وزير الأوقاف السابق مختار جمعة قام بجهود كبيرة ومستمرة على مدار الأعوام التي تبوأ فيها منصبه (2013-2024)، لمواجهة "فيروس" الزوايا، وضبط الخطاب الديني، بما فيه الخطب، والمحاضرات، وكذلك أصوات المؤذنين، ومكبرات الصوت.

وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن انتشار التدين الشعبوي، وتمكن مفهوم الدين كظاهرة صوتية، ومظاهر يجب أن تمارس في العلن، أديا إلى تعرض جمعة لكثير من الانتقادات والمعارضة. وعد البعض ما يقوم به من تطهير وتنقيح وتصحيح ضمن الحرب الكونية التي يتم شنها على الدين والمتدينين.

إلا أنه وخلال العامين الماضيين، عادت الزوايا تنتشر مجدداً وسط مباركة شعبوية، وسكوت رسمي ربما كنوع من تسكين الآلام الاقتصادية، أو التنفيس عن الإحباطات الاجتماعية، وذلك على رغم دعوات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى تطوير وتجديد الخطاب الديني، وتنقيته مما علق به من شوائب تشدد مظهري وتطرف في التفسير، على مدار أعوام حكمه.

وتلونت عودة الزوايا بلون العصر. فلم تعد الزاوية بالضرورة هذا البناء المخالف على الرصيف، أو هذا بمدخل العمارة أو ردهة المؤسسة، ولكن عبر تحويل كل مكان أو أي مكان يرغب الشخص في الصلاة فيها إلى مصلى، شاء من شاء، وأبى من أبى، وجد مسجد على مرمى حجر، أو لم يوجد، وافق صاحب المكان، أو لم يوافق.

 

ولم تعد المسألة تقتصر عند حد الصلاة سريعاً، لإعادة المكان إلى نشاطه الأصلي، أو عودة المصلي إلى عمله، أو استئناف العمل، أو الدراسة أو حركة البيع والشراء، بل تحول جانب منه إلى "جهاد" لنشر الدعوة!

وقبل نحو ثلاثة أعوام، اعتادت مجموعة من الشباب والرجال على التوجه إلى بوابة أحد التجمعات السكنية الجديدة الضخمة، وقت صلاة العصر تحديداً وهو وقت ذروة الدخول والخروج، ودأبوا على توقيف سياراتهم ليسدوا حارة من ثلاث حارات متاحة، ليصلوا جماعة أعلى تبة مزروعة بنباتات الزينة. وحين اعترض البعض على تعطيل حارة مرورية، وتعجب البعض الآخر من إقامة الصلاة في هذا المكان الغريب على رغم أن أحد مساجد التجمع السكني الكثيرة على بعد خطوات من المدخل، اتهموا على "السوشيال ميديا" بالعداء للدين، وكراهية مشهد المؤمنين وهم يؤدون ركناً من أركان الدين، وغيرها من الاتهامات المنظمة بغرض ترويع المعترضين الذين يحولون دون نشر الدعوة، أو "لعل مسلماً لا يصلي يشاهد المصلين ويتأمل ورعهم، فيتشجع ويبدأ بالانتظام في الصلاة، أو غير مسلم يعتنق الإسلام"، كما كتب أحد المصلين على صفحته على "فيسبوك"

المفكر الراحل فؤاد زكريا في كتاباته عن "الصحوة" وما عده "تديناً مظهرياً بعيداً من الجوهر ومخاصماً للمنطق وضرورات العصر وتطوراته"، كان يرى أن "الصحوة" ازدهرت نتيجة الإحباط وخيبة الأمل اللذين تمكنا من كثر في السبعينيات، معللاً ذلك بفقدان العدالة الاجتماعية، وضياع الرشد الاقتصادي، وضلال التوجه السياسي، وانهيار القيم الأخلاقية والفكرية"، مضيفاً أن دلالات الصحوة الحقيقية هي سلبية، لأنها في جوهرها ودوافعها لم تكن إلا سخطاً وتمرداً على الأوضاع القائمة في ذلك الزمن، وتعبيراً عن عجز العقل المسلم عن مواجهة الواقع والاهتداء إلى طريق جديد للإصلاح والنهضة والتقدم.

عراك متبادل

وبينما العراك اللفظي والتراشق الافتراضي محتدم بين فريق "الفتح" أو "غزوة المطعم"، وفريق "التنطع الإيماني" و"النزق الديني"، بزغ صوت عاقل يدعو إلى فهم ما جرى في ضوء تشريح الواقع الاجتماعي والتغيرات الكثيرة المتلاحقة في المجتمع.

متخصص السكان ودراسات الهجرة أيمن زهري قال إنه لا يرى في ما جرى، وغيره من الوقائع المشابهة الكثيرة دليلاً على الرياء أو ادعاء التدين، بقدر ما يراها تعبيراً عن رغبة شريحة واسعة من المصريين في الجمع بين الاستمتاع بالحياة والالتزام الديني. ويقول إن هناك من يريد أن يذهب إلى المطعم أو المقهى أو النادي أو الشاطئ وأن يعيش حياة طبيعية مثل غيره، لكنه في الوقت نفسه، لا يريد أن يفوت الصلاة أو يشعر بأنه تنازل عن التزامه الديني، وأن هذا يعكس محاولة للتوفيق بين منظومتين من القيم، وليست ازدواجية أو نفاقاً بالضرورة.

أما واقعة المطعم، فقال إنها تكشف عن جوانب أخرى لا تقل أهمية، "فإذا كان المكان غير مجهز لاستقبال المصلين، فمن حق الإدارة أن تنظم استخدامه بما يحفظ راحة جميع الزبائن. في المقابل، كان من الممكن إدارة الموقف بقدر أكبر من الاحترام واللباقة، بعيداً من أي عبارات قد تُفهم على أنها انتقاص من الشعيرة أو من المصلين. ويضيف أن الواقعة ليست إلا تكراراً لما يجري في أماكن أخرى كثيرة مثل النوادي، حيث سجادات الصلاة متناثرة على المقاعد وفي الصالات، لدرجة أن صلاة الجماعة تقام فيها على رغم وجود أكثر من مسجد في كل ناد، وأن المشهد نفسه يتكرر في أماكن العمل والمراكز التجارية وغيرها.

وأضاف زهري أنه من الملاحظ أن هناك اتجاهاً واضحاً وصريحاً لنقل الصلاة تدرجاً من المسجد إلى الفضاءات التي يعيش فيها الناس، ويمارسون فيها أنشطتهم اليومية التي لا علاقة لها بالصلاة، وهو ما يستدعي طرح سؤال: هل المسجد أصبح أقل مركزية في الحياة اليومية؟

ويقول إنه من الواضح أن أعداداً متزايدة من المصريين أصبحت تمنح الأولوية لأداء الصلاة في وقتها، أكثر من حرصهم على أدائها في المسجد، فبدلاً من التوجه إلى المسجد، تؤدى الصلاة حيث يوجد الشخص، في ركن من النادي، أو في صالة انتظار، أو في المطار، أو في مكان العمل.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير