ملخص
تسارع الشركات البريطانية إلى تبني الذكاء الاصطناعي لتحسين الإنتاجية وخفض التكاليف، لكن نقص المهارات وصعوبة قياس العائد على الاستثمار والمخاوف المتعلقة بأمن البيانات لا تزال تعوق الاستفادة الكاملة منه. وتبدأ المكاسب الحقيقية من تطبيقات عملية ومتدرجة، تستند إلى بيانات منظمة وحوكمة صارمة وأدوات موثوقة، بما يحرر الموظفين من المهمات المتكررة ويتيح لهم التركيز على الإبداع وبناء علاقات العملاء.
انتقل الذكاء الاصطناعي سريعاً من هامش عالم الأعمال إلى صلبه، فوفق غرف التجارة البريطانية، بات أكثر من نصف الشركات في المملكة المتحدة، أي 54 في المئة، يستخدم الذكاء الاصطناعي فعلياً في عملياته، في قفزة هائلة مقارنة بنسبة لم تتجاوز 23 في المئة قبل ثلاثة أعوام.
يقول روشير رودريغز، مدير استراتيجية العملاء والشؤون التجارية في قطاع الأعمال والخدمات التجارية لدى بنك "لويدز"، "يستخدم المستهلكون الذكاء الاصطناعي بلا انقطاع، وتستثمر فيه الشركات الكبرى بكثافة، والآن يتعين على الشركات الصغيرة والمتوسطة أيضاً توظيف مزاياه الواسعة في أعمالها كي لا تتخلف عن الركب".
وبحسب "مؤشر لويدز للأعمال"، استثمر ثلثا الشركات البريطانية في الذكاء الاصطناعي، إذ خصصت معظمها مبالغ تقل عن 25 ألف جنيه استرليني على هذه التكنولوجيا. وبالنسبة إلى كثير من الشركات، بدأت هذه الاستثمارات المتواضعة نسبياً تحقق بالفعل مكاسب ملموسة في الإنتاجية اليومية.
ويضيف رودريغز: "لكن النتائج التي توصلنا إليها تشير إلى أن 7.5 في المئة فقط من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي واثقة جداً من فهمها للفوائد التي يمكن أن يحققها لأعمالها. ويقول كثيرون من عملائنا، البالغ عددهم مليون شركة: 'سيساعد ذلك في تحسين الإنتاجية، لكن كيف يمكننا قياس أثره بالأرقام؟’".
وأظهر استطلاع أجرته شركة "يوغوف"، وشمل أكثر من ألف من صناع القرار في مجال تكنولوجيا المعلومات، أن ربع الشركات الصغيرة والمتوسطة يحجم عن تبني الذكاء الاصطناعي بسبب صعوبة تقدير العائد على الاستثمار. لكن أبحاث "لويدز" بين عملائها كشفت عن عائق لا يقل أهمية، وهو انعدام الثقة.
وفي سوق مزدحمة بأطراف تتطور أدواتها بوتيرة سريعة، من بينها "جيميناي" من "غوغل"، و"تشات جي بي تي" من "أوبن إيه آي"، و"كلود" من "أنثروبيك"، و"بربليكسيتي"، يجد أصحاب الأعمال صعوبة في تحديد الأدوات التي يمكن الوثوق بها، ومعرفة أين يمكنهم توجيه استثماراتهم بأمان.
وتتفاقم فجوة الثقة هذه بفعل المخاوف العميقة المتعلقة بخصوصية البيانات وأمنها، فضلاً عن الإدراك المتزايد بأن شركات كثيرة تفتقر إلى البنية الأساسية المتينة للبيانات اللازمة لاستخدام هذه الأدوات بأمان.
وتنضم هذه المشكلات إلى الفجوة المستمرة في المهارات الرقمية، لتشكل كلها عوائق بالغة الأهمية. وبالنسبة إلى كثير من الشركات الصغيرة والمتوسطة، لا يرتبط التردد فقط بمدى فاعلية التكنولوجيا، بل أيضاً بمدى قدرتها على الوثوق بها في التعامل مع بياناتها الخاصة.
