Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكاية جنود مغاربة حرروا أوروبا من خطر النازية

85 ألف مقاتل شاركوا في الحرب العالمية الثانية وعشرات منهم لا يزالون على قيد الحياة وفرنسا كرمتهم أخيراً بعد أعوام من التهميش

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يكرم جنودا مغاربة قدامى (مواقع التواصل)

ملخص

أسهم الرفيقان "العربي وعبدالله" معاً في المعركة المعروفة بـ"مونتي كاسينو" عام 1944، وأفلحا في كسر "خط غوستاف" الدفاعي الألماني الذي عجزت عنه جيوش أخرى، بفضل دراية الجنود المغاربة القادمين من جبال الأطلس بتضاريس المناطق الوعرة، وشاركا أيضاً في عمليات الإنزال في "بروفانس" جنوب فرنسا في العام ذاتها

لا يزال العربي جاوا، مُعمّراً في سن الـ101، وهو يعيش في دروب مدينة خنيفرة بجبال الأطلس المغربية، يتذكر بطولاته بمعية رفاقه الجنود المغاربة في معارك الحرب العالمية الثانية (1939/1945)، وكيف أسهم في تحرير الأراضي الفرنسية وقتها من النازية الألمانية.

جاوا الملقب بـ"با العربي" ليس الجندي الوحيد الذي شارك في الحرب العالمية الثانية في عز جبروت الزعيم الألماني أدولف هتلر، بل كان إلى جانبه آلاف الرفاق ضمن الجيش الفرنسي، بلغ عددهم زهاء 85 ألف جندي قضى معظمهم نحبهم، وبضع عشرات منهم فقط ينتظرون.

وبعد أعوام من المعاناة والتهميش الاجتماعي، التفتت أوروبا في الأعوام القليلة الأخيرة إلى بطولات هؤلاء الجنود المحاربين القدامى المغاربة، الذين يعرفون بـ"الكوم"، وهم مقاتلون أشداء جندتهم فرنسا زمن الاستعمار للمغرب، من أجل إسناد جيش "أفريقيا الفرنسي" بالحرب العالمية الثانية.

جاوا وجبار

إلى جانب العربي جاوا الذي وقف قبل عامين أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متوشحاً بوسام الاعتراف الرسمي للدولة الفرنسية بأمجاد هؤلاء المحاربين الأشاوس، كان يقف بشموخ أيضًا المغربي عبدالله جبار الذي يفوق رفيقه في العمر بسنتين، وقد ارتديا معاً بزتين عسكريتين مثقلتين بعبق التاريخ العسكري.

جاوا وجبار هما اثنان من قلة قليلة جداً من الجنود المغاربة القدامى الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية ضمن الجيش الفرنسي، ولا يزالون على قيد الحياة، إذ تفيد تقديرات شبه رسمية أنه إلى حدود مطلع عام 2026 يوجد زهاء 200 محارب فقط أحياء من بين نحو 85 ألف جندي أسهموا في تحرير دول أوروبا من خطر النازية.

 

وأسهم الرفيقان "العربي وعبدالله" معاً في معركة "مونتي كاسينو" المعروفة عام 1944، وأفلحا في كسر "خط غوستاف" الدفاعي الألماني الذي عجزت عنه جيوش أخرى، بفضل دراية الجنود المغاربة القادمين من جبال الأطلس بتضاريس المناطق الوعرة، وشاركا في عمليات الإنزال في "بروفانس" جنوب فرنسا في العام ذاتها

وحظي حفنة من هؤلاء الجنود القدامى الذين لا يزالون على قيد الحياة بتكريم فرنسي رسمي عالي المستوى خلال الشهر الجاري، بمناسبة إحياء الذكرى الـ81 للنصر في الحرب العالمية الثانية، وأقيم في هولندا، بمناسبة إحياء ذكرى "معركة كابيل"، حفل تكريمي للجنود المغاربة الذين قتلوا خلال معارك عام 1940 أمام القوات النازية.

حنكة قتالية

أفاد في هذا الصدد إبراهيم القادري بوتشيش، مؤرخ وأستاذ بجامعة مكناس، بأن مشاركة الجنود المغاربة في الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء تعد من أهم محطات تاريخ المغرب المعاصر.

واستطرد قائلاً "تكمن هذه الأهمية في أنه رغم وقوع المغرب آنذاك تحت الاحتلال الفرنسي، فقد أسهم بجنوده الذين عرفوا باسم (الكوم) إلى جانب الحلفاء، لتحرير أوروبا وفرنسا على الخصوص من الديكتاتوريات الفاشية الإيطالية، والنازية الألمانية".

وأردف بوتشيش بأنه "منذ إعلان فرنسا بداية مقاومتها للاحتلال النازي، عبّر السلطان المغربي محمد الخامس عن دعمه المطلق لفرنسا ضد الغزو الألماني النازي، داعياً المغاربة إلى الوقوف إلى جانب الديمقراطية والعدالة، وذلك عبر نداء تُلي بجميع مساجد المغرب يوم الجمعة الثالث من سبتمبر (أيلول) 1939".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتبعاً لهذا النداء، يكمل المؤرخ نفسه، التحق الجنود المغاربة الذين عرفوا بحنكتهم القتالية المكتسبة من المقاومة المسلحة ضد الاستعمار، بجبهات القتال في أوروبا لينضموا إلى قوات الحلفاء، بهدف تحرير الدول الأوروبية من الغزو الألماني، متحملين في ذلك جميع الصعاب التي واجهتهم في جبهات القتال، وبخاصة الظروف المناخية القاسية من برد وثلوج.

