ملخص
قال مصدران حكوميان باكستانيان إن قلق المسؤولين تنامى صيف عام 2025 من أن عداء الأصوليين تجاه فرنسا ودول أوروبية أخرى يعرض الإعفاء الجمركي الذي يمنحه الاتحاد الأوروبي للمنتجات الباكستانية للخطر.
عندما استنفرت اتهامات لعائلة مسيحية بـ "التجديف" (ازدراء الأديان) مئات الأشخاص، للاحتشاد في مدينة كراتشي الباكستانية المكتظة الشهر الماضي، أدرك رجال الشرطة أنه ليس أمامهم سوى ربما دقائق معدودة، لإنقاذ أربع نساء وطفل كانوا مستهدفين، وشهدت باكستان نحو 90 حالة إعدام خارج نطاق القانون، مرتبطة باتهامات بـ "التجديف" منذ عام 1990، وبدأت كثير من هذه الحالات بالطريقة نفسها.
لكن عندما تصدى رجل الشرطة سانجار علي مالك ووحدته للحشد في شارع ضيق، قال مالك إنه شعر بوجود فرصة لإنهاء الموقف سلمياً، وكان الهتاف المدوي هو "الموت للكفار"، لكن غاب عن المشهد المحرضون الرئيسون على مثل هذه القلاقل في الماضي، والمقصود بهم الجماعات الأصولية القوية في باكستان، مما يعكس أثر حملة أمنية يقودها الجيش، أسهمت في خفض عدد قضايا "التجديف" المسجلة إلى نحو الثلثين هذا العام.
واستشهد مالك بآيات من القرآن، وقال للحشد "لا يوجد دين يسمح لكم بأن تنفذوا القانون بأيديكم"، وذكر في مقابلة أن الناس استمعت إليه على نحو لم يكن متوقعاً حتى بالنسبة إليه، وتفرق الحشد في غياب المحرضين الذين يثيرون الفوضى، بعدما طمأنت الشرطة الحاضرين بأنها ستحقق في القضية، ويقول محللون إن الجماعات الإسلامية في باكستان كانت تحظى منذ فترة طويلة بدعم الجيش القوي، لإبقاء الحكومة المدنية تحت السيطرة، ولإثارة التوتر مع دول معادية أحياناً.
لكن هذه الجماعات تراجعت وأصبحت في الظل بعد حملة قمع، قالت أربعة مصادر حكومية وأمنية إنها جرت تحت إشراف قائد الجيش عاصم منير، وذكرت المصادر والمحللون أن حملة القمع مدفوعة برغبة باكستان في تحسين العلاقات مع الغرب، ودمج اقتصادها بصورة أفضل معه، في الوقت يبني منير علاقة شخصية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
تأتي هذه الحملة بعدما اختلفت باكستان مع حركة "طالبان" الأفغانية التي كانت حليفاً يفرض هو الآخر عقوبات جسدية، وأحكاماً بالسجن في ما يتعلق بـ "التجديف"، بينما لم ترد أنباء من قبل عن أسباب حملة القمع بالتفصيل.
وقال أحد المصادر، وهو من الدائرة المقربة من منير، إن قائد الجيش كان "واضحاً في أن هذه الجماعات الإسلامية وباكستان التي تتقدم لا يمكن أن يتعايشا معاً"، مضيفاً أن منير أسهم شخصياً في ضمان عدم التسامح مطلقاً مع الجماعات الأصولية، في إطار سعيه إلى رسم صورة إيجابية لباكستان التي تمتلك سلاحاً نووياً، ولم يرد الجيش الباكستاني على طلب للتعليق.
وقال وزير الدولة للشؤون الداخلية طلال شودري لـ"رويترز"، في إشارة إلى الحملة، "كان للدولة دروس مستفادة من التجارب السابقة، فالحكومة والجيش على وفاق تام، ولم يسبق أن كان هناك هذا القدر من الوضوح، والهدف هو سحق أي جماعة تحاول أخذ الشعب أو هذا البلد رهينة لإملاءاتها".
وفي واحدة من أوضح التبعات الملموسة للحملة، قالت لجنة حقوق الإنسان الباكستانية، وهي لجنة مستقلة، إن عدد قضايا "التجديف" المسجلة انخفض إلى 13 قضية حتى الآن هذا العام، أي بحوالى الثلثين، مقارنة بفترات مماثلة في الأعوام القليلة الماضية، وفي المتوسط شهدت باكستان أكثر من سبع وقائع شغب أو هجمات متعلقة بـ "التجديف" سنوياً من 2021 إلى 2024، لكن بيانات منفصلة قدمها لـ "رويترز" موقع "بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة" كشفت عن أنه لم تحدث سوى واقعة واحدة خلال العام الماضي، والموقع معني برصد النزاعات.