من رسم خرائط التربة إلى التصنيع الآلي
مع ذلك، تبدو الصورة أكثر تفاؤلاً في نظر رودريغز، استناداً إلى التطبيقات الواقعية التي يشاهدها مديرو علاقات العملاء الـ700 في "لويدز" لدى الشركات البريطانية.
ويوضح قائلاً: "لدينا شركات زراعية تستخدم هذه التكنولوجيا لتحميل صور للتربة وتحليل مكوناتها ومقارنة النتائج بأنماط الطقس، لكي تقرر المحاصيل التي ينبغي زراعتها في كل موسم، مما يؤدي عاماً بعد عام إلى حصاد أكثر ربحية".
ودخلت "لويدز" في شراكة مع مؤسسة "سويل أسوسييشن إكستشينج" لإنشاء قاعدة بيانات بيئية ضخمة للمزارع، والاستعانة بتقنيات رسم الخرائط والتحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتقييم المخاطر، ومدى قدرة المزارع على مواجهتها، وفرص الاستثمار.
وفي مثال ثان، يعمل أحد عملاء "لويدز" في قطاع التصنيع المتقدم على بناء نموذج أعمال جديد كلياً يقوم على هذه التكنولوجيا.
ويضيف رودريغز: "يحمل العملاء صوراً لما يريدون تصنيعه، فينشئ الذكاء الاصطناعي التصميم، ثم تتولى طابعة ثلاثية الأبعاد إنتاجه".
ودخلت الشركة في شراكة مع "مركز تكنولوجيا التصنيع" في كوفنتري، المدعوم من "لويدز"، الذي يقدم دعماً متخصصاً لمساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة في تبني التكنولوجيات الرقمية المتقدمة، مثل أدوات التصميم المدعومة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة.
ويقول رودريغز: "يساعد الوصول إلى البيانات والتحسين الكبير للعمليات المصنعين في ابتكار حلول أفضل لطيف واسع من القطاعات".
التدرج في مستويات نضج استخدام الذكاء الاصطناعي
يتخذ نضج استخدام الذكاء الاصطناعي لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة صورة طيف متدرج، ففي أحد طرفيه لا تزال الشركات تخطو خطواتها الأولى بحذر. وعلى سبيل المثال، تستخدم شركات الخدمات القانونية والمهنية أنظمة ذكاء اصطناعي مدمجة لحجب المعلومات الشخصية من المستندات بسرعة، فيما تستخدم شركات أخرى النماذج اللغوية الكبيرة لكتابة المحتوى أو توليد الأفكار التسويقية.
وفي الواقع، تستخدم أكثر من ست شركات من كل 10 الذكاء الاصطناعي لإنتاج المحتوى التسويقي، وفق استطلاع شمل عملاء "لويدز".*
ويضيف رودريغز: "في منتصف هذا الطيف، نرى الشركات الصغيرة والمتوسطة تبدأ في دمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها لأتمتة المهمات المتكررة، فيما يعمل الأكثر تطوراً، عند الطرف الآخر، على بناء أنظمة ذكاء اصطناعي وكيلة، وهي تكنولوجيا لا تكتفي بمساعدة البشر، بل تنفذ مهمات معقدة بصورة مستقلة".
وتستثمر "لويدز" خبرتها في هذا المجال لمساعدة عملائها في تبني التكنولوجيا، ويشارك كبار مسؤوليها التنفيذيين حالياً في برنامج مدته ستة أشهر بالتعاون مع جامعة كامبريدج، يركز على أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيلة. وقد أسهم ذلك في تصنيف المصرف ضمن أكثر المؤسسات المالية إلماماً بالذكاء الاصطناعي في العالم، وفق "مؤشر غلوبال إيفيدنس للذكاء الاصطناعي".