وتبعاً لبوتشيش، كانت الفرق العسكرية المغربية تتكون من الرماة والمدفعية والهندسة بالجبهات الحربية الأمامية في الأراضي الأوروبية مثل إيطاليا وفرنسا وبلجيكا وغيرها، وتمكنت فيالقهم العسكرية من المساهمة في تحرير إيطاليا من النظام الفاشي، وتحرير فرنسا والتوغل في عمق التراب الألماني وأسر 1500 جندي نازي.

معارك حاسمة

أسهم الجنود المغاربة خلال الحرب العالمية الثانية في عدد من المعارك الحاسمة دفاعاً عن فرنسا وتحريراً لأوروبا من الاحتلال الألماني، وبرزت شجاعتهم في معارك جومبلو ولاهورني عام 1940، حيث تمكنت القوات المغربية من صد هجمات الفرق المدرعة الألمانية ومنع اختراق الخطوط الفرنسية.

ولفت بوتشيش إلى أن القوات المغربية شاركت بفعالية في تحرير إيطاليا بين عامي 1943 و1944، إذ تقدمت الفرقة الثانية للمشاة المغربية بصورة متواصلة وسيطرت على عدة بلدات إيطالية، وفي فرنسا، كانت الوحدات المغربية ضمن أوائل القوات التي نزلت بسواحل بروفانس للمساهمة في تحرير البلاد، قبل أن تواصل مشاركتها في معارك النورماندي إلى جانب الجيش الأميركي بقيادة الجنرال جورج باتون، مسهمة في تطويق القوات الألمانية وتمهيد الطريق لتحرير باريس.

وإبان المعارك التي شارك فيها الجنود المغاربة والتي انتهت بتحرير فرنسا وأوروبا من الديكتاتوريات الأوروبية، بلغ عدد القتلى المغاربة نحو 15 ألف جندي، في حين بلغ عدد الجرحى نحو 26.400.

 

وأبرز بوتشيش أنه لهذه الأسباب اعترفت فرنسا بالقوة العسكرية المغربية وبسالة جنودها وتضحياتهم، وهو ما جعل رئيس الحكومة الموقتة للجمهورية الفرنسية الجنرال دوغول يوجه الدعوة إلى سلطان المغرب محمد الخامس في الـ18 من يونيو (حزيران) 1945 ليشكره على التضحيات الجسيمة التي قدمها الجنود المغاربة، ويوشحه بشرف لقب رفيق التحرير، اعترافاً بدور الجنود المغاربة الذين قدموا أرواحهم فداء لفرنسا ولدول الحلفاء، ومنذ ذلك الوقت بدأت تلك الدول تتعاطف مع المغرب من أجل نيل استقلاله".

بطولات بلا مجد

"تاريخ يمشي على الأرض"... هكذا وصف الباحث في تاريخ قبائل الأطلس أحمد أوبيري، تاريخ هؤلاء الجنود المقاتلين الذين قدموا حياتهم فداء للجيش الفرنسي لمواجهة خطر النازية في الأربعينيات من القرن الماضي، غير أنها "بطولات عسكرية بلا مجد اجتماعي"، وفق تعبيره.

يشرح المتحدث قوله إنه لا أحد يمكنه إنكار البطولات والملاحم العسكرية التي سطرها الجنود المغاربة على وجه الخصوص ضمن "الكوم" و"الرماة" في أتون الحرب العالمية الثانية، وذلك باعتراف أعلى المستويات السياسية في دول أوروبية مثل فرنسا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا.

واستدرك المتكلم نفسه بأن هذه البطولات لهؤلاء الجنود الذين ينحدر أكثرهم من قبائل جبال الأطلس المغربية، التي أسفرت عن إنقاذ فرنسا من الخطر النازي الداهم، وحررت أراضي فرنسية من قبضة هتلر، لم تتبلور على أرض الواقع في المعيش اليومي لهؤلاء المحاربين الشجعان.

وزاد الباحث ذاته بأن عديداً من هؤلاء الجنود القدامى، عندما كانوا على قيد الحياة، كابدوا معاناة اجتماعية ومادية كبيرة، إذ لم تكن تكفيهم معاشاتهم طيلة أعوام عديدة جراء تجميد هذه المعاشات من طرف الحكومة الفرنسية التي كانت ترسل إليهم مبالغ مالية هزيلة لا ترقى إلى ما قدموه من غال ونفيس في سبيل فرنسا نفسها، بينما تلقى الجنود الفرنسيون كل الدعم المالي من خلال تلقي معاشات شهرية مجزية.

هذا الظلم الذي عانى منه الجنود المغاربة القدامى الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية أفضى بهم إلى تجرع معاناة مادية واقتصادية واجتماعية مريرة بالنظر إلى ما كابدوه من مشاكل صحية، فضلاً عن عيشهم في مناطق جبلية وقروية نائية مهمشة أصلاً.

وأكمل الباحث ذاته، أن هذا الحيف الاجتماعي والنفسي والاقتصادي رُفع خلال الأعوام الأخيرة بعد صدور قرارات قضائية قضت بزيادة قيمة المعاشات بطريقة تليق بتضحيات هؤلاء الجنود، لكن كثيراً منهم لم يستفد مباشرة من هذه المعاشات بعد زيادتها بسبب وفاتهم.

ويهتم المغرب بهذه الشريحة من القدماء المحاربين من خلال الخدمات المقدمة إليهم في مجال الرعاية الصحية والنقل، عبر مؤسسات حكومية من قبيل مؤسسة الحسن الثاني للأعمال الاجتماعية للمحاربين القدامى، والمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير