Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مهرجان لوكارنو يكرم جيمس غراي السينمائي المجدد

الواقعي الآسر في تصوير الجريمة وفي تشريح الروابط العائلية وتعقيداتها

من "ليتل اوديسه" فيلم جيمس غراي الأول (ملف الفيلم)

ملخص

أعلن مهرجان لوكارنو السينمائي قبل أيام عن تكريم المخرج جيمس غراي في دورته الـ79 التي ستقام من الخامس من أغسطس (آب) المقبل إلى الـ15 منه. هذا أحد أبرز السينمائيين الأميركيين، يُرد له الاعتبار في واحد من أهم المنابر السينمائية الدولية، وسيجري التكريم في التاسع من أغسطس مع عرض اثنين من أروع أفلامه، "الليل لنا" (2007) و"عاشقان" (2008)، إضافة إلى "نمر من ورق" الذي كان نافس على "السعفة الذهبية" في مهرجان كان هذا العام الذي شارك فيه غراي ست مرات من دون أن يظفر بجائزته الأرفع، فربما يأتي التكريم السويسري كي يعالج هذا الخلل التاريخي ولو رمزياً. 

جيمس غراي، البالغ من العمر 57 سنة، صاحب تسعة أفلام روائية طويلة بدأ بإنجازها انطلاقاً من منتصف التسعينيات. وقد فاز بجائزة "الأسد الفضي" في مهرجان البندقية عن "ليتل أوديسا". شقّ غراي في الـ25 مسيرة سينمائية استلهمت جذورها من المجتمع اليهودي الروسي الذي نشأ في كنفه في مدينة نيويورك. وكرّست أفلامه مخرجاً يجمع بين واقعية آسرة في تصوير عوالم الجريمة، وحساسية استثنائية في تشريح الروابط العائلية وتعقيداتها. وغالباً ما تتخذ أفلامه من حي برايتون بيتش، حيث أمضى أ‘وام نشأته، فضاءً لها، لتقيم حواراً متواصلاً مع تقاليد السينما الأميركية والأوروبية الكلاسيكية، من دون أن تفقد خصوصيتها الشخصية. ومع ترسّخ مكانته بين أهم السينمائيين في الولايات المتحدة، اتسعت خلال العقد الأخير آفاق مشروعه الفني لتشمل مواضيع تتجاوز بيئته الأولى. فأعاد غراي صوغ هواجسه المعتادة ضمن عوالم جديدة، موسعاً التصور السائد عن سينماه، من دون أن يتخلى عن تيماته الجوهرية، الإرث والهوية والفجوة الدائمة بين الوعد الذي يحمله الحلم الأميركي وواقعه. 

وفي قلب عالمه السينمائي، تقف العائلة. إنها الجرح الأعمق والدائم. من "ليتل أوديسا" إلى "ذا ياردز" و"الليل لنا"، وصولاً إلى أفلامه اللاحقة، تبدو العائلة عند غراي ملعباً لإنتاج الصراع، بدلاً من أن تكون ملاذاً للطمأنينة والدفء. هي مساحة الحب التي تتحول سريعاً إلى محكمة، فإلى اختبار أخلاقي لا ينجو منه أحد. الهوية والانتماء والتجرية والذكريات تتداخل مع سؤال واحد أساس، كيف يمكن للفرد أن ينجو من عائلته من دون أن يخون نفسه؟

منذ فيلمه الأول "ليتل أوديسا"، يضع غراي شخصياته في مواجهة العائلة، كونها امتحاناً أخلاقياً لا فكاك منه. قاتل مأجور (تيم روث) يعود لبيته، لا ليجد دفئاً، لكن ليصطدم بأب منكر وبذاكرة عنيفة وبمافيا تلاحقه. وفي "ذا ياردز"، تتخذ العائلة شكلاً آخر، فساد يمتد داخل مؤسسة تعمل في المترو النيويوركي، حيث تتحول القرابة إلى شبكة مصالح خانقة. أما في "الليل لنا"، فالصراع يبلغ ذروته بين أخوين (واكين فينيكس ومارك وولبرغ)، وبين الشرطة والجريمة، وبين القانون والانحراف، لكن ضمن بنية واحدة، روابط الدم. والعنف دائماً آلية لإعادة تعريف هذه الروابط. كأن الشخصيات لا تختبر إلا عندما تُدفع إلى أقصى حدودها. 

