ملخص
تعود الشراكات العسكرية بين دول الخليج وباكستان إلى عقود، إذ يتمتع الطرفان بعلاقات ودية تتشكل في استفادة الأخيرة من المساعدات المالية من قبل الدول الخليجية التي تستقدم من جانبها مدربين عسكريين باكستانيين وتقيم مناورات عسكرية مع باكستان بين الحين والآخر.
وشهد العام الماضي تحولاً في طبيعة هذه الشراكة عندما وقّعت السعودية اتفاقية الدفاع المشترك مع باكستان التي تنص على أن الهجوم على أحد الأطراف يُعتبر هجوماً على الآخر أيضاً وتهدف إلى تعزيز الأمن الجماعي.
أثرت الحرب الإيرانية - الأميركية في الشرق الأوسط على دول المنطقة التي تعرضت لهجمات الصواريخ والمسيرات، إضافةً إلى تأثر إمدادات الطاقة والتجارة البحرية نتيجة إغلاق الممرات المائية المهمة ما يعيد تشكيل النظام الإقليمي الجيوسياسي وبنية الأمن فيها بسرعة.
وفي ظل المعطيات الأمنية الجديدة، تلجأ دول المنطقة إلى تشكيل التحالفات لضمان أمنها بوجه التهديدات العسكرية الخارجية. وتأتي هذه التحالفات الأمنية الجديدة ضمن الإطار الأمني الذي وضعته الولايات المتحدة عقب الحرب الخليجية الأولى في عام 1990.
كذلك دفعت الأحداث العسكرية خلال العام الماضي، من تحرك الصواريخ والطائرات المسيرة في سماء الخليج والقصف الإسرائيلي على قيادة حركة "حماس" في قطر، هذه الدول إلى تبني وسائل جديدة للحفاظ على أمنها، إلى جانب وسائل الحماية المتبعة سابقاً.
ونتيجةً لذلك، برزت التحالفات الثنائية والثلاثية والرباعية في المشهد الأمني المتغير في الشرق الأوسط، فيما تلعب المملكة العربية السعودية دوراً محورياً وعاملاً استراتيجياً في تشكيل هذه التحالفات.
لماذا التحالفات؟
تعتبر التحالفات الأمنية في جوهرها عوامل مضاعفة للقوة، يتم إنشاؤها من خلال تجميع الموارد العسكرية والاقتصادية ومواءمة المصالح الاستراتيجية وتحديد الأهداف المشتركة ضد الخصوم المشتركين لردع التهديدات المشتركة وضمان السلام والاستقرار الجماعيَين.
وتقوم الدول المنخرطة في التحالفات الأمنية بإقامة هذه الشراكات لأن تحقيق هذه الأهداف بمفردها سيكون مكلفاً أو صعباً للغاية. ويمكن لهذه التحالفات أن تكون طويلة الأمد مثل التحالفات الاستراتيجية التي تتضمن تعاوناً أعمق وتعزز ثقافة الأمن الجماعي، إذ يعتبر الهجوم على أحد شركاء التحالف هجوماً على جميع الشركاء.
من ناحية أخرى، فإن التحالفات منخفضة المستوى والتحالفات القائمة على المعاملات أقل إلزاماً ولها تركيز محدود وتسعى إلى تحقيق أهداف محدودة، مثل التدريب العسكري المشترك أو شراء معدات الدفاع أو المناورات العسكرية.
الدور الباكستاني
تعود الشراكات العسكرية بين دول الخليج وباكستان إلى عقود، إذ يتمتع الطرفان بعلاقات ودية تتشكل في استفادة الأخيرة من المساعدات المالية من قبل الدول الخليجية التي تستقدم من جانبها مدربين عسكريين باكستانيين وتقيم مناورات عسكرية مع باكستان بين الحين والآخر.
وشهد العام الماضي تحولاً في طبيعة هذه الشراكة عندما وقّعت السعودية اتفاقية الدفاع المشترك مع باكستان التي تنص على أن الهجوم على أحد الأطراف يُعتبر هجوماً على الآخر أيضاً وتهدف إلى تعزيز الأمن الجماعي.
وعلى رغم أن الاتفاقية أضفت الطابع الرسمي على التعاون الأمني والعلاقات العسكرية طويلة الأمد بين الطرفين، إلا أن توقيتها كان مهماً مما عزز دور باكستان كمزود للأمن وصانع سلام دبلوماسي في بنية الأمن في الشرق الأوسط.
ومنذ توقيع الاتفاقية، نشرت باكستان 8 آلاف فرد إضافي من القوات الأمنية وسرباً كاملاً من طائرات "جي أف – 17" (JF-17) المقاتلة ونظام الدفاع الجوي الصيني "أتش كيو – 9" (HQ-9) في المملكة.
