Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دمشق "المنهكة" غير قابلة للعيش بـ"تصنيف دولي"

احتلت الترتيب الأخير في مؤشر الـ"إيكونيميست" وفشلت في إحراز أكثر من نتيجة الثلث في الثقافة والبيئة والتعليم والبنية التحتية والصحة والاستقرار

تحتاج إلى استعادة توازنها اليومي ليتمكن أهلها من العيش ضمن منظومة راسخة الاستقرار (اندبندنت عربية)

ملخص

بعدما كانت دمشق منارةً للعلم والفن والصناعة والتجارة، وبعدما كانت عاصمةً للثقافة العربية، وأختها حلب عاصمةً للثقافة الإسلامية، صارت دمشق اليوم مدينة لا تفلح إلّا بإدارة أزماتها المتراكمة، مما جعلها بأناسها وموظفيها وإدارتها السياسية والمدنية والعسكرية مكتفية بالتكيّف مع النقص ضمن بيئة لا تسمح بالتطور أو التقدم خارج الصندوق.

استقرت دمشق في أدنى سلم المؤشر العالمي لقابلية العيش في عام 2026، إذ جاءت في المرتبة 173 من أصل 173 مدينة عالمية شملها تصنيف "قابلية العيش العالمي" الصادر عن وحدة استخبارات الإيكونيميست الاقتصادية EIU. ولعلّ هذا الترتيب المريب يحمل معه آثاراً واسعة من حرب ضروس عاشتها البلاد قرابة عقد ونصف سابقين وما طاولها إبان ذلك من تحولات مفصلية على صعد مختلفة أحاطت بمؤسساتها وبناها التحتية وخدماتها واقتصادها وأنماط الحياة داخلها وعلاقتها كعاصمة بالأطراف الجغرافية الداخلية والمحيطين الإقليمي والعالمي.

دمشق حصلت وفق الدراسة العالمية على 32 نقطة فقط من أصل 100 نقطة كليّة، وقد قاست هذه الدراسة مؤشرات خمسة رئيسة، على رأسها الثقافة والبيئة، والتعليم، والبنية التحتية، والرعاية الصحية، والاستقرار. وهي العوامل التي فشلت دمشق في إحراز أكثر من نتيجة الثلث فيها مجتمعةً، وجاءت الأرقام مفصلة كالتالي: 20 نقطة للاستقرار، 32 رعاية صحية، 41 تعليم، 32 بنية تحتية، 33 ثقافة وبيئة، علماً أنّ المقياس الفردي والجماعي يكون من 100.

بحثاً عن الإيقاع

يرى المحلل السياسي مجد تركاوي أنّ "أخطر ما في المؤشر هو نقاط الاستقرار التي لم تنل فيها دمشق إلّا 20 نقطة، وهذا التحدي الأكبر ليس سياسياً بقياس أنّ المعارك انتهت والبلد انتقلت من حكم نظامٍ لآخر، لذا يكون القياس على التنافر المجتمعي، وعدم قبول الآخر، ومعدلات الجريمة المرتفعة للغاية، والصراعات البينية الداخلية بين المكونات المحلية، والاضطرابات العبثية، والتهديدات الأمنية المتنامية، والعجز الجزئي للمؤسسات الرسمية على فرض النظام العام والشامل".

 

وأضاف "هنا ينظر إلى انتشار السلاح اللامعقول، والهشاشة الأمنية في أطراف الخريطة (شرقاً وشمالاً وجنوباً وغرباً)، ودمشق كبقية المدن السورية تحتاج إلى استعادة توازنها اليومي ليتمكن أهلها من العيش ضمن منظومة راسخة الاستقرار، والمرحلة الانتقالية حتّى الآن لم تتمكن من تجاوز آثار الماضي، بل في أماكن أخرى زاد الطين بلّة بسبب الحال الفصائلية والعشائرية وعدم كبح جماح خطاب التطرف والكراهية غير المعهودين في تاريخ سوريا الحديث".

الرعاية الصحية

على رغم أنّ القطاع الصحي شهد تحسناً بسيطاً لكنّه لم يحرز تقدماً فعلياً على صعيد الخدمة العامة، وذلك يعود بكلّه للحرب السابقة نفسها التي دمّرت معظم المشافي والمستوصفات والقطاع الطبي معهما، ومن ثم عملياً خسرت سوريا ثروة لا تقدر، سواء على الصعيد العمراني الطبي، أو على صعيد النزف الهائل في خبراتها البشرية من أطباء وممرضين وفنيين هاجروا نحو ملاذات آمنة في بلدان بعيدة.

يقول الطبيب عمر محسن "من الجيد أنّ سوريا نالت 32 نقطة، لأنّنا حقيقةً نرى الأمور على الأرض في مناحٍ كثيرة أسوأ بالجملة، ولا نتحدث هنا عن خدمات العيادات الطبية الخاصة أو المشافي الخاصة باهظة الكلفة، بل عن ملح الشعب وهو المشافي الحكومية، وكلّ سوري يملك تجربته في هذا السياق، نحن ببساطة بلد أصبح فيه أطباء الجلدية والتخدير والأطباء الشرعيون جميعهم يعدون لقلّتهم، فضلاً عن حالات تهديد الأطباء وعدم حمايتهم والفلتان الأمني الواقع ضدهم، اليوم هناك حرفياً ضغط هائل وغير مسبوق على المنظومة الطبية المتبقية والمتهالكة، فلا تمويل ولا كوادر ولا إمدادات ولا عناية حقيقية، وأي رعاية طبية حقيقية لا يمكن أن ينالها المريض إلّا في مشفى خاص يمتص دماءه ويكبده فوق طاقته بمراحل ومراحل كثيرة، أما المشافي العامة فبالكاد تستطيع تقديم الخدمات الضرورية، وهنا يمكن ملاحظة غياب الأجهزة الإشعاعية الحديثة عنها بالمجمل كأبسط مثال، لم يبقَ أطباء خبراء كبارٌ في سوريا إلّا قلّة، ولم يسلم جيل جيلاً آخر، فكل الأجيال متى استطاعت اختارت الرحيل".

صمود شكلي

صحيح أنّ دمشق حصلت على تقييم أعلى في قطاع التعليم، لكن هذا لا يعني أنّ التعليم نفسه بخير، وإنما يعني فقط أنّه قطاع أفضل من غيره بقليل، فقد حافظ على وجوده كمؤسسة طوال الحرب وما بعدها، لكنّ جودته اختلفت وتضاءلت كثيراً قياساً بما قبل الحرب عام 2011، وكذلك هاجرت أعداد كبيرة من المعلمين في موجات الهجرة السورية الكبرى خلال الحرب، والمفارقة أنّ هذا النزف استمر في كلّ القطاعات قبل سقوط النظام وبعده، ولذلك أسباب مختلفة، لكنّها في النهاية متفقة في أنّ الضرر تحصده البلاد وحدها في غيابهم.

"الطائفية وصلت إلى المدارس"، يقول أحمد كرتوتي مدير إحدى مدارس دمشق، ويضيف "إن نالت دمشق المرتبة الأخيرة فماذا عن حمص مثلاً؟ ستحتل بالتأكيد المرتبة ما بعد الأخيرة بمئة درجة لما نسمعه مما يحصل هناك، والتعليم لا يمكن أن يكون جيداً في مكان وسيئاً في آخر لأنّها عملية تكاملية، نسمع العجب في مدارس كثيرة في دمشق وغيرها، تعالٍ، أصوات قميئة، تهديدات، توصيفات طائفية، وغير ذلك كثير، ويكفي أن نقول إنّه خلال أعوام طويلة ماضية لم تتمتع سوريا بمنهج علمي موحد، بل كلّ منطقة درست مناهجها بطريقتها، غياب المركزية كان عبئاً يصعب تحمله، فقياس التعليم على دمشق ومنحها 41 نقطة يبدو منطقياً لأنّ مدناً أخرى لن تنال 10 أو 20 نقطة كحد أقصى".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بدوره يقول الأستاذ الجامعي رشيد صوفان "خلال الحرب السابقة كان الشبيحة يمررون الإجابة لطلبة الشهادات في القاعات الاختبارية بسهولة فائقة ضمن الظروف القائمة، مما جعل شريحة كبرى غير مستحقة تدخل الجامعات وغالبهم أميّون حرفياً، وفي الجامعة اشتروا ذمم أساتذة كثر أو اعتمدوا الغش وتخرجوا بشهادات عليا، واليوم يحصل الأمر نفسه من قبل أشخاص مرتبطين بالعهد الجديد، وفوق ذلك جرى اعتماد جامعة إدلب التي كانت في مناطق الحصار كجامعة رسمية شهاداتها تعادل شهادات جامعة دمشق وهي جامعة غير مسجلة أو معترف بها إقليمياً أو دولياً إطلاقاً، في سوريا من المعروف أنّ هناك كلية إعلام واحدة في جامعة دمشق، فوجئنا أخيراً بأنّه في جامعات المناطق المحاصرة سابقاً كانت هناك كليّات إعلام تخرّج طلبة باستمرار، هذا التباين العلمي الرهيب مرعب وكفيل بضرب الكفاءات وانحدار مستوى أي تقييم علمي قادم للشهادات السورية عالمياً، ونحن أساساً بوضعنا القائم جامعاتنا الرئيسة تعاني تردياً هائلاً في التصنيف الدولي".

البنى التحتية

لا يمكن حصر البنى التحتية عموماً بالمباني والطرق والجسور، بل إنّ مفهومها يتعدى ذلك بكثير لكونها تمثل منظومة متداخلة من شبكات المياه والكهرباء والنقل والاتصالات والبلديات وكل ما يرتبط بخدمة المواطن في كل المناحي، وأي مشكلة في واحدةٍ من تلك الشبكات ينعكس مباشرةً على الشبكة التي تليها مما يجعل بمحصلته الأضرار مضاعفة على البنية كاملة، وهذه الشبكات جميعها لا يمكن القول إنّها تضررت بصورة محدودة أو جزئية خلال الحرب السورية، بل إنّها تدمرت فعلياً بصورة تكاد تكون شبه كاملة تبعاً للمنظومات العامة أو الفرعية، إذ لا شك أنّ الضرر في دمشق كعاصمة بعيدة من الحرب لم يكن كما الحال في مدن استوطنتها الحرب كحمص ودير الزور ودرعا وغيرها.