غراي، المولود في نيويورك لعائلة من الطبقة العاملة، لا يقدم نفسه كمخرج "أوروبي الميول" على رغم ما يُقال عنه أحياناً. ويقول بوضوح "أنا أميركي كثيراً"، معلناً انتماءه إلى تقليد أميركي صريح في بناء السرد والتمثيل والإخراج. ويقول “أحاول متابعة مسار سينمائيين مثل كوبولا وسكورسيزي وألتمان وكوبريك"، مذكراً بأن هؤلاء هم السينما الأميركية الحقيقية بالنسبة إليه.

في حديثه عن صراع الطبقات، لا يخفي انشغاله به، "زوجتي تقول إنني مهووس بالطبقات في أميركا، وأعتقد بأنها محقة". لكن هذا الهوس لا يُقدم كتحليل اجتماعي بارد، وإنما كحال شعورية مرتبطة بالإحساس الدائم بالمقارنة وبالحرمان وبالتفاوت الذي يشكل الخلفية العميقة لكل العلاقات الإنسانية في أفلامه.

ضغط نيويورك

لا يمكن فصل سينما غراي عن المكان والبيئة والبقعة الجغرافية، فنيويورك عنده كائن ضاغط. المطر الخريفي والشوارع المبللة والشقق الفارغة والضوء الخافت كلها عناصر تتحول إلى لغة بصرية تفرض على الشخصيات نمط وجودها.

ويقول غراي خلال أحد حواراته "الأفلام عندي عبارة عن أحلام، وليست دائماً أحلاماً جيدة". وهذه العبارة تلخص طبيعة عمله، الحلم مواجهة مع ما هو مكبوت ومع الخسارة ومع الموت ومع الفقد الذي يصفه بـ"الهاجس الدائم".

أثناء درس سينمائي قدمه في ليون قبل بضعة أعوام، صارح الجمهور وشرع له أبواب حديقته السرية، معتبراً السينما نوعاً من الديانة الشخصية، "أنا يهودي ديانته السينما". وهذا التصريح هو المفتاح لفهم علاقته بالموت والزمن. فالسينما عنده وسيلة لـ"تصفية الحساب مع الموت"، كما يقول، عبر التقاط اللحظات العابرة قبل أن تختفي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في فيلمه ما قبل الأخير، عاد أخيراً لسيرته مستلهماً منها بعض الفصول الأليمة. إنه "يوم هرمغدون" (2022) الذي يحملنا إلى زمن رونالد ريغن، إلى لحظة تشكل الوعي السياسي والاجتماعي. هنا أيضاً، العائلة هي نقطة البداية. طفل يكتشف الفن، ويصطدم بنظام تربوي وعائلي صارم، فيتحول الفن نفسه إلى وسيلة للنجاة. ويقول غراي "أشعر بأن كل أفلامي شخصية، لكنها ليست سيراً ذاتية". ومع ذلك، يصعب تجاهل البعد الاعترافي في أعماله. ففي "المهاجرة" (2013) مثلاً يستحضر تاريخ عائلته المهاجرة، ويعيد بناء ذاكرة جماعية تتقاطع فيها الهجرة والفقر والحلم الأميركي.

وفي معظم أفلامه، يفتح قوساً سردياً واسعاً، ثم لا يغلقه، معتبراً ان الإجابة عن أسئلة العالم لا تعنيه. "ليست لديّ أجوبة عن أسئلة كثيرة أطرحها في سينماي"، يقول في صراحته التي تكثف موقعه كسينمائي يفضّل الشك على اليقين، والهاجس على الحلول.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما