ملخص
تزامن تصاعد الهجمات المسلحة أخيراً في مناطق بلوشستان، ذات الغالبية البلوشية أو البشتونية، مع تغيرات إقليمية متسارعة، ولا سيما في إيران وأفغانستان، وأسهم نهج الحكومة الأفغانية المتساهل تجاه الجماعات المتشددة، مثل حركة "طالبان باكستان" المحظورة، واستخدامها، بحسب الادعاءات الباكستانية، كوكيل، في تفاقم حال عدم الاستقرار في المناطق الحدودية مع إيران، مما هيّأ بيئة مواتية لهذه الجماعات، لترسيخ وجودها في بلوشستان وتكثيف اعتداءاتها.
شهد إقليم بلوشستان الباكستاني، المحاذي لإيران، موجة جديدة من العمليات الإرهابية الدامية التي راح ضحيتها 42 مدنياً وعسكرياً خلال الأسبوع الأول من شهر يوليو (تموز) الجاري، وبخلاف العمليات الإرهابية المتكررة داخل الإقليم، والتي تشنها المجموعات المسلحة الانفصالية ذات الطابع القومي البلوشي، فقد استهدفت الهجمات الأخيرة مناطق البشتون وتبنتها حركة "طالبان -باكستان" ذات الطابع الديني، والمتمركزة في إقليم خيبر بختونخوا، لتُبرز مرة أخرى حجم التحديات الأمنية الكبيرة التي تواجهها باكستان في بلوشستان، في ظل تكاتف المجموعات المسلحة المختلفة، وغياب إستراتيجية عملية مناهضة من جانب الدولة.
أطلق الجيش الباكستاني، وقوات الحدود، وشرطة بلوشستان، عملية مشتركة جديدة تحت اسم "عملية شعبان"، لمواجهة التصاعد الأخير في عدد الهجمات الإرهابية داخل الإقليم، وتشمل هذه العملية تحرك قوات برية وشنّ غارات جوية في المناطق الجبلية الوعرة في بلوشستان، وبحسب المسؤولين الباكستانيين، جرى القضاء على أكثر من 100 إرهابي، ينتمون إلى جماعات مختلفة في أنحاء بلوشستان منذ انطلاق "عملية شعبان"، وتزامن تصاعد الهجمات المسلحة أخيراً في مناطق بلوشستان، ذات الغالبية البلوشية أو البشتونية، مع تغيرات إقليمية متسارعة، ولا سيما في إيران وأفغانستان.
أسهم نهج الحكومة الأفغانية المتساهل تجاه الجماعات المتشددة، مثل حركة "طالبان باكستان" المحظورة، واستخدامها، بحسب الادعاءات الباكستانية، كوكيل، في تفاقم حال عدم الاستقرار في المناطق الحدودية مع إيران، مما هيأ بيئة مواتية لهذه الجماعات، لترسيخ وجودها في بلوشستان وتكثيف اعتداءاتها.
تحالف المجموعات المسلحة
على رأس التحديات التي تواجهها باكستان التحالف بين المجموعات الإرهابية ذات الخلفيات المختلفة، إذ يقف "جيش تحرير بلوشستان" وحركة "طالبان الباكستانية" وراء معظم الهجمات الإرهابية التي تشهدها باكستان، وعلى رغم الاختلاف الأيديولوجي الكبير بين المجموعتين، لكنهما يتعاونان على المستويَين الإستراتيجي واللوجستي ضد عدوهما المشترك، الجيش الباكستاني المتفوق تقليدياً، ويعود هذا التعاون إلى فترة تدريبهما معاً في معسكرات أفغانستان بين عامي 2015 و2020، حيث تعلم "جيش تحرير بلوشستان" خلال تلك الفترة أساليب التفجير الانتحاري من مدربي حركة "طالبان باكستان".
ويعكس هذا التعاون نهجاً براغماتياً وانتهازياً من قبل هاتين المجموعتين، إذ التزمت الجماعات الانفصالية البلوشية الصمت التام إزاء النفوذ المتزايد لحركة "طالبان باكستان" على أراضيها، على رغم أن الجماعات المسلحة غير الحكومية، لديها عموماً حساسية بالغة تجاه نفوذها المناطقي، وتعارض بشدة أية قوة أخرى تحاول دخول ما يسمى بـ "حدودها العملياتية".
لكن هذا التعاون بين "جيش تحرير بلوشستان" وحركة "طالبان باكستان" يظهر نضجهما كعنصرين رئيسَين في هذا الصراع الممتد، فقد أدركا أهمية التحالفات بين الطوائف لبقائهما واستمرارهما، وكلما زاد عدد حلفاء الجماعة، طالت مدة بقائها وازدادت خطورتها.
عامل أفغانستان
يظهر هذا التعاون في الهجمات الأخيرة التي شنتها "طالبان باكستان" في بلوشستان، معقل "جيش تحرير بلوشستان"، وقد وسّعت "طالبان" الباكستانية نفوذها بهدوء في المناطق البشتونية من بلوشستان، من دون شن هجمات كبيرة، وتعود الموجة الأخيرة من هجمات الحركة في بلوشستان لعاملين رئيسَين، أولهما أن هذه الهجمات تأتي رداً على الغارات الجوية الباكستانية داخل الأراضي الأفغانية، التي تدعي باكستان أنها رد على الإرهاب العابر للحدود، المنطلق من أفغانستان، وبينما ردت حكومة "طالبان" في البداية باشتباكات عبر الحدود وغارات بطائرات مسيّرة، فقد تكون الهجمات الإرهابية طريقة أخرى للرد الأفغاني على الغارات الباكستانية، ويعزز هذا النمط موقف إسلام آباد القائل بأن "طالبان باكستان" هي وكيلة "حكومة طالبان" الأفغانية.
