ملخص
كان "ترينت بارك" معروفاً بديكوراته الداخلية العصرية في ثلاثينيات القرن الماضي، حين كان مملوكاً لسياسي ثري استضاف شخصيات من بينها تشارلي تشابلن وونستون تشرشل.
يكشف متحف افتتح في منزل ريفي فخم شمال لندن قصة واحدة من أكثر عمليات الاستخبارات البريطانية سرية خلال الحرب العالمية الثانية، حين كان جنرالات نازيون يحتسون النبيذ ويتبادلون الأحاديث في طبقاته العليا، فيما كان فريق مختبئ في القبو يتنصت إلى كل ما يقولونه.
وتحول منزل "ترينت بارك" خلال الحرب إلى معسكر لاحتجاز أسرى الحرب من كبار ضباط الجيش النازي، قبل أن يصبح اليوم متحفاً يحمل اسم "منزل ترينت بارك للأسرار".
ويسلط المتحف الضوء على دور فريق من الناطقين بالألمانية، كان معظم أفراده من اللاجئين اليهود، تولى الاستماع إلى محادثات الأسرى وتفريغ مقتطفات منها تضمنت معلومات عسكرية سرية.
وقال مدير المتحف جوزيبي ألبانو لوكالة الصحافة الفرنسية "يعد ترينت بارك جزءاً واحداً من شبكة بيوت للاستخبارات، لنسمها كذلك، أشهرها بيت بليتشلي بارك".
ويقع "بليتشلي بارك" شمال لندن، وهو المنزل الريفي الذي نجح فيه عالم الرياضيات آلان تورينغ في فك شيفرة رسائل الجيش النازي، وقد تناول فيلم "لعبة المحاكاة" (The Imitation Game) الحائز جائزة أوسكار قصته.
وبحسب ألبانو، فإن ترينت بارك "يوازيه من حيث حجم المعلومات الاستخباراتية العسكرية التي تم الحصول عليها، والتي استخدمتها الحكومة البريطانية لتقصير مدة الحرب العالمية الثانية".
المعسكر رقم 11
كان ترينت بارك جزءاً من شبكة من المنازل المخصصة للعمل الاستخباراتي والمجهزة بوسائل تنصت متشابهة، فيما كانت المعلومات المستخرجة من أحاديث الأسرى ترسل إلى بليتشلي بارك.
وقال ألبانو إن فكرة إيواء جنرالات نازيين في أجواء مريحة لاستدراجهم إلى كشف أسرارهم كانت "استراتيجية خبيثة وبالغة الذكاء".
وكان ترينت بارك معروفاً بديكوراته الداخلية العصرية في ثلاثينيات القرن الماضي، حين كان مملوكاً لسياسي ثري استضاف شخصيات من بينها تشارلي تشابلن وونستون تشرشل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأثناء الحرب، سلمته الحكومة لوحدة استخبارات عسكرية شديدة السرية، وقام المهندسون بتركيب ميكروفونات مخفية في جميع أرجائه، حتى في الحديقة.
وكانت الميكروفونات موصولة بأجهزة تنصت في الطابق السفلي، داخل غرف الخدم، حيث كانت المحادثات تراقب على مدار الساعة.
واحتجز في المنزل، الذي كان يعرف آنذاك باسم "المعسكر رقم 11"، ما مجموعه 84 جنرالاً و22 ضابطاً من رتب أدنى بين عامي 1942 و1945.
وكان للأسرى خدم شخصيون يلبون طلباتهم، كذلك كان يسمح لهم بالخروج في رحلات نهارية.
ومن بين المحتجزين الجنرال ديتريش فون شولتيتس، قائد الحامية الألمانية في "باريس الكبرى"، الذي نقل إلى ترينت بارك في أواخر أغسطس (آب) 1944 بعدما تحدى أوامر هتلر بتدمير المدينة ووقع وثيقة الاستسلام.
أسرار الصواريخ
لم يكن يدرك الأسرى أن أحاديثهم مسموعة، سواء داخل الغرف أو قرب النوافذ أو في الحديقة، ما دفعهم إلى كشف أسرار عديدة، بينها تفاصيل عن تطوير أول الصواريخ الباليستية، وهي صواريخ "في-2" (V-2).
وساعدت هذه المعلومات البريطانيين على قصف منشأة الأبحاث الخاصة بالصواريخ، ما أخر استخدامها حتى عام 1944، حين استهدفت لندن بها للمرة الأولى.
وبعد انتهاء الحرب، أزالت الحكومة البريطانية أجهزة التنصت، لكن بعض الأسلاك والتوصيلات بقيت في مكانها، وتعرض حالياً في المتحف الذي افتتح عقب عملية ترميم نفذتها شركة عقارية.
كذلك أفرجت الحكومة عن نصوص المحادثات المسجلة وأودعتها الأرشيف الوطني، لكن "بعض الأمور ما زالت سرية"، بحسب ألبانو.
ويمكن لزوار المتحف الاستماع إلى ممثلين يقرأون بعض تلك المحادثات داخل غرف تنصت أعيد تجسيدها.
وكشفت التسجيلات أن أحد الأسرى أشار إلى "موقع لاختبار الصواريخ" خلال حديث عن إمدادات النقانق المخصصة لكبار الضباط.
كذلك اعترف بعض الأسرى بارتكاب فظائع، إذ قال فون شولتيتس "أسوأ مهمة نفذتها كانت تصفية اليهود".
لكن بريطانيا لم تقدم هذه المعلومات إلى محاكمات جرائم الحرب، تجنباً لكشف الطريقة التي جمعت بها.
وقال آدم غانز، مؤلف المسرحية الإذاعية "الاستماع إلى الجنرالات" التي بثتها هيئة الإذاعة البريطانية، "ما حدث في ترينت بارك كان مهماً للغاية بلا شك، ومن الجيد تخليد ذكراه".
وكان والده الراحل بيتر من بين الذين جندوا للعمل ضمن فريق التنصت البريطاني، بعدما فر من ألمانيا حيث سبق أن احتجز في معسكر "بوخنفالد".
وأضاف غانز أن والده، الذي أصبح أستاذاً في جامعة أكسفورد، لم يتحدث علناً قط عن عمله خلال الحرب، لكنه قال "أظنه كان يرى الأمر مدعاة للفخر، وكان ملتزماً به".
وأشار إلى أن الحكومة البريطانية ائتمنت أفراد فريق التنصت حينها على بعض أكثر أسرارها حساسية، من دون أن يعرف أحد طبيعة الدور الذي كانوا يؤدونه. وأضاف "من المهم أن يعترف اليوم بقيمة ذلك الإسهام".