ملخص
يقول الشاب بنبرة تمتزج فيها الراحة المادية بالمرارة النفسية العملاقة "في البداية، شعرت بأنني حققت نجاحاً باهراً؛ اشتريت سيارة حديثة بالأقساط، واستأجرت شقة واسعة، وأسافر لحضور مؤتمرات إقليمية. لكن الثمن الضمني كان باهظاً جداً، فمع مرور الوقت اكتشفت أن المؤسسة لم تشتر جهدي الوظيفي فحسب، بل وصمتي السياسي بالكامل".
في قاعة اجتماعات بإحدى الفنادق الفارهة في مدينة رام الله، المطلة على تلال تحيط بها المستوطنات من كل جانب، يجلس طارق (27 سنة) خلف حاسوبه المحمول، ويضع أمامه كوباً من القهوة الأميركية، بينما ينكب على كتابة التقرير النهائي لمشروعٍ تنموي ممول من إحدى الممثليات الأوروبية، مستخدماً مصطلحات إنجليزية دقيقة.
قبل أربع سنوات فقط، حصل طارق على شهادة الماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بتقدير ممتاز من جامعة "بير زيت"، وكانت طموحاته ترنو بشدة نحو العمل الأكاديمي والبحثي وممارسة التوعية الوطنية في المخيمات والقرى المهددة بالجدار والاستيطان، غير أن الواقع المالي والاقتصادي الخانق في الضفة الغربية وغزة سرعان ما صدم أحلامه المثالية. فوفق البيانات الرسمية الصادرة عن جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني، بلغت معدلات البطالة بين حملة الشهادات الجامعية (الدبلوم المتوسط فأعلى) أكثر من 41 في المئة في الضفة الغربية، وتجاوزت حاجز 80 في المئة في قطاع غزة، مما أوجد جيشاً جراراً من الخريجين العاطلين من العمل، الذين يواجهون أفقاً مسدوداً وسوق عمل محلياً عاجزاً عن استيعابهم.
في ظل هذه المعطيات، وجد طارق نفسه أمام طريقين لا ثالث لهما: إما القبول بوظيفة في القطاع الخاص براتب لا يتجاوز 2500 شيكل (نحو 680 دولاراً)، أو الانضمام إلى إحدى مؤسسات المجتمع المدني غير الحكومية (NGOs) المُموّلة غربياً براتب يبدأ من 1800 دولار ويصل مع الترقية إلى أكثر من 3500 دولار. وما إن اختار الطريق الثاني انقلبت حياته المعيشية رأساً على عقب في غضون ثلاث سنوات. يقول الشاب بنبرة تمتزج فيها الراحة المادية بالمرارة النفسية العملاقة "في البداية، شعرت بأنني حققت نجاحاً باهراً؛ اشتريت سيارة حديثة بالأقساط، واستأجرت شقة واسعة، وأسافر لحضور مؤتمرات إقليمية. لكن الثمن الضمني كان باهظاً جداً، فمع مرور الوقت اكتشفت أن المؤسسة لم تشتر جهدي الوظيفي فحسب، بل وصمتي السياسي بالكامل".
ويضيف "يمنعني عقد العمل وسياسة وسائل التواصل من نشر أي رأيٍ في الشأن الوطني، أو المشاركة في أية مسيرةٍ شعبية، أو كتابة منشور ينتقد التمويل الأوروبي أو السياسات الأمنية. صرتُ أتحرك داخل (بدلة تكنوقراط) محبوكة بعناية فائقة، محايدة، ومُعقمة سياسياً، وأعيش انفصاماً كاملاً بين ما يؤمن به قلبي كفلسطيني، وبين ما يتطلبه رغيف عيشي اليومي كموظفٍ إداري يلتزم بشروط المانحين."
قصة طارق ليست فردية أو استثناءً نادراً، بل هي المجاز الأكثر دقة لوضع طبقة واسعة من الشباب والنخب الفلسطينية المتعلمة. فخلال العقود الثلاثة الماضية جرى استخدام شبكات التمويل الأجنبي جنباً إلى جنب مع ضغوط الفقر والبطالة الخانقة لـ"هندسة الوعي الجمعي" وتفريغ الفعل السياسي من مضمونه.