 

في ظلّ كلّ ذلك كان دائماً اللجوء إلى الحلول الإسعافية والطارئة هو الحل الموقت، لكنّه في أي لحظة لم يمثل مثالاً نموذجياً لمعالجة المشكلة من جذروها، فبرزت مطالبات سياسية واقتصادية بتفعيل مشاريع التعافي المبكر بالتعاون مع دول مقربة من النظام السابق ومنظمات تتبع الأمم المتحدة، ومع ذلك لم يكن ذلك الحل، فكانت سوريا ولا تزال حتّى اليوم تبحث عن حلول قطعية لا صيانات متفرقة.

هذا الشلل ما ظهر منه وما اختفى في البنى التحتية انعكس على شكل انعدام انتظام خدمات أثرت في ملايين التعاملات اليومية والأعمال المرتبطة بالساكنين، ومعها جعلت عملية جذب الاستثمار الحقيقي أكثر تعقيداً وصعوبةً بكثير، لأنّ رأس المال الوافد يحتاج إلى استقرار ومنظومة قوية يبني عليها عمله ليقدم خدمات مستقرة فعلية.

دمشق المنهكة

يقول الأستاذ الجامعي في العلوم السياسية أدهم الناطور "التاريخ بعمومه يحاكم المراحل بعد انتهائها، لكنّ الشعوب تحاكم المراحل خلال قيامها، ومن هذا المنطلق يحاكم الشعب الآن الفجوة الهائلة بين ما كان منتظراً من تحسن كبير في ظروف الحياة قياساً بالتحول السياسي الهائل، وهذا بحدّ ذاته لا يحمل السلطة الانتقالية المسؤولية الكاملة عن الاستمرار الصامت لمرحلة الحرب السابقة، لأنّ تغير الظرف السياسي وتوقف الحرب لا يعني تغيراً شاملاً ولحظياً، بل يحتاج إلى وقت قد يطول نسبياً شرط أن يقترن بتحسينات متتابعة وملحوظة، وللأسف هذا لا يحصل في سوريا تماماً، لأنّه منذ عام ونصف العام هناك غياب في المنهجية الشاملة، وهذا النمط السياسي لا يوائم البيئات السياسية والاقتصادية التقليدية السورية".

ويتابع "لتكون الأمور أبسط وبعيداً من التعقيد فإنّ الشعب الخارج من حرب مدمرة لا يعود مهتماً كثيراً بمن سيحكمه بل بماذا سيقدمه له، وحتى الآن لم تحقق السلطة للشعب كاملاً طموحاته، وقصدت أن أقول كاملاً لأنّ التحرك الشعبي تحت منطقية الشرعية الثورية المطلقة التي لا تحاسب أفرادها هو ما خلق استعداءً مع بقية المكونات، التي وجدت طريقاً لرواية مظلوميات كبرى بحقها بعدما كان يمكن للسلطة أن تعالج مظلومية الأكثرية السكانية الدينية من دون أحداث دموية جديدة، وذلك عبر مسار عدالة انتقالي لا يحاسب وفق المنطق الانتقائي والمناطقي والطائفي".

في قاع المدن

بعدما كانت دمشق منارةً للعلم والفن والصناعة والتجارة، وبعدما كانت عاصمةً للثقافة العربية، وأختها حلب عاصمةً للثقافة الإسلامية، صارت دمشق اليوم مدينة لا تفلح إلّا بإدارة أزماتها المتراكمة، مما جعلها بأناسها وموظفيها وإدارتها السياسية والمدنية والعسكرية مكتفية بالتكيّف مع النقص ضمن بيئة لا تسمح بالتطور أو التقدم خارج الصندوق.

على رغم ذلك فإنّ تذيل دمشق ترتيب مدن العالم لا يعني أنّ ذلك هو الحكم النهائي، وإن كانت تحافظ عليه وتنقله من عامٍ لآخر منذ أعوام عدة، لكن الملاحظة الجديرة بالنظر هي التأخر الكبير في معالجة المشكلات البنيوية في ظلّ مرحلة انتقالية تسعى إلى الأفضل وقد حققت إنجازات معتبرة في شأن رفع العقوبات والانفتاح نحو الخارج.

والمطلوب، بحسب متخصصين، لا يزال أكثر بكثير لجعلها مدينة تليق بالعيش ويليق بها، كما كانت تاريخياً أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ، واليوم يريد أهالي دمشق أن تعود كما كانت فقط، لا رايات ولا أعلام غريبة فيها، مدينة تحبّ الجميع ويحبّها الجميع، تحترم كل الطوائف والقوميات ويحترمونها، ما يريده أهل دمشق ومن ضمنهم أهل السياسية والاقتصاد والاجتماع والعلوم التاريخيون، أن تعود مدينتهم المدينة التي يتمنون أن يسكنوا فيها من جديد.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير