ملخص
... وعن استفادة الشباب الأردني من هذه الفعالية، تقول مديرة المهرجان "المثال الأوضح أمامنا، طلبة السينما الذين كانوا قبل أعوام يحضرون العروض والندوات كجمهور، يشاركون بأفلامهم في المهرجان".
تفتتح مساء الأحد المقبل الدورة السابعة من مهرجان عمّان السينمائي - أول فيلم، بعرض الفيلم التونسي "صوفيا" الذي كتبه وأخرجه ومثّل بطولته الفنان ظافر العابدين، في مستهل احتفالية سينمائية تمتد حتى الثالث من أغسطس (آب) المقبل.
ويحمل المهرجان هذا العام شعار "ما وراء الإطار"، وهو أقرب إلى موقف منه إلى عنوان، فالشعار يقترح أن الصورة السينمائية ليست غاية في ذاتها، بل هي مدخل إلى ما تخفيه خلفها من أسئلة لم تُحسم، لا على الشاشة ولا خارجها.
وهو اختيار ينسجم مع طبيعة الأفلام التي تقدمها الفعالية، أعمال لا تكتفي بتوثيق ما جرى، بل تحاول أن تفهم لماذا جرى، وماذا يعني أن يعيشه الناس اليوم، بعيداً من أية رغبة في تقديم إجابات جاهزة أو خلاصات مطمئنة.
بهذا المعنى، لا يبدو الشعار زخرفة تسويقية مرافقة، بل مفتاحاً لقراءة البرنامج بأكمله، ما يعنيه المهرجان هذا العام ليس فقط ما تراه العين على الشاشة، إنما ما يبقى معلقاً في وعي من شاهد، بعد أن تنطفئ الأضواء ويغادر الصالة.
وقبل الدخول في تفاصيل هذه الدورة، يستحق تطور السينما الأردنية خلال السنوات الأخيرة وقفة قائمة بذاتها. فمنذ انطلاقته عام 2020، لم يكُن مهرجان عمّان وحده وراء هذا التطور، لكنه رافقه خطوة بخطوة حتى باتت السينما الأردنية اليوم حاضرة بقوة يصعب تجاهلها، 15 فيلماً أردنياً تشارك في هذه الدورة وحدها، طويلة وقصيرة، روائية ووثائقية.
وتتنوع المواضيع التي تعالجها هذه الأعمال بين الهوية والانتماء والذاكرة والبحث عن الاستقرار، وصولاً إلى قضايا الحرب والتحولات الاجتماعية التي يعيشها الأردن والمنطقة العربية، في مقاربات لا تكتفي بتوثيق الواقع، بل تحاول فهمه وإعادة صياغته بصرياً.
خطى صغيرة ولكن ثابتة
وبعد كل هذه الدورات والعروض، كيف ينعكس المهرجان على وعي الجمهور الأردني سينمائياً؟ تقول مديرة المهرجان والشريكة المؤسسة ندى دوماني "خلال سبعة أعوام، التغيّر ملموس وواضح. أول مؤشر أن المهرجان نفسه نما، بطريقة ’عضوية‘ إذا جاز التعبير أي بخطى صغيرة ولكن ثابتة. واليوم أصبح محطة سنوية ينتظرها الجمهور الأردني، وغدا جزءاً من نسيج المشهد الثقافي المحلي عدا عن أنه ثبّت مكانته في المنطقة".
وتوضح أن هذا النمو جاء بالتوازي مع تطور السينما الأردنية ونموها، ففي هذه الدورة ثمة 15 فيلماً أردنياً في مختلف الأقسام من أفلام طويلة وقصيرة وروائية ووثائقية.
وتعتقد دوماني بأن "أي مهرجان سينمائي يسهم في تنمية الذوق السينمائي وصقله، إذ يقدم أفلاماً لا تُعرض عادة في صالات السينما التجارية في الأردن. وأفلام المهرجان ليست بالضرورة نخبوية، كما يعتقد بعضهم، لكنها جادة ومميزة سينمائياً، من ناحية المحتوى. واللافت أن المهرجان الذي يختص بالأعمال الأولى يجد في كل دورة كماً واسعاً من التجارب التي تستحق المشاهدة والتنافس. بالنسبة لي، أهم ميزة في هذه الأفلام أنها تفتح آفاقاً جديدة لا بل عوالم جديدة".
وعن استفادة الشباب الأردني من هذه الفعالية، تقول مديرة المهرجان "المثال الأوضح أمامنا، طلبة السينما الذين كانوا قبل أعوام يحضرون العروض والندوات كجمهور، يشاركون بأفلامهم في المهرجان. هذه الدورة الكاملة هي بالضبط ما يطمح إليه أي مهرجان يراهن على جمهوره المحلي والأجيال الجديدة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وترى أن "للندوات دوراً أساساً في هذا التحول، أن تشاهد فيلماً ومن ثم تجلس بعد دقائق أمام مخرجه أو ممثليه، تسأله وتناقشه وتختلف معه، هذه تجربة مثمرة، أو أن تحضر ندوة لأحد المخرجين الذين استضافهم المهرجان خلال الأعوام الماضية (أصغر فرهادي وجيم شيريدان ويسري نصرالله ورشيد مشهراوي وغيرهم)، فهذا لا شك مصدر إلهام وثراء فكري. ونحن في مهرجان عمّان مصرون على هويته، فسحة للقاء العفوي المهني في أجواء حميمية من غير بهرجة وبعيداً من الطبقية".
ويبقى الأهم ربما أن المهرجان بات ملكاً للجمهور الأردني ومحبي السينما والشباب المهتم بصناعة الأفلام. وتقول دوماني "نلمس عند الجمهور اليوم فخراً حقيقياً بأن في بلدهم مهرجاناً بهذا المستوى، ورغبة في أن يكونوا جزءاً منه بأية طريقة، من يعمل في التنظيم ومن يروّج له على وسائل التواصل، وحتى من يكتفي بشراء تذكرة وحضور عرض أو جلسة حوارية".
وعن احتفاء المهرجان بالسينما التونسية هذه الدورة من خلال برنامج "إضاءة على السينما التونسية"، توضح دوماني أن السينما التونسية "طوّرت لغة سينمائية خاصة بها تتسم بالجرأة والتجديد والعمق، وأسهمت في تشكيل السردية العربية المعاصرة، كما رسخت مكانتها كواحدة من أكثر التجارب السينمائية العربية تأثيراً في المحافل الدولية. وكانت حاضرة باستمرار في المهرجان من خلال الأفلام والمشاريع وصنّاع الأفلام وأعضاء لجان التحكيم وأسهمت في تشكيل بعض من أبرز محطات المهرجان وذكرياته".
أرقام هذه الدورة
يشارك في الدورة السابعة 82 فيلماً من 27 دولة، اختيرت من بين ما يقارب 900 عمل تقدم للمهرجان هذا العام. من بين هذه الأفلام 10 عروض أولى عالمية، وعرضان دوليان أوليان، وخمسة عروض أولى عربية، مما يمنح الدورة الحالية ثقلاً يتجاوز حدود المنطقة. ويوزع البرنامج هذه الأعمال بين الروائي الطويل العربي والوثائقي الطويل العربي والروائي القصير العربي، إضافة إلى الروائي الطويل غير العربي، في مسابقة وخارجها.
وتتنافس على "جائزة السوسنة السوداء"، الجائزة الكبرى للمهرجان، الأفلام في أربع فئات تحمل معها جوائز نقدية، فيما يمنح المهرجان أيضاً جائزة لأفضل فيلم قصير أردني، فضلاً عن جائزة الجمهور التي تُمنح عن كل فئة تنافسية عبر تصويت الحضور مباشرة.
وتتوزع مهمة التحكيم على ثلاث لجان، ففي مسابقة أفضل فيلم عربي روائي طويل، تجلس إلى طاولة التحكيم المخرجة اللبنانية جوانا حاجي توما والممثل والناشط المصري- البريطاني خالد عبدالله والملحن والموزع الموسيقي الأردني طارق الناصر والنجمة التونسية هند صبري.
وفي مسابقة أفضل فيلم عربي وثائقي طويل، تتألف اللجنة من المخرجة الأردنية داليا الكوري والمونتيرة الوثائقية الفلسطينية المقيمة في نيويورك رباب حاج يحيى والمخرج السويسري كريستيان فراي. أما مسابقة أفضل فيلم عربي قصير، فيتولى التحكيم فيها الكاتب والمخرج العراقي أحمد ياسين الدراجي والمخرجة والمنتجة والكاتبة الأردنية تيما الشوملي والممثل الأردني مجد عيد.