وقد حظيت وساطة باكستان لتنفيذ وقف إطلاق النار ومذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران أيضاً بدعم ورعاية السعودية، فيما أظهرت الدول الخليجية الأخرى أيضاً اهتمامها في توقيع اتفاقيات مماثلة.
وصادقت الكويت رسمياً على اتفاقية التعاون الدفاعي مع باكستان من خلال المرسوم الرئاسي الكويتي رقم 73 لعام 2026 في يوليو (تموز) من العام الحالي. وبحسب التفاصيل، سيشمل هذا التحالف الثنائي التدريب العسكري، والتعليم، وتبادل الأفراد، وتوفير المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق فضلاً عن التعاون في مجال علوم وتكنولوجيا الدفاع، كذلك ستمتد الاتفاقية لمدة خمس سنوات مع خيار التجديد التلقائي.
إضافة إلى ذلك، ظهر أخيراً تحالف بحري مكون من 14 دولة بقيادة السعودية لضمان حرية الملاحة، وطرق التجارة الدولية، وخطوط الطاقة والإمداد، والأمن في البحر الأحمر.
يأتي هذا التحالف في ظل هجمات الحوثيين المستمرة على سفن الشحن، ويهدف إلى تأمين مضيق باب المندب وخليج عدن. وتعد باكستان وتركيا ومصر من بين الأعضاء المؤسسين لهذا التحالف الذي يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية والتخطيط العملياتي المشترك والتدريبات البحرية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كذلك، يبدو أن تحالفاً آخر يقترب من الاكتمال وهو إطار أمني ثلاثي بين السعودية وباكستان وتركيا. وقد وصلت مفاوضاتهم إلى المرحلة النهائية، ومن المتوقع صدور إعلان رسمي في هذا الصدد قريباً.
يحمل هذا الإعلان المرتقب أهمية كبرى، إذ إن موقع المملكة القيادي المركزي ونفوذها الدبلوماسي وسخائها المالي في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي الأوسع، إضافةً إلى قدرات باكستان العسكرية والنووية المتمرسة في الحروب، إلى جانب قدرات تركيا الصناعية الدفاعية المحلية والمتطورة التي تنتج الطائرات من دون طيار والطائرات المقاتلة ستجعل من هذا التحالف قوة هائلة وذات نفوذ.
مهدت الرؤية الأمنية المشتركة في شأن أمن الدول القومية المعترف بها دولياً، وتعزيزها كوحدة أساسية للاستقرار الإقليمي، ومعارضة القوى الانفصالية، ومكافحة الإرهاب، والإنتاج الدفاعي المشترك، والتدريب والمناورات العسكرية الطريق لهذا الإطار الأمني الثلاثي.
وبالمثل، فإن التحالف الرباعي بين السعودية وباكستان ومصر وتركيا معلق أيضاً وسيتم الإعلان عنه بمجرد الاتفاق على إطار عمل رسمي بين هذه الدول.
في هذا السياق، يقول الدبلوماسي الباكستاني السابق آصف دراني إن "إسلام آباد سعت دائماً إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف أطراف المنطقة التي قد تكون متنازعة في ما بينها أحياناً. وقد عززت أنشطتها الدبلوماسية خلال الأزمة الإيرانية - الأميركية الأخيرة سمعتها كوسيط محايد".
ويضيف أن "كفاءة القوات المسلحة الباكستانية في الصراع العسكري مع الهند العام الماضي عززت ثقة شركائها الإقليميين، كذلك يتمتع موقع باكستان الجغرافي بأهمية استثنائية إذ يربط جنوب ووسط آسيا وغربها وبحر العرب".
ويرى دراني أن "هذه التحالفات لا تقتصر على الشراكات الأمنية فقط، بل إن تطور مشاريع الربط وممرات التجارة الإقليمية سيساعد في مرحلة ما بعد الحرب، وسيعود بالنفع على المنطقة بأسرها".
الجدير بالذكر أن التحالفات الجديدة لن تحل محل الإطار الأمني الموجود بقيادة الولايات المتحدة، بل ستعمل على سد الفجوات وتقوية النظام الراهن. بعبارة أخرى، هذه التحالفات لن تعمل ضد الإطار الموجود بل ستكمله. ويبقى التعامل مع إسرائيل في ظل عدم وجود خريطة طريق واضحة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة أحد الملفات العالقة في مستقبل المنطقة.
وبالنسبة لباكستان، فإن وجودها في هذه التحالفات تعزز مكانتها الدولية ليس فقط كمزود للأمن ولكن أيضاً كصانع سلام إقليمي وقوة دبلوماسية.
نقلاً عن اندبندنت أوردو