ابن إمام
منير، وهو الأحدث في سلسلة طويلة من الجنرالات الذين هيمنوا على السياسة الباكستانية، في طليعة الساعين إلى تجديد صورة البلاد وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة والصين والسعودية، لكنه يواجه على الصعيد المحلي تحديات تتمثل في حركات عنف تستنزف البلاد، وتستمد قوتها من الإسلاميين واقتصاد منهار.
ومنير ابن لأحد الأئمة، وهو نفسه شخص شديد التدين، ولا تزال الاعتبارات الدينية والعقائدية متجذرة في أجهزة الدولة الباكستانية، لكنه يسعى رغم ذلك إلى الحصول على الاعتراف والدعم العالميين، من خلال صفقات تتعلق بالعملات المشفرة، والحصول على أموال أجنبية والتوسط في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وتوقيع اتفاق للدفاع المشترك مع السعودية.
وقال مصدران حكوميان باكستانيان، إن قلق المسؤولين الباكستانيين تنامى صيف عام 2025 من أن عداء الأصوليين تجاه فرنسا ودول أوروبية أخرى، يعرض الإعفاء الجمركي الذي يمنحه الاتحاد الأوروبي للمنتجات الباكستانية للخطر.
ويذهب ثلث الصادرات الباكستانية تقريباً إلى الاتحاد الأوروبي، وكان من الممكن أن يؤدي أي انخفاض مفاجئ في هذه الصادرات إلى إدخال اقتصاد البلاد في حال من الاضطراب، ولم ترد المفوضية الأوروبية ووزارة التجارة الباكستانية على طلبات للتعليق.
وقد جعلت إدارة ترمب أيضاً من قضية الاضطهاد المشتبه فيه للمسيحيين مشكلة، وأوصت "اللجنة الأميركية للحرية الدينية الدولية"، وهي لجنة حكومية معنية بمراقبة الحرية الدينية، العام الماضي بتعديل تصنيف باكستان، باعتبارها "دولة تثير قلقاً بالغاً" بسبب قوانين "التجديف" السارية فيها، فيما رفضت باكستان هذا التصنيف، وقال المحلل في كلية "إس راجاراتنام" للدراسات الدولية في سنغافورة، عبدالباسط، إن تفاقم أعمال التمرد في منطقتي بلوشستان وخيبر بختون خوا، أغنى مناطق البلاد بالمعادن، أسهم في تعزيز شعور منير بأن الأمر يتسم بالإلحاح، إذ عرض على الحكومة الأميركية العام الماضي استثمارات في قطاع المعادن، مضيفاً أن "فقدت الجماعات الدينية شعبيتها".
وعلى رغم أن الجماعات المسؤولة عن أعمال العنف ليست مرتبطة مباشرة بالجماعات الإسلامية، التي جرى حظرها أخيراً، لكنها عادة ما تعتمد على الشريحة نفسها من الشباب المتطرفين، وقالت مديرة برنامج جنوب آسيا في "مركز ستيمسون"، إليزابيث ثريلكيلد، إن "السؤال هو ما إذا كانت باكستان قادرة على الحفاظ على هذا الوضوح وراغبة في ذلك".
تهديد خطر لباكستان
حُظرت حركة "لبيك باكستان"، أكبر الجماعات المتطرفة داخل البلاد، أواخر العام الماضي، وكانت تتخذ من شعار "الموت للكفار" هتافاً لها، وأُودع عدد من قادتها السجن وأُغلقت مساجدها وجمدت حساباتها المصرفية، وذكرت وثيقة حكومية لم يُكشف عنها من قبل، مهّدت الطريق لقرار الحظر، أن الحركة "تحولت إلى تهديد خطر لباكستان، ليس لأنها تضر بالسلم الأهلي فقط، بل أيضاً لما ألحقته بسمعة البلاد على الصعيد الدولي"، وأشار متحدث باسم الحركة إلى بيان أصدرته الجماعة العام الماضي، وصف فيه الحظر بأنه غير قانوني ومخالف للدستور.
وكانت الحكومة قد شنّت في وقت سابق حملة قمع ضد جماعات إسلامية أخرى، مثل "عسكر طيبة" و"جيش محمد" بعد ضغوط من فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية، وهي هيئة رقابة دولية معنية بمكافحة تمويل الإرهاب، وعزا عبدالباسط أحدث حملة إلى مراجعة داخلية أجرتها باكستان لسياستها السابقة تجاه دعمها حركة "طالبان" الأفغانية، إذ تتهم إسلام آباد حركة "طالبان"، التي تتولى السلطة حالياً في أفغانستان المجاورة، بتأجيج أعمال العنف المتصاعدة التي يشنها متشددون ضد الدولة الباكستانية، ووصفت "طالبان" الأفغانية هذا الاتهام بأنه "لا أساس له"، فيما رفض متحدث باسم وزارة الخارجية الأفغانية التعليق على الحملة ضد حركة "لبيك باكستان"، ورأى أنها شأن داخلي يخص باكستان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبالنسبة إلى الأقليات المسيحية والشيعية والأحمدية في باكستان، فقد مثّل هذا التحول تطوراً لافتاً، ففي بعض الأحيان كان المشتبه فيهم بجرائم قتل مرتبطة بـ "التجديف"، بمن فيهم أفراد من الشرطة، يلقون استقبالاً حافلاً وسط زخات من الورود، وكذلك أشاد بعضهم علناً بأشخاص اتهموا بإضرام النار في كنائس مسيحية أو مساجد تابعة لأقليات مسلمة، ولا يزال يُعاقب على جريمة "التجديف" بالإعدام، بموجب القانون الباكستاني، وقد ظلت منذ زمن من أكثر القضايا حساسية في البلاد، حد أن مجرد الاشتباه في ارتكابها كان كفيلاً بإشعال أعمال شغب، أو التسبب في عمليات قتل خارج نطاق القانون، وتقول جماعات حقوق الإنسان إن عائلات الضحايا نادراً ما حصلت على العدالة، إذ كان القضاة والمحامون يخشون بشدة تولي هذه القضايا.
وذكر الشرطي مالك أن جميع من واجهوا الحشد في كراتشي الشهر الماضي "تملّك الخوف قلوبهم"، مضيفاًَ أن الأسرة المسيحية المستهدفة نُقلت في النهاية إلى مكان آمن، ومشيراً إلى أن التحقيقات الأولية أظهرت منذ ذلك الحين أن الادعاءات الموجهة إليها كاذبة.
"شعبنا"
أُسست حركة "لبيك باكستان" عام 2015، في وقت كان حارس شخصي في الشرطة يقضي عقوبة السجن، بعد إقدامه على قتل حاكم باكستاني عام 2011، بسبب دعمه امرأة مسيحية متهمة بـ "التجديف"، ودِين الحارس وأعدم شنقاً بعد شهور من تأسيس الحركة، وقال محللون إن شكوكاً أثيرت بأن المؤسسة العسكرية الباكستانية، بما فيها أجهزة المخابرات التابعة لها، أشرفت على إنشاء الجماعة بقدر ما، بهدف إبقاء الحكومات المدنية والأحزاب السياسية التقليدية تحت السيطرة، وبعد أعمال الشغب العنيفة التي قادتها حركة "لبيك باكستان" عام 2017، وصف قائد الجيش آنذاك الجنرال قمر جاويد باجوا المتظاهرين المنتمين إلى الجماعة بأنهم "شعبنا"، وأمرت المحكمة العليا الباكستانية لاحقاً أجهزة المخابرات والجيش بالابتعاد من السياسة، لكنها لم تتمكن من إثبات وجود صلة مباشرة مع الجماعة.
ومع ذلك حذّر محللون ومسؤولون سابقون من أن تأثير "لبيك باكستان" على المجتمع هناك لن يتلاشى سريعاً على رغم حظرها، فيمكن أن تؤدي الصدمة الأولية التي تلقاها أنصارها في أعقاب حملة القمع إلى رد فعل عنيف، وقال إحسان غني، الذي شغل منصب المدير العام لجهاز المخابرات في باكستان، وقت اندلاع أعمال الشغب التي قامت بها الجماعة، وتخللها سقوط قتلى عام 2017، إنه يخشى أن تستعيد الحركة قوتها الكاملة إذا تبدلت الحسابات المتعلقة بمدى فائدتها السياسية، وأوضح لـ"رويترز" أنه "لا يمكنك تشغيل أو إيقاف شيء بهذا الحجم، بعدما استغرقت رعايته أعواماً في إطار سياسة دولة".
وفي أوساط الأقليات في باكستان، تبدو هذه التحولات المفاجئة أقرب إلى أمر يصعب تصديقه، وقالت إحدى النساء المسيحيات اللواتي جرى إنقاذهن في كراتشي لـ "رويترز": "نحن في أمان" من الناحية الجسدية، لكنها أضافت أن الخوف لم يفارقهم بعد.