دولة الـ NGOs
عقب توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993 وتأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، شهد القطاع الأهلي الفلسطيني تحولاً بنيوياً. فقبل ذلك، وتحديداً في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كانت المنظمات الأهلية واللجان الشعبية، مثل الإغاثة الزراعية PARC التي تأسست عام 1983، واتحاد لجان الإغاثة الطبية PMRS الذي تأسس عام 1979، واللجان العمالية والنسائية، تعمل ضمن أطر تطوعية وجماهيرية تابعة للحركات السياسية بهدف "تعزيز الصمود الشعبي الذاتي" وتقديم الخدمات كجزء من المواجهة المباشرة مع السلطة الإسرائيلية، وبتمويلٍ أمين قائم على التبرعات الشعبية والدعم العربي والإسناد الذاتي، لكن مع دخول مرحلة "التنمية الدولية" انقلبت المعادلة كلياً. وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن البنك الدولي وتوثيقات شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية (PNGO) فقد ضخ المجتمع الدولي منذ عام 1993 حتى عشرينيات القرن الحالي ما يتجاوز 45 مليار دولار كـ "مساعدات دولية ورسمية" للأراضي الفلسطينية، توزعت بين دعم موازنة السلطة الفلسطينية، ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، ومؤسسات القطاع الأهلي.
ويستحوذ قطاع المنظمات غير الحكومية (المسجل منه رسمياً يتجاوز 3600 مؤسسة وجمعية في الضفة وغزة) على مبالغ تتراوح بين 1.2 إلى 1.6 مليار دولار سنوياً في أوقات الذروة التنموية والإغاثية. وتسيطر الدول الغربية عبر وكالة التنمية الأميركية USAID، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي كـ GIZ الألمانية، وSIDA السويدية، وNORAD النقدية النرويجية، والدول الإسكندنافية على أكثر من 85 في المئة من إجمالي هذه الأموال الممنوحة.
بورجوازية التكنوقراط
وتكشف الأبحاث النقدية المستقلة، وعلى رأسها دراسات الباحثين علاء الترتير وجيريمي وايلدمان حول كفاءة المساعدات الدولية، عن حقيقة أن نحو 70 إلى 80 في المئة من أموال المساعدات الدولية المخصصة للفلسطينيين لا تصل إلى الاقتصاد المحلي أو للمواطن المستهدف كبنية تحتية سيادية، بل تعود إلى الدول المانحة نفسها أو تذهب في صورة "تسرب مالي تشغيلي" (Aid Leakage)، وبحسب دراسة أصدرتها شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية عام 2023 تُنفق هذه المبالغ الضخمة على الرواتب المرتفعة للاستشاريين والخبراء الأجانب والمحليين، وتغطية نفقات السفر، وتنظيم ورش العمل في فنادق مكيفة، وتغطية نفقات التدقيق والمتابعة الإدارية.
أدى هذا النموذج المالي إلى نشوء طبقة اجتماعية جديدة داخل المجتمع الفلسطيني تُقدر بنحو 40 ألف موظف وخبير يعملون في مؤسسات دولية وأهلية. وتتميز هذه الطبقة بمستويات أجور تزيد بمقدار أربعة إلى ثمانية أضعاف عن متوسط الأجور في القطاع الحكومي أو المحلي. وقد خلقت هذه الفجوة الاقتصادية الحادة حالاً من "الارتهان المعيشي"؛ حيث أصبح بقاء واستقرار هذه النخبة المتعلمة مرهوناً بشكل كامل باستمرار التمويل الأجنبي والحفاظ على رضا المانحين الغربيين.
