ملخص
تخضع بعض التقنيات والمكونات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لقيود على التصدير، لا سيما التقنيات المتقدمة المستخدمة في الحوسبة عالية الأداء ومعالجة البيانات الضخمة
مع تسارع تطور نماذج الذكاء الاصطناعي لم تعُد المنافسة العالمية تقتصر على تطوير قدرات أكثر تقدماً، بل بدأت تمتد إلى التحكم في الوصول إلى التقنيات والبنية التحتية اللازمة لتطويرها وتشغيلها. فبعدما ركزت القيود الأميركية خلال السنوات الماضية على تصدير الشرائح المتقدمة المستخدمة في أنظمة الذكاء الاصطناعي، بدأت تظهر أيضاً إجراءات مرتبطة بإتاحة بعض النماذج والخدمات المتقدمة، في ظل اعتبارات تتعلق بالأمن القومي والاستخدامات المحتملة لهذه التقنيات.
وبينما ترى حكومات أن هذه القيود تهدف إلى حماية تقنيات استراتيجية والحد من إساءة استخدامها، يحذر خبراء من أن استمرار القيود على التقنيات الأكثر تقدماً قد يسهم في اتساع الفجوة بين الدول القادرة على تطوير هذه القدرات وتلك التي تعتمد على حلول وتقنيات خارجية.
سباق السيطرة والنفوذ
وعن مدى اقتراب الذكاء الاصطناعي من مرحلة تتركز فيها القدرات المتقدمة لدى عدد محدود من الدول والشركات، يرى المتخصص في تكنولوجيا المعلومات إسلام ثروت أن هناك بالفعل تقنيات ومكونات أساسية مرتبطة بهذه الصناعة تخضع لقيود على التصدير، لا سيما التقنيات المتقدمة المستخدمة في الحوسبة عالية الأداء ومعالجة البيانات الضخمة، موضحاً أن بعض الدول تفرض ضوابط على إتاحة هذه التقنيات، وتحدد الجهات أو الدول التي يمكنها الحصول عليها وفق اعتبارات تنظيمية واستراتيجية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتخضع بالفعل بعض التقنيات والمكونات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لقيود على التصدير، لا سيما التقنيات المتقدمة المستخدمة في الحوسبة عالية الأداء ومعالجة البيانات الضخمة، إذ تفرض بعض الدول ضوابط تحدد الجهات أو الدول المسموح لها بالحصول عليها وفق اعتبارات تنظيمية واستراتيجية. وبحسب ثروت فإن تنامي المخاوف المرتبطة بالاستخدامات المتقدمة للذكاء الاصطناعي، وما قد يترتب عليها من تحديات أمنية أو أخطار تتعلق بالسيطرة على بعض التطبيقات، يدفع الحكومات والجهات التنظيمية إلى تشديد الأطر المنظمة للوصول إلى هذه القدرات، وفرض قيود على استخدامها أو إتاحتها في بعض الحالات.
وأعلنت وزارة التجارة الأميركية في يناير (كانون الثاني) 2025 إطاراً جديداً لتنظيم انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، تضمن ضوابط على تصدير شرائح الحوسبة المتقدمة المستخدمة في تدريب وتشغيل النماذج الكبرى، إضافة إلى قيود على إتاحة بعض المكونات الأساسية لنماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، بما في ذلك ما يعرف بـ"أوزان النماذج"، وهي البيانات والمعاملات الداخلية التي تحدد طريقة عمل النموذج وقدراته، بما قد يحد من إمكان تشغيل هذه النماذج أو تطويرها خارج أنظمة الجهات المطورة، مبررة ذلك باعتبارات تتعلق بالأمن القومي والسياسة الخارجية.
وكانت هذه الإجراءات ضمن سلسلة قيود أميركية بدأت منذ عام 2022 على تصدير الشرائح المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات، خصوصاً إلى الصين، بهدف الحد من قدرة الجهات المنافسة على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة. وفي المقابل أثارت هذه السياسات نقاشاً حول تأثيرها في انتشار التقنية عالمياً، وما إذا كانت قد تؤدي إلى تفاوت أكبر في فرص الوصول إلى البنية التحتية اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي.
ويلفت إلى أن التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي في التطبيقات العسكرية من شأنه أن يغير طبيعة المواجهات المستقبلية، إذ قد تمتلك الدول الأكثر تقدماً في هذا المجال ميزة استراتيجية، نظراً إلى أن التعامل مع الأنظمة العسكرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي يتطلب قدرات وتقنيات تختلف عن تلك المستخدمة في مواجهة الأسلحة التقليدية.
