ملخص
جدل غير مسبوق في الكاميرون: أين الرئيس الغائب منذ شهرين؟
فجّر غياب رئيس الكاميرون وهو الأكبر سناً في العالم، بول بيا، عن المشهد العام لأكثر من شهرين جدلاً غير مسبوق وسط دعوات من المعارضة إلى إعلان حال الشغور في المنصب الرئاسي لا سيما في ظلّ تكهنات في شأن خلافته.
وغادر بيا الكاميرون في السابع من يونيو (حزيران) الماضي إلى بلد أوروبي لم يجرِ الكشف عنه واكتفت الرئاسة بالقول إنه سيؤدي زيارة خاصّة قصيرة. ووسط سجالات سياسية عنيفة، أعيد انتخاب بيا لولاية رئاسية ثامنة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.
ودفعت الضغوط، التي تُكرّسها المعارضة من أجل الكشف عن مصير الرئيس، وزير الاتصال والمتحدث الرسمي باسم حكومة الكاميرون، رينيه إيمانويل سادي، إلى كسر صمته إذ قال إنّ بيا لا يزال على قيد الحياة متوقعاً عودة قريبة له إلى البلاد من دون أن يكشف عن موعد ذلك.
روايتان أساسيتان
ورفض سادي مطالب الأحزاب السياسية المعارضة بضرورة عقد المجلس الدستوري جلسة للنظر في "شغور" المنصب الرئاسي، قائلاً إن "الرئيس بيا لم يقدم استقالته كي يُعقد المجلس".
وعدّ الباحث السياسي الكاميروني، حمادو حبيبو، أنّ "في ظلّ غياب بيا، انتشرت روايتان أساسيتان في شأن ذلك، الأولى رواية السلطات، ومفادها أن الرئيس موجود في إقامة خاصة، ويواصل ممارسة مهماته من خارج البلاد. وكان مدير الديوان المدني للرئاسة، صامويل مفوندو أيولو، كذلك قد أكد في هذا السياق أن بيا لم يدخل المستشفى وأنه في "صحة جيدة".
وتابع حبيبو في حديث خاص أن "الرواية الثانية تتعلق بتصور جزء من الرأي العام والمعارضة، فنظراً إلى سن رئيس الدولة وطول فترة غيابه الاستثنائية وعدم ظهوره علناً، انتشرت بإلحاح معلومات تتحدث عن مشكلات صحية. الأكيد أن هذا الغياب المطول يخلق نقصاً في الوضوح السياسي والمؤسسي، وفي العلوم السياسية، عندما تصبح السلطة غير مرئية لفترة طويلة، لا يعود السؤال متعلقاً فقط بالحضور الجسدي للحاكم، وإنما يصبح متعلقاً بوضوح كيفية ممارسة السلطة".
مسألة وقت
ومع غياب آلية انتقال واضحة للسلطة في الكاميرون، فإنّ النقاش يتصاعد في شأن مصير بيا ومعه المنصب الرئاسي. فعلى رغم إقرار البرلمان مشروع قانون ينصّ على استحداث منصب نائب الرئيس قبل أشهر، فإنّ هذا القرار لم يجر تفعيله بعد. ومن المفترض أن يخلف نائب الرئيس بيا في حال حدوث شغور.
ويعتقد الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية، عمر سيدي محمد كاليكا، أنّ غياب الرئيس الكاميروني عن الأنظار يعود أساساً إلى حالته الصحية، فهو يبلغ من العمر 93 سنة ويعاني مشكلات صحية، وعلى رغم محاولة المتحدث باسم الحكومة طمأنة الشارع، فإن كثيراً من الأوساط السياسية ومنظمات المجتمع المدني أصبحت تطالب بمزيد من الحقائق عن المصير الغامض لرئيس البلاد.
وبين كاليكا في تصريح خاص أن "فترة حكم الرئيس بوب بيا الممتدة منذ عام 1982 مكنته من تعزيز قبضة المقربين منه بصورة كبيرة على مفاصل الدولة سواء في الجانب السياسي والعسكري وحتى الاقتصادي، فنجله الأكبر يحتل مكانة مرموقة في أوساط الحزب الحاكم ويطرح اسمه بصورة مستمرة كخليفة لوالده على رأس الحزب. كذلك فإن عقيلة الرئيس تبسط سيطرة كبيرة على أهم الشركات والمؤسسات الاقتصادية في البلاد، ونسجت خيوط علاقات اجتماعية مكنتها من تصدر المشهد السياسي والإعلامي في البلاد. أضف إلى ذلك أن جميع قادة الحرس الرئاسي وكبار قادة الجيش ينحدرون من العرقية والمنطقة نفسهما اللتين ينتمي إليهما الرئيس بيا".
واستطرد بالقول "إذاً هذه الشبكات المقربة من الرئيس هي التي تدير البلاد حالياً، في تصوري فإن الإعلان عن شغور منصب الرئاسة في الكاميرون هو مجرد مسألة وقت، والدوائر المقربة من الرئاسة هي في صدد التحضير لتقديم خليفة له، أرجح أن يكون فرنك بيا نجله الأكبر وهو الشخصية الأقرب لخلافة والده في سدة الحكم، فيما ستصعد المعارضة ضد ذلك التوجه، لا سيما أن مرشحها في الانتخابات الرئاسية السابقة، عيسى تشيروما، لم يقبل النتائج المعلنة ويعدّ نفسه فائزاً بالرئاسة، مما قد يدخل البلاد في أزمة متعددة الأوجه، لا سيما أنها تواجه تحديات أمنية متصاعدة، فجماعة ’بوكو حرام‘ تشن بين الفينة والأخرى هجمات دامية في أقصى شمال البلاد".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خمول وتشتت المعارضة
ومع تصعيد المعارضة ومطالبتها بكشف مصير بيا أو الإعلان عن حال الشغور في المنصب الرئاسي، فإنّ التساؤلات التي تُطرح بشدّة تتعلق بخياراتها في مواجهة الحكومة.
وقال زعيم المعارضة تشيروما في رسالة صوتية إنّ "إقامة بيا لفترة طويلة في سويسرا تفاقم حال الافتقار للشرعية ومحاولته التمسك بالسلطة بالقوة".
وقال حبيبو إنّه "من السابق لأوانه الحديث قانونياً عن شغور في منصب الرئيس في الكاميرون، فمجرد وجود الرئيس خارج البلاد لفترة طويلة لا يكفي، في حد ذاته، لإعلان شغور في منصب الرئاسة، وفقاً للدستور الكاميروني النافذ، وذلك على رغم أن الوضع الحالي مقلق".
وشدد على أنه "في المقابل، المعارضة الكاميرونية تُعاني اليوم حالاً من الخمول والتشتت، وهي غير قادرة على تحويل وضع سياسي استثنائي إلى موازين قوى ديمقراطية حقيقية، لدينا معارضة تبدو كأنها تعمل بصورة متقطعة: تستفيق عندما تمنحها الأحداث منبراً، ثم تعود إلى حال من الصمت السياسي وهي تفتقر إلى استراتيجية جماعية للعمل تمكنها من تحويل مثل هذه الأحداث إلى فرصة حقيقية... أداء المعارضة السياسي في الكاميرون ضعيف للغاية".