السلام الاقتصادي
وتعتبر الحقبة الممتدة بين عامي 2007 و2013، والتي تولى فيها سلام فياض (الخبير السابق في صندوق النقد الدولي) رئاسة الحكومة الفلسطينية، المفصل التاريخي الأكثر وضوحاً في تكريس نموذج "التكنوقراطية والحياد المؤسسي". ففي عام 2009 أطلقت حكومة فياض وثيقتها الرسمية الشهيرة تحت عنوان "إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة: خطة الحكومة الفلسطينية لعامين". وقامت الفلسفة السياسية لهذه الخطة على أطروحة تكنوقراطية بامتياز مفادها أن إثبات الجدارة الإدارية والمالية، وإصلاح المؤسسات الرسمية والأهلية وفق أعلى المعايير الغربية في الحوكمة والشفافية، هو الطريق الوحيد الذي سيجبر المجتمع الدولي على الضغط على إسرائيل لإقامة الدولة الفلسطينية. شهدت تلك المرحلة طفرة هائلة في الاعتماد على التكنوقراط، وشُجعت البنوك على تقديم التسهيلات المصرفية والقروض لشراء الأراضي والسيارات والبيوت الشديدة الرفاهية للشبان والموظفين، غير أن هذا النموذج سرعان ما اصطدم بالحقيقة الصلبة على الأرض.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فبينما كانت المؤسسات الأهلية والحكومية تُصدر تقارير مبهرة عن الشفافية والحوكمة، كانت السلطات الإسرائيلية تواصل توسيع المستوطنات في مناطق (ج) في الضفة الغربية، وتصادر الأراضي، وتبني الجدار العازل، وتسيطر على الموارد المائية. ووفقاً لمراقبين فقد أثبتت التجربة أن تقارير المحاسبة والسياسات المليئة بالمصطلحات الغربية لم تمنع جرافة إسرائيلية واحدة من هدم بيت أو مصادرة أرض.
وبحسب الكاتب والمحلل السياسي سامر العلي، فإن الخطورة الكبرى لخيار "التكنوقراطية المفرطة" تجلت في إيهام المجتمع الفلسطيني بأن بناء الدولة يتم عبر استيفاء المعايير الإدارية، وتطوير الأجهزة البنكية، وتعبيد الطرق الزراعية بتمويل من الأمم المتحدة و"UNDP"، مضيفاً "لقد اختزلت هذه الفلسفة القضية الفلسطينية من قضية تحرر وصراع سيادي على الأرض إلى مجرد مشروع إدارة معيشة وتطوير خدمات. ونتيجة لذلك أغرقت المؤسسات الأهلية الشباب في دورات عن إدارة الأزمات والتمكين الاجتماعي، في حين كانت إسرائيل تفرغ الأرض من أصحابها".
التمويل المشروط
لم تكتفِ الجهات المانحة والسلطات الإسرائيلية بتحديد أطر العمل الأهلي عبر الرواتب والهياكل الوظيفية، بل انتقل الطرفان إلى استخدام أدوات الصدمة والضغط المباشر كلما حاولت إحدى المؤسسات تجاوز "السقف المسموح". وفي نهاية عام 2019 أقدم الاتحاد الأوروبي على خطوة غير مسبوقة بتحديث عقود تمويله للمؤسسات الفلسطينية عبر إضافة البند (1.5) ضمن شروط الامتثال القانوني، والذي ينص على إلزام أية مؤسسةٍ فلسطينية متقدمة للحصول على منحة مالية بإجراء مسح أمني وتحريات للتأكد من أن الأموال والمساعدات لن تصل بطريق مباشر أو غير مباشر إلى أي أفراد أو جهات تُدرج على قائمة "الإجراءات التقييدية للاتحاد الأوروبي"، والتي تضم غالبية الفصائل والأحزاب السياسية الفلسطينية.
أحدث هذا الشرط زلزالاً في قطاع الـ NGOs الفلسطيني، وتشكلت "الحملة الوطنية لرفض التمويل المشروط" بمشاركة عشرات الجمعيات الأهلية والشبابية، التي اعتبرت أن هذا الشرط يمثل تجريماً للنضال الوطني الفلسطيني وتعريفه كـ"إرهاب" وفق الرؤية الغربية. لكن، في المقابل، وافقت مؤسسات أخرى على التوقيع تحت مسميات ملتوية، واضطرت مؤسسات ثالثة للانسحاب والتضحية بموازناتها مما أدى إلى انهيار بعضها وإغلاق مقراتها بعد تجفيف منابع تمويلها.