وفي تقديره، يعيش العالم حالياً مرحلة تنافس متسارع في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع استمرار الدول في تعزيز استثماراتها وقدراتها التقنية، مرجحاً أن تمتلك الدول والجهات الأكثر تقدماً في هذا المجال تأثيراً أكبر مستقبلاً في صياغة الأطر التنظيمية والمعايير والمؤسسات الدولية المعنية بحوكمة استخدامات الذكاء الاصطناعي.
القنبلة الرقمية
بينما لم تعُد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بحسب المتخصص في تكنولوجيا المعلومات رامي المليجي، مجرد أدوات تتنافس الشركات على تطويرها، بل أصبحت من الملفات التي تتعامل معها دول كبرى باعتبارها جزءاً من أمنها القومي، مما يفسر تصاعد القيود المفروضة على تطويرها وإتاحتها.
ويستشهد المليجي، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، بما حدث مع شركة "أنثروبيك" المالكة لتطبيق "كلود"، إذ أصدرت الحكومة الأميركية في يونيو (حزيران) 2026 توجيهاً موقتاً يقضي بتقييد الوصول إلى اثنين من نماذجها المتقدمة للذكاء الاصطناعي لدواعٍ تتعلق بالأمن القومي، قبل أن ترفع هذه القيود لاحقاً وتستأنف إتاحتهما ضمن ضوابط محددة.
يقول إن التعامل مع الذكاء الاصطناعي تغير، فلم يعد مجرد تقنية متقدمة، بل أصبح سراً قومياً أو سلاحاً استراتيجياً قد يضاهي، في أهميته، السلاح النووي. ويرجع ذلك إلى التطور المتسارع للنماذج الذكية. ويضيف أن الذكاء الاصطناعي لا يعرف حدوداً جغرافية، لذلك تخشى الدول وصول النماذج الأكثر تقدماً إلى خصومها، مما دفع الولايات المتحدة إلى فرض قيود على عدد من التقنيات المتقدمة.
ويرى أن هذه المخاوف دفعت الإدارة الأميركية إلى فرض قيود تقترب من القيود المفروضة على التقنيات النووية، موضحاً أن لذلك أثرين رئيسين، الأول الحد من تداول المعرفة وإتاحة التقنيات المتقدمة، بما يخلق تفاوتاً في فرص الوصول إليها، والثاني إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، على رغم امتلاك الشركات تقنيات جاهزة يمكن طرحها.
ويضيف أن القيود دخلت مرحلة جديدة، فبعد فرض قيود على تصدير الشرائح الإلكترونية فائقة الأداء، وفي مقدمها شرائح "إنفيديا"، للحد من تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، بدأت تمتد إلى استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه، معتقداً أن هذه الإجراءات تسبق مرحلة أكثر حساسية، قد يصبح فيها امتلاك النماذج الأكثر تقدماً بمنزلة امتلاك أسرار تصنيع القنبلة النووية.
المنافسة العالمية
في حين يقول المتخصص في تكنولوجيا المعلومات محمد الحارثي إن النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي لم تكن متاحة منذ البداية بالمستوى نفسه في جميع الدول، والوصول إلى بعضها يخضع لضوابط تنظيمية وقيود تفرضها الشركات المطورة أو الجهات المنظمة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالتقنيات ذات الأهمية الاستراتيجية.
ويرى الحارثي أن توجه عدد من الدول إلى تطوير نماذجها الوطنية للذكاء الاصطناعي يلقي الضوء على المخاوف المتزايدة من تركز تطوير النماذج الأكثر تقدماً وقدرات البحث والتطوير المرتبطة بها لدى عدد محدود من الدول والشركات، بما قد يحد من فرص الوصول المتكافئ إلى هذه التقنيات. ويضيف أن هذه المخاوف تدفع عديداً من الدول إلى الاستثمار في بناء منظوماتها الوطنية وتعزيز قدراتها الذاتية في هذا المجال.
ويؤكد الحارثي أن المنافسة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي ستتحدد بدرجة متزايدة بقدرة الدول على تطوير نماذجها المتقدمة والتحكم في إمكاناتها، معتبراً أن امتلاك هذه التقنيات قد يمنح الدول الرائدة ميزة تنافسية ونفوذاً أكبر في توجيه مسارات البحث والتطوير والابتكار، فضلاً عن توسيع نطاق استخدامها في المجالات العسكرية والأمنية.
ويحذر الحارثي من اتساع الفجوة التقنية بين الدول التي تمتلك قدرات متقدمة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وتلك التي لا تزال تعتمد على تقنيات خارجية، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد فرض مزيد من القيود على إتاحة بعض النماذج المتقدمة أو استخداماتها، استناداً إلى اعتبارات تنظيمية أو استراتيجية تتعلق بالأمن القومي والتنافس التكنولوجي.