وعلى نطاق أوسع، يمثل رودريغز "لويدز" في "فريق عمل التبني الرقمي للشركات الصغيرة والمتوسطة"، وهو فريق مشترك بين الحكومة وقطاع الأعمال، أنشئ خصيصاً لمساعدة الشركات في تجاوز هذه العوائق. ومن خلال تحديد حلول عملية قابلة للتوسع للتغلب على عقبات مثل فجوة المهارات والمخاوف الأمنية وعدم اليقين حيال العائد على الاستثمار، يشكل فريق العمل حلقة وصل حيوية تساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة في تبني التكنولوجيات الرقمية المعززة للإنتاجية بثقة، وتسريع مسيرتها في استخدام الذكاء الاصطناعي.
وعلى الصعيد الداخلي، لمس المصرف القوة العملية لهذه التكنولوجيا لدى تعامله مع آلاف العملاء العاملين في مجال التطوير العقاري. ففي السابق، كان هؤلاء العملاء يقدمون، بغرض الحصول على التمويل، كشوف الإيجارات وتوقعات التدفقات النقدية بمئات الصيغ المختلفة، مما كان يضطر مديري علاقات العملاء إلى تخصيص ساعات لمطابقة المعلومات وتوحيدها.
ويقول رودريغز: "أصبحت هذه العملية الآن مؤتمتة بالكامل، فما كان يستغرق فترة بعد ظهر كاملة من العمل بات ينجز في بضع دقائق. ولهذا أثر هائل في أعمالنا برمتها، ونحن نساعد عملاءنا في الاستفادة من هذه القفزة في الإنتاجية".
وبدلاً من أن يؤدي هذا التحول إلى الاستغناء عن الوظائف البشرية، يبدو أنه حرر مديري علاقات العملاء من الاختناقات الإدارية، وأتاح لهم تخصيص مزيد من الوقت لتقديم الدعم الاستراتيجي المباشر إلى العملاء وجهاً لوجه.
لماذا تعد البيانات الأساسية عنصراً حاسماً؟
مع ذلك، ثمة جانب يدعو إلى التروي في تفاؤل رودريغز، فالذكاء الاصطناعي لا يكون جيداً إلا بقدر جودة البيانات التي يتغذى عليها.
ويقول: "ينجرف الناس وراء الضجة المحيطة بالذكاء الاصطناعي، لكنهم ينسون أن البيانات الأساسية والحوكمة الرشيدة عنصران حاسمان، ومن دونهما يفشل الذكاء الاصطناعي فشلاً ذريعاً".
ولكي يتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي بأمان واستدامة، يتعين على الشركات تجاوز مرحلة التجريب وتطبيق ضوابط صارمة وتدابير حماية وسياسات للاستخدام المسؤول، فوضع هذه الأطر هو ما يرسخ في نهاية المطاف ثقة العملاء على المدى البعيد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتستفيد "لويدز" من حجم أعمالها لتكون مثالاً يحتذى به، وينفذ المصرف حالياً عملية انتقال واسعة النطاق إلى الحوسبة السحابية بهدف إطلاق القيمة الكامنة في بياناته. والأهم أنه لا يدخل بيانات عملائه في نماذج الذكاء الاصطناعي المتاحة للعامة، بل يعتمد نماذج تقدمها شركات مثل "أوبن إيه آي" أو "غوغل"، ثم يدمجها في أنظمته الآمنة ويشغلها داخلياً لضمان خصوصية البيانات.
وينطبق المبدأ نفسه على الشركات الصغيرة والمتوسطة، وإن على نطاق أضيق. فهي لا تحتاج إلى بناء أنظمة ضخمة ومخصصة، بل إلى حفظ مستنداتها الداخلية ورسائل عملائها وبياناتها المالية بصورة منظمة ضمن النسخ المؤسسية الآمنة من البرامج التي تستخدمها يومياً. ومن خلال الاشتراك في النسخ المخصصة للشركات، يمكنها إبقاء بياناتها منفصلة ومحمية بمعايير أمان تضاهي تلك التي تعتمدها المصارف الكبرى، من دون أن تنتقل معلوماتها الخاصة إلى النماذج العامة.