ويلفت رئيس برمجة الأفلام الوثائقية الطويلة العربية والأفلام غير العربية مراد أبو عيشة إلى أن مسابقتي الروائي غير العربي والوثائقي العربي تلتقيان هذا العام عند هاجس واحد، ويقول "الروابط التي تُشكّل وجودنا، سواء تجسدت في العائلة، أو الحب، أو الصداقة، أو الذاكرة المشتركة. تنتمي الأفلام المختارة إلى جغرافيات متباعدة وأجيال مختلفة وحساسيات سينمائية متنوعة، غير أنها تلتقي عند سؤال واحد، ’كيف تتشكل الحياة الفردية تحت وطأة القوى الاجتماعية والسياسية الكبرى، من دون أن تنفصل عن جذورها الإنسانية العميقة؟‘ معاً، ترسم هذه الأعمال صورة نابضة بالحياة عن الصمود والانتماء والسعي الدائم إلى التواصل في عالم لا يكفّ عن التحول".
خارج المسابقة و"صُنع في الأردن"
إضافة إلى المسابقات الرسمية، يخصص المهرجان قسم "خارج المسابقة" لمجموعة من الأفلام الأردنية والإنتاجات المشتركة الأردنية التي لا تنطبق عليها شروط المسابقة الرسمية، لكنها تشكل إضافة بارزة لبرنامج العروض بقيمتها الفنية ورؤيتها السينمائية.
وفي السياق ذاته، يطلق المهرجان هذا العام قسماً جديداً بعنوان "صُنع في الأردن"، يسلط الضوء على ستة أعمال واعدة أنتجت ضمن سياقات تعليمية أو ورشات تدريبية متخصصة، في خطوة تعكس التزام المهرجان المستمر دعم صنّاع الأفلام الأردنيين والأصوات الصاعدة في المنطقة.
عروض خاصة وضيوف
ويستضيف قسم "العروض الخاصة" فيلم "ما روزا" للمخرج الفيليبيني بريانتي مندوزا الذي حصلت بطلته جاكلين خوسيه على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان كان عام 2016، ويعقب العرض حوار مفتوح مع المخرج.
ويعرض أيضاً فيلم "من لا يزال حيّاً" للمخرج السويسري نيكولا فاديموف، الحائز على جائزة Cinema & Arts في مهرجان البندقية 2025، والذي يقدم تأملاً إنسانياً في الذاكرة والاقتلاع والانتماء عبر تسعة أصوات من غزة، يرافقه معرض بصري بعنوان "لسا عايشين".
وعلى صعيد الضيوف، يستضيف المهرجان الممثلة هند صبري والمنتجة درّة بوشوشة ضمن تسليطه الضوء على السينما التونسية، فضلاً عن سلسلة من الجلسات الحوارية المفتوحة للجمهور تجمع الممثل والناشط خالد عبدالله بالمخرج الفيليبيني بريانتي مندوزا. وهذه اللقاءات، كما تصفها إدارة المهرجان، تؤكد التزامه أن يكون منصة حوار حقيقية تجمع أصواتاً سينمائية عربية وعالمية اختبرت السينما من زوايا مختلفة.
ولا يقتصر حضور المهرجان على صالات العرض، إذ إن 17 فيلماً قصيراً من دوراته السابقة ستُعرض مجاناً للجمهور في بوليفارد العبدلي، إضافة إلى عروض تقام في عدد من محافظات المملكة، في رسالة واضحة مفادها بأن الوصول إلى السينما لا ينبغي أن يبقى حكراً على من يستطيع شراء تذكرة أو الوصول إلى قاعة عرض. ويستمر برنامج "أيام عمان لصناع الأفلام" في دعم المواهب العربية الشابة، عبر مساعدة أصحاب المشاريع في تطوير أفكارهم وربطهم بجهات الإنتاج والتمويل.
منذ انطلاقته عام 2020، اختار المهرجان التركيز على القيمة الفنية والإنسانية للأعمال المشاركة، بعيداً من مظاهر الاحتفال التقليدية. وبعد سبع دورات، يبدو أن هذا الخيار هو ما جعل من المهرجان، بحسب وصف مديرته، محطة "عضوية" النمو، ثابتة الخطى، تكبر عاماً بعد عام من دون أن تفقد حميميتها.