ملخص
موت الأب في "المستعمرة" له نسخة رسمية واحدة، ونسخ همس عدة، ولا أحد في الفيلم يملك الرواية الكاملة.
صوت الماكينة يسبق كل شيء في "المستعمرة"، يسبق الصورة، يسبق حسام ومارو، يسبق حتى موت الأب. صرير معدني متكرّر، أقرب إلى أنين قديم لا يهدأ، يتسلل إلى الأذن قبل أن تتضح ملامح المصنع على الشاشة.
بدل المشهد الافتتاحي التقليدي الذي يشرح ويعرّف، يختار المخرج المصري محمد رشاد ذاكرة صوتية تعود من جديد في المشهد الأخير، بسياق مختلف، لكن بوقع السؤال المعلق نفسه، في العمل الذي عرض ضمن مهرجان عمّان السينمائي الدولي – أوّل فيلم في دورته السابعة.
قبل أن نرى وجه مارو كاملاً، نسمع صوته وهو يهدد أمه وأخاه، يريد ترك المدرسة والنزول إلى العمل، وإلا جرح يده بنفسه. تنهار الأم، المريضة بورم مزمن في ساقيها، ويحسم مارو أمره.
في المشهد التالي مباشرة، ننتقل إلى حسام وهو يخرج سكين قرن الغزال من جنبه ويضعها في الخزانة، إشارة مقتضبة إلى رغبته في ترك طريق كان يسير فيه. هكذا يبني الفيلم قوسه منذ الدقائق الأولى، من دون خطبة تمهيدية، ومن دون أن يخبرنا بشيء مباشرة.
بعد وفاة سيد ديب في حادثة داخل المصنع الذي قضى فيه أعوام عمره، تعرض إدارة المكان على نجليه، حسام (23 سنة) ومارو (12 سنة)، وظيفتين بديلتين عن أبيهما، تسوية غير معلنة مقابل التنازل عن أي ملاحقة قانونية.
يقبل الأخوان، مضطرين أكثر منهما مقتنعين، فتبدأ رحلتهما داخل عالم عمالي مهمّش في الإسكندرية، حيث كان يُفترض أن ينشغلا عن الفقد، لكنهما بدلاً من ذلك يبدأان بتفكيك الرواية الرسمية عن الحادثة، خاصة وهما مضطران للعمل قريباً ممن يُشتبه في تسببه بموت والدهما.
إرث لا يُورَّث إلا معلّقاً
لا يمنح رشاد المُشاهد إجابة واحدة مريحة عن سبب موت الأب. كل شخصية في الفيلم تملك نسختها الخاصة من الحكاية، والعم مصطفى يكرّر أن الرجل كان يعاني مرض القلب منذ عام أو أكثر، وأن الحادثة لا تعدو كونها قدراً، بينما يهمس عمال آخرون بنسخة مختلفة كل مرة يقترب فيها حسام منهم بسؤاله.
لا يشتغل الفيلم على الحادثة نفسها بقدر ما يشتغل على هذا التضارب: الطريقة التي تتحول بها حقيقة غائبة إلى مساحة يملأها كل طرف بمصلحته أو بخوفه.
يظهر الأب حاضراً في غيابه من اللحظة الأولى إلى الأخيرة، عبر أغراض صغيرة تحمل وزناً أكبر من حجمها، الكاب الذي يجده الأخوان في خزانة المصنع فيضيّقها حسام ليوائم رأس مارو، والسكين التي تنتقل من جنب حسام إلى قبضة مارو في نهاية الفيلم. الميراث الحقيقي بين الرجال في هذه العائلة هذه الأشياء الصغيرة تحديداً، لا المال ولا العمل، أشياء تحمل سؤالاً لا يُغلق.
جسد واحد بعمرين
كلما تقدم الفيلم، بدا حسام ومارو أقرب إلى نصفي شخصية واحدة منهما إلى أخوين منفصلين. يرتدي مارو تيشيرت حسام من دون استئذان، يراقب حركاته، يقلّده، ينتشي حين يصطحبه أخوه الأكبر في مهماته الغامضة، وكأنه يريد أن يسبق عمره ليصل إلى مكان حسام بالضبط.
وفي أحد أكثر المشاهد دلالة، حين يُسأل حسام عن نيته بعد الهرب، لا تلتقط الكاميرا رد فعله، بل تنتقل إلى مارو نائماً على الرمل من الإرهاق، وكأن السؤال موجه له هو، أو كأن حسام في تلك اللحظة تحديداً هو مارو ذاته.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تكشف العلاقة مع الأم الجانب الآخر من هذا الالتحام. مارو هو من يدهن ساق أمه المريضة كل يوم، بينما حسام يظل بعيداً عاطفياً حتى مشهد متأخر يجلس فيه أخيراً عند قدميها. يتقاسم الأخوان الرغبة في الثأر لأبيهما، ويتقاسمان معها هذا العبء العائلي الذي لم يخترعاه، بل ورثاه كما ورثا السكين والكاب.
الجبل والمصنع
يحمل اسم "المستعمرة" وزناً مضاعفاً في الفيلم. هي التسمية المتداولة للمنطقة الواقعة بين القاهرة والإسكندرية حيث يقوم المصنع القديم، وهي أيضاً إشارة إلى تاريخ المكان الذي تأسس في ظل الاحتلال الإنجليزي لمصر.
لكن رشاد يترك هذا البعد التاريخي صدى خافتاً فقط، وراء صورة مصنع يبدو أقرب إلى الأطلال منه إلى بيئة عمل نشطة، مكان لا ينتج فعلياً سوى الأسئلة والصمت والخوف من الكلام.
في مقابل المصنع، يقف الجبل، الملاذ الذي يهرب إليه من صدر بحقه حكم أو من يخشى القتل، مكان لا تغطيه شبكة الهاتف ولا تجرؤ الشرطة على اقتحامه. حين يهرب حسام إليه بعد ضربته القاتلة للمهندس إيهاب، ويقرر مارو اللحاق به، يمنحهما الجبل حماية موقتة، لكنه في المقابل يقطعهما عن أي أفق آخر، بما في ذلك مكالمات عبير، الفتاة التي كانت قد كسرت رتابة حياة حسام قبل أن يبتلعه المكان المعزول كلياً.
مصنع وبيت وجبل وطريق، أربعة فضاءات بلا تفاصيل جغرافية واضحة، وكأن التجريد هنا مقصود، فالشخصيات لا تحتاج إلى تحديد المكان لأنها متورطة فيه بالفعل، لا تراقبه من الخارج.
بنى محمد رشاد، وهو مهندس مدني تحول إلى الإخراج بعد دراسته في مدرسة الإسكندرية الثقافية السينمائية اليسوعية، هذا العالم بأدوات مقتصدة، ممثلون معظمهم يقف للمرة الأولى أمام الكاميرا، إضاءة طبيعية لا تجمّل الصورة، وحوار مقتضب يشبه أناساً أنهكهم حمل أسرارهم لدرجة أنهم لم يعودوا يملكون طاقة لقول أكثر مما يلزم.
"المستعمرة"، هو أول عمل روائي طويل لرشاد بعد تجربته الوثائقية "النسور الصغيرة" (2016) الذي حاز جوائز في مهرجاني مالمو والأقصر، ويستند في جذوره إلى حكاية سمعها من والده ومن عمال آخرين عاشوا تفاصيل مشابهة، حين تتحول حياة رجل فقير إلى ثمن يمكن التفاوض عليه.
ما يبقى من "المستعمرة" بعد 94 دقيقة ليس حل اللغز، فاللغز يبقى مفتوحاً عمداً حتى المشهد الأخير، حين نرى مارو محدقاً في الفراغ وهو ممسك بمطواة أبيه.
ما يبقى هو هذا الإحساس: العائلة الفقيرة في مصر، حين يُبتلع عائلها في مصنع بلا شروط سلامة، لا تحصل على عدالة ولا حتى على إجابة. تحصل فقط على وظيفة أخرى تشبه سابقتها، وعلى جيل جديد يكبر وهو يحمل السؤال نفسه، غير قادر على وضعه جانباً ولا على إغلاقه.