ردم فجوتي الثقة والقدرات
بالنسبة إلى الشركات الأصغر التي لا تمتلك بنية تحتية بهذا الحجم، قد يبدو التعامل مع عقبات الحوكمة والأمن أمراً شاقاً. وتتبع "لويدز" نهجاً متسلسلاً وهو وضع استراتيجية البيانات أولاً، ثم البحث عن النماذج التي يمكن استخدامها داخلياً. لكن المصرف لا يترك الشركات الصغيرة والمتوسطة لتدبر الأمر بمفردها، بل يوظف شبكته وموارده التمويلية وخبراته بفاعلية لردم فجوتي الثقة والقدرات.
ويقول رودريغز: "ينبغي أن يكون جميع العاملين في شركتكم على دراية بالذكاء الاصطناعي، لكنكم تحتاجون أيضاً إلى مجموعة صغيرة من الخبراء الذين يمتلكون فهماً أعمق له، لذلك استعينوا بخبير داخل شركتكم".
ولمساعدة الشركات في بناء هذه القدرات الداخلية، تقدم "أكاديمية لويدز بنك" تدريبات مجانية عبر الإنترنت عند الطلب لتنمية المهارات، فضلاً عن دورات متخصصة. وتتجاوز هذه الإرشادات العملية ضجيج السوق، فتوضح للشركات الصغيرة والمتوسطة كيفية بناء استراتيجيات متينة للذكاء الاصطناعي، مع تسليط الضوء بوضوح على الأخطار السيبرانية وأخطار أمن البيانات الناجمة عن إدخال معلومات حساسة في أدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة للعامة.
وإلى جانب التدريب، تعالج "لويدز" العوائق المالية والهيكلية من خلال منظومة علاقاتها الأوسع في قطاع الأعمال. وإضافة إلى عملها المستمر مع "فريق عمل التبني الرقمي للشركات الصغيرة والمتوسطة"، يقدم المصرف دعماً موجهاً إلى مراكز التكنولوجيا المتقدمة مثل "مركز تكنولوجيا التصنيع". ويضمن ذلك للشركات الصغيرة والمتوسطة مساراً مباشراً للحصول على دعم الخبراء والمشورة التقنية وقنوات التمويل التأسيسي اللازمة لتبني الأدوات الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بثقة.
وعلى المدى البعيد، يتوقع رودريغز أن يندمج الذكاء الاصطناعي مع تقنيات ناشئة أخرى، مثل ترميز الأصول، الذي يتيح تمثيل الأصول الحقيقية رقمياً عبر تقنية سلسلة الكتل، بما يسهم في معالجة مشكلات مالية مزمنة.
ويقول: "يكشف الجمع بين الذكاء الاصطناعي وترميز الأصول قدراً هائلاً من المعلومات عن أنماط حركة الأموال". وعلى رغم أن هذه التكنولوجيا لم تصل بعد بصورة كاملة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة، فإنها تنطوي على إمكانات كبيرة لتسريع تمويل التجارة والمدفوعات العابرة للحدود.
الميزة التنافسية للتحرك الآن
في الوقت الراهن، يوجه رودريغز إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة رسالة بسيطة: ابدأوا. فالشركات التي تتبنى هذه التكنولوجيا، مهما كان ذلك على نطاق متواضع، ستكون في وضع أفضل بكثير من تلك التي لا تفعل.
ويقول: "إنها تحدث تحولاً في كل شيء، في كل قطاع، وفي الطريقة التي تتبعها كل شركة لزيادة الإيرادات وخفض التكاليف على السواء، فهي تؤثر في جانبي المعادلة المالية".
وفي نهاية المطاف، قد لا يقاس العائد الحقيقي على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى الشركات البريطانية الصغيرة والمتوسطة بالمال وحده، بل بالوقت أيضاً. فمن خلال تولي المهمات الإدارية المتكررة والشاقة، يمنح الذكاء الاصطناعي أصحاب الأعمال وفرقهم حرية العودة للأمور الأكثر أهمية: خبراتهم الأساسية، وإبداعاتهم البشرية، وبناء علاقات دائمة مع عملائهم.
* استطلاع "المنظور الشامل للعملاء 360" الذي أجراه قطاع الخدمات المصرفية للأعمال والخدمات التجارية في "لويدز".
© The Independent