وقد أثبتت الوقائع أن المنظومة الإسرائيلية لا تترك أية مؤسسة تعمل في الميدان من دون استهداف، حتى لو كانت حقوقية موثقة تُعنى بالقانون الدولي. ففي صبيحة يوم الـ18 من أغسطس (آب) 2022، اقتحمت قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي مدينة رام الله، وقامت بكسر أبواب مقرات ست من أبرز المؤسسات الأهلية والحقوقية الفلسطينية، وصادرت محتوياتها وملفاتها وأغلقت أبوابها بالصفائح الحديدية، معلقةً عليها قرارات عسكرية صادرة عن وزير الدفاع الإسرائيلي تصنفها كـ "منظمات إرهابية خطرة".
شملت هذه الإجراءات مؤسسة "الحق" التي تأسست عام 1979 وتعتبر أقدم مؤسسة حقوقية في الشرق الأوسط، ومؤسسة "الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان" التي تأسست عام 1992، ومركز "بيسان للبحوث والتنمية"، و"اتحاد لجان العمل الزراعي" الذي يعد المؤسسة الأبرز في دعم صمود المزارعين في مناطق (ج)، و"الحركة الدولية للدفاع عن الأطفال - فرع فلسطين"، و"اتحاد لجان المرأة الفلسطينية".
وفي شهادة أدلت بها باحثة ومستشارة حقوقية سابقة في إحدى المؤسسات الست المغلَقة رزان زعيتر، وتشرح الخلفية الحقيقية لقرار الإغلاق، قالت إن "إسرائيل لم تغلق مؤسساتنا لأننا استخدمنا السلاح، بل لأننا مارسنا عملنا الميداني بكفاءة تسببت لها بإزعاج استراتيجي، بعد أن تحول التوثيق المكتبي البارد إلى أدلة دامغة على جرائم الاستيطان والأسرى وصلت للمحكمة الجنائية الدولية"، مضيفة "عندما نزل اتحاد العمل الزراعي إلى أراضي مناطق (ج) ليزرعها ويشق الطرق لدعم المزارعين في مواجهة المستوطنين أدركت إسرائيل أننا تجاوزنا حدود (التكنوقراط المحايد) المسموح به".
رقابة مزدوجة
وفقاً لمحللين، فإن تراجع المشاركة السياسية والميدانية للشباب الفلسطيني العامل في قطاع الـ NGOs والقطاعات التكنوقراطية ليس مجرد رغبة ذاتية في الراحة أو انغماس في ملذات الرواتب العالية، بل هو نتيجة مباشرة لـ "نظام رقابة وضبط مزدوج" يُحيط بالشاب من كل جانب، كيف لا وغالبية المؤسسات الأهلية والمنظمات الدولية تفرض على موظفيها التوقيع على ما يُعرف بـ "مدونة السلوك الرقمي" عند استلام الوظيفة، والتي يحظر بموجبها على الموظف كتابة منشورات ذات طابع سياسي على منصات التواصل الاجتماعي، كما يُمنع الموظف من إبداء الإعجاب (Like) أو إعادة المشاركة (Share) لبياناتٍ صادرة عن تنظيمات فلسطينية، أو حضور مسيراتٍ احتجاجية شعبية في الميادين.
وتُبرر المؤسسات هذا الإجراء بضرورة الحفاظ على "الحياد المؤسسي" و"حماية التمويل الأجنبي من التجميد"، وقد تعرض عشرات الموظفين للفصل أو الحرمان من تجديد عقودهم فور اكتشاف أي نشاط سياسي لهم. وتتكامل الرقابة المؤسسية مع نظام مسح رقمي وأمني عالي التعقيد تفرضه السلطات الإسرائيلية، إذ تستخدم أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تقنيات تحليل البيانات الضخمة ونظم خوارزميات الذكاء الاصطناعي، عبر التقاط الصور والمنشورات والشعارات الرقمية ومطابقتها مع بطاقات الهوية.