أما العامل الثاني فهو ذو صلة ولكنه منفصل، ويتمثل في وجود عناصر سابقة من "الجيش الوطني الأفغاني" في المناطق البشتونية من بلوشستان، حيث عمدت "طالبان" إلى تسليح وتمويل ودعم حركة "طالبان باكستان" لوجستياً، لتوسيع نفوذها في بلوشستان خوفاً من حملة عسكرية ضدها، من قبل خصومهم السابقين الموجودين في ذلك الإقليم، ودارت الاشتباكات المسلحة الأخيرة، التي أثرت أيضاً في السكان البشتون المحليين، بصورة أساس بين عناصر سابقة من "الجيش الوطني الأفغاني" وحركة "طالبان باكستان".
المشاريع الاستثمارية والحرب الإيرانية
من جهة أخرى، تخوض "جبهة تحرير بلوشستان"، وغيرها من الجماعات الانفصالية البلوشية، حرباً اقتصادية ضد الدولة الباكستانية، انطلاقاً من اعتبارات قومية قائمة على الموارد، وقد كثفت هذه الجماعات حربها الدعائية وهجماتها، ولا سيما في منطقة تشاغي، حيث تقع معادن الذهب والنحاس في سينداك وريكو ديك، وعلى رغم أن الصين تشرف على منجم سينديك منذ عقدين، لكن منجم "ريكو ديك"، الذي يرجح أن يبدأ تشغيله قريباً، استقطب أيضاً اهتمام المستثمرين الأميركيين، فيما تتولى شركة "باريك غولد" الكندية تشغيل منجم "ريكو ديك".
لم يكتف "جيش تحرير بلوشستان" بإصدار تحذيرات لشركات التعدين العاملة في هذه المناطق، بل شن هجمات عليها لشل أنشطتها، وخلال العامين الماضيين، شهدت منطقة سينداك تصاعداً حاداً في الهجمات على الطرق السريعة وقطاعي النقل والبناء، بهدف إضعاف سلسلة الإمداد اللوجستي وتعطيل عمليات التعدين،
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويُعد تدهور الوضع الأمني في إيران أحد أسباب تزايد نشاط "جيش تحرير بلوشستان"، إذ أصبحت المنطقة الحدودية بين باكستان وإيران أرضاً خصبة للجماعات المسلحة.
ومع إغلاق مضيق هرمز وركود الاقتصاد العالمي وارتفاع أسعار الوقود وتعطل التجارة عبر الحدود، أصبح شباب البلوش العاطلون من العمل هدفاً سهلاً للدعاية الإعلامية التي تبثها الجماعات المسلحة، مستغلة حال انعدام الأمن الاجتماعي والاقتصادي، والحرمان السياسي، لتوظف هؤلاء الشباب الغاضبين في حملاتها الإرهابية.
أين الخطأ في تعامل الدولة؟
هناك عامل آخر وراء تفاقم التحدي الأمني في بولشستان، بالنسبة إلى باكستان، وهو تعامل الدولة مع المعارضة السياسية هناك، فبينما تعد العمليات العسكرية ضرورية للقضاء على التمرد في بلوشستان، فإن تحسين الحوكمة وتعزيز العلاقات بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الأقاليم، ورفع كفاءة أجهزة إنفاذ القانون المدنية، أمور لا تقل أهمية لمواجهة الجماعات المسلحة الحديثة والمتطورة داخل الإقليم المضطرب، وقد اعتقلت الأجهزة الأمنية الباكستانية الدكتورة ماهرانج بلوش، وحُكم عليها بالسجن المؤبد على خلفية أنشطة "مناهضة للدولة"، وتعد ماهرانج الصوت الجديد والأبرز للشباب البلوش، وذاع صيتها في الإقليم بعد أن تولت حركة احتجاجية سلمية، تنادي بعودة المغيبين من قبل السلطات الباكستانية.
كذلك قامت ماهرانج بقيادة مسيرات واعتصامات احتجاجية في إسلام آباد، وسط انتقادات لاذعة للأجهزة الأمنية الباكستانية، والتعامل الفج للإعلام والأجهزة الرسمية مع المحتجين، وتتهمها السلطات بأنها الوجه السياسي للانفصاليين، مستدلين على ذلك بأنها لا تستنكر الهجمات التي يقوم بها الانفصاليون، لكن التعامل الصارم للدولة الباكستانية، واستخدام القوة أمام المعارضة، وإغلاق أبواب النقاش، أدت إلى نتائج عكسية إلى الآن.
وبحسب الدكتور سيد كليم إمام، الذي خدم في مناصب عليا في الشرطة الباكستانية، فإن "القوة لوحدها ليست الحل لأزمة بلوشستان"، مضيفاً أن "للدولة الحق، وعليها مسؤولية مواجهة الجماعات المسلحة التي تتحدى حكمها، لكن ينبغي أن يبقى استخدام القوة الملاذ الأخير للأجهزة الأمنية، وفي إطار سيادة القانون، وتوجيهها ضد الأفراد المسؤولين عن زعزعة الأمن فقط، فالعقاب الجماعي نادراً ما ينهي حركات التمرد، بل غالباً ما يطيل أمدها".
وتابع إمام أن "الهجمات في الحزام البشتوني تذكرنا بأن التحدي لا يزال قائماً، وما يثير القلق هو انحسار دور مؤسسات الدولة في الأزمات، لتحل محلها اللجان المحلية التي تتعامل مع الوضع وتفاوض المهاجمين، ولعل الوقت حان لنقر بأن الاعتماد على القوة بصورة أساس، ليس سياسة أمنية ناجحة ومستدامة".