ويترتب على المشاركة في مسيرةٍ شعبية واحدة أو كتابة منشور سياسي حرمان الشاب وعائلته من تصاريح العمل أو منعه من السفر، وصولاً إلى الاعتقال الإداري بتهمة "التحريض". وقد أنتجت هذه البيئة المركبة ما يُعرف بـ"الرقابة الذاتية القسرية" التي تعلم الموظف الشاب في قطاع الـ NGOs تدريجاً كيف يقمع صوته، ويكتم غضبه، ويتجنب أي فعلٍ ميداني، ليس لأنه اقتنع بشرعية إسرائيل أو تقبل الواقع، بل لأن كلفة الموقف أصبحت تعني خسارة الوظيفة، والعجز عن سداد ديون الشقة والسيارة، فضلاً عن الملاحقة الأمنية.
أسطورة التنمية
بعد أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 والحرب الشاملة التي تلتها في قطاع غزة والضفة الغربية، تلاشى كلياً ما تبقى من شعارات "التنمية المستدامة" و"الأنسنة التكنوقراطية". ففي الأسابيع الأولى للحرب أعلنت دول كبرى ومؤسسات تنموية (من بينها ألمانيا، النمسا، والسويد) تجميداً فورياً ومراجعات استثنائية لكافة برامجها ومساعداتها الموجهة للأراضي الفلسطينية. وأُخضعت مئات المؤسسات الأهلية المحلية لعمليات تدقيقٍ وإلغاء عقود بتهم "عدم الالتزام بالشروط السياسية الجديدة" التي فرضتها الدول المانحة، وتوقفت كافة البرامج التنموية التي أُنفق عليها مئات الملايين من الدولارات طوال 20 عاماً مثل مشاريع "التمكين السياسي" و"المواطنة الإيجابية" و"الحوار الديمقراطي"، وتحولت جميع المؤسسات الأهلية بين ليلة وضحاها إلى مجرد أجهزة طوارئ بدائية لتوزيع الخيام وأطنان الطحين والمساعدات الطبيعية.
كشفت هذه الصدمة أن عقوداً من "مشاريع التنمية" لم تنجح في بناء اقتصاد مستقل واحد قادر على الصمود في وجه أية مواجهة سياسية. كيف لا والمظلة الأممية، وعلى رأسها وكالة الأونروا (التي تقدم خدماتها لأكثر من 5.9 مليون لاجئ فلسطيني) عجزت عن حماية مقراتها ومدارسها التي رُفع عليها العلم الأزرق للأمم المتحدة، بل وتعرضت الوكالة نفسها لحملات شيطنة وتجفيف مالي وتضييق عسكري وإداري، مما أثبت أن المنظمات التكنوقراطية المحايدة لا تملك أية قدرة على توفير الحماية للفلسطينيين.
وتثبت الأرقام والشهادات والمسار التاريخي للسنوات الـ30 الماضية في فلسطين، أن "التكنوقراطية المحايدة" واستبدال الفعل السياسي بـ "مشاريع الـ NGOs المُموّلة أجنبياً" تمكنت من سحب آلاف الكوادر والعقول الشابة المؤهلة من الميدان السياسي، وأغرقتهم في لغة التقارير الورقية والمصطلحات التنموية الغربية، وحاصرتهم بدوامة الديون والرواتب المرتفعة والرقابة المشددة. ووفقاً لكثيرين يعملون في هذا المضمار، فإن الشباب الفلسطيني الذي اضطرته البطالة الخانقة للعمل في هذه المؤسسات ليس مجرداً من انتمائه الوطني في جوهره، ولكنه يُعاني من تكبيل هيكلي محكم يُصادر إرادته وقدرته على التعبير الحر، خصوصاً بعد أن تبين سقوط أسطورة "السلام الاقتصادي" وتهاوت شعارات "التنمية الغربية" عقب الأحداث الأخيرة.