Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإنسان والذكاء الاصطناعي: هل علينا أن نتحسس أدمغتنا؟

إمكاناته وأدواته الحالية تفرض نوعاً جديداً من البنية الإدراكية على البشر قادرة على حل أي مشكلة ولا تفرض المساعدة إلا في ما ندر وتقدم الإجابات بدقة زر ومخاوف من انتشار الغباء البشري

خطر تفاقم غباء البشرية يلوح في الأفق بصورة تراكمية والسبب الذكاء الاصطناعي (أ ف ب)

ملخص

دول عدة، لا سيما تلك التي تجري استطلاعات، وتدشن دراسات، وتقيس توجهات تتعالى فيها تحذيرات على مدار أعوام من تعاظم دور وأثر التكنولوجيا الحديثة، بدءاً بالآلة الحاسبة، مروراً بالكتب المسموعة، ووصولاً إلى الذكاء الاصطناعي، وأثرها في قدرات ومهارات الأجيال الصغيرة. اليوم، التحذيرات لا تتعلق بمهارات القراءة وقدرات الكتابة، لكن بذكاء العقل نفسه، ودفعه نحو الكسل وقلة الاستعمال وتجريده من القدرة على التفكير، والنيل من نعمة الذكاء، والدفع صوب الغباء، بفعل فاعل.

استخدام الآلات الحاسبة يحوّل دفة الجهد المعرفي من الحفظ الآلي إلى حل المسائل المجردة، ويحرر الذاكرة من التقيد فقط بالعمليات الحسابية المملة، لتبدأ في التركيز على المفاهيم الرياضية المعقدة. استخدام الآلات الحسابية يضعف الطلاقة في الحساب الذهني، ويقلّص الإحساس بالأرقام، ويعطّل القدرات الحسابية للصغار والكبار، مما ينعكس سلباً على مهارات الحساب الذهني، ويدفع صوب الاعتماد المفرط على الآلة والشعور بالعجز من دونها.

تظل الابتكارات "الحديثة" قيد فريق من العلماء يسرد محاسنها، ويذكر فوائدها، وفريق مضاد يحذر من ظلالها الوخيمة التي ستقضي على البشرية، إن لم يكن بفقدان القدرة على العد والحساب، فبالإغراق في الشاشات والوقوع في قبضة الخوارزميات، وإن لم يكن هذا أو ذاك، فمن خلال الذكاء الاصطناعي الذي يلوح بخطورة تجميد وتقليص وتعطيل الذكاء البشري الذي سيضمحل ويتراجع ويصدأ لفرط عدم الاستخدام والتشغيل، "حتى يصبح الإنسان والحمار قرينين".

وعلى رغم أن الحمار ليس غبياً، هو فقط عنيد وبطيء، فإن سمعته تسبقه في هذا الشأن، وشهرته باتت لصيقة بالغباء. في عام 1925، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالة عنوانها "الحمار الوفي يرحل". حملت المقالة قدراً بالغاً من الأسف، لأن المركبات الحديثة كانت آخذة في الاستيلاء على مكان ومكانة الحيوان الذي حمل الحضارة لقرون. وتساءلت الصحيفة إن كان استبدال الحمار بمركبات رخيصة تؤدي كل ما كان يفعله الحمار، لكنها لا تتمتع بسحر الحمار ولطفه وصداقته لصاحبه، هو نهاية البشرية كما نعرفها.

يشير رغاف سينغ، أحد مؤسسي شركة "إي فولف"، المتخصصة في مجال الأمن التقني، في مقالة عنوانها "الحمار انقضى وقته: الذكاء الاصطناعي والوظائف" (مارس 2026) إلى أن الغالبية، وقت نشر مقالة "نيويورك تايمز"، كانت تعتقد أن الحمار لا غنى عنه، وأن الحياة لن تستوي من دونه، لكن جرى الاستغناء عن الحمار كوسيلة نقل رئيسة، واستمرت الحياة، وأن أمراً شبيهاً يحدث هذه الأوان، لكن في ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، واستبدال كثير من الوظائف والمهمات والعمليات به، وأنه بعد مرور قرن من رثاء "نيويورك تايمز" للحمار، نرثي اليوم الأفراد العاملين ووظائفهم، لا سيما تلك التي تتعلق بالمعارف، أو ما يسمى بوظائف الياقات البيضاء.

أتمتة التفكير

الأدمغة البشرية التي تقف وراء وظائف المصارف، والشؤون القانونية، وإدارة المخاطر، والتأمين، والاستشارات، والبحث العلمي، وعلم المكتبات والمعلومات، والمحاسبة، وإدارة الأعمال، ودعم العملاء، والصحافة، والإعلام، والتسويق وغيرها، في مهب رياح الذكاء الاصطناعي، لا من حيث ضياع الوظائف فقط، لكن انطلاقاً من تربية وتنشئة وتدريب الدماغ للقيام بهذه المهمات وغيرها، أو ما يسمّى بذبول أو نضوب الذكاء البشري.

يشير سينغ إلى أن الحجة المطروحة اليوم هي أن الذكاء الاصطناعي ليس جراراً يحل محل العضلات، أو جدول بيانات يحل محل الحساب، بل هو بديل عام للعمل المعرفي. فهو يكتب، ويبرمج، ويصمم، ويحلل على عكس التقنيات السابقة التي كانت تؤتمت مهمات محددة، ويبدو أن الذكاء الاصطناعي يؤتمت التفكير نفسه.

وعلى رغم أن سينغ يقلل من حجم تأثير الأتمتة في مصير الوظائف المعرفية، وعلى العقل البشري، فإنه لا ينفي حدوث قدر من الاضطراب، أو تغيير الأدوار، الذي سيستدعي إعادة هيكلة وظائف الياقات البيضاء، ومن ثمّ طريقة تدريب وتعليم وتنمية مهارات العقل البشري.

بدت كلمات سينغ مطمئنة، ومخففة من حدة قلق ضياع الوظائف ووجل انكماش وترهل العقل البشري من قلة الاستخدام، إلا أن بدء الحديث في المحافل العلمية، وتداول الدراسات في المعامل البحثية عما يمكن أن يسببه "التفريغ المعرفي" من إصابة أدمغتنا بالغباء، وتجريد المكون المخيخي الجداري من قدراته وإمكاناته المتصلة بالذكاء (أو الغباء)، أعاد القلق إلى المربع صفر.

إنه قلق ليس كمثله شيء، فإذا كانت مخاوف فقدان الوظائف أمام غزو الذكاء الاصطناعي تدفع العقل البشري بذكائه وألمعيته إلى إيجاد وظائف جديدة، ولو أقل مكانة، يعجز الذكاء الاصطناعي عن القيام بها، فإن المخاوف هذه المرة تطاول رأس المال البشري ذاته، المتمثل في الذكاء الذي يمكنه من حل المشكلات، ومواجهة الأخطار، والخروج بالبدائل.

 

خطر تفاقم غباء البشرية يلوح في الأفق بصورة تراكمية. مختبر الإعلام في "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" الأميركي أثبت أن الأفراد الذين يستخدمون نماذج اللغة الكبيرة، أو LLMs لكتابة المقالات يظهرون ضعفاً في الترابط الدماغي، وانخفاضاً في موجات ألفا (تذبذبات عصبية في الدماغ تنشأ في أوقات التفكير والتأمل والانخراط في التفكير الإبداعي) مقارنة بمن يكتبون بصورة مستقلة.

وهناك ما يسمّى بـ"مفارقة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي"، التي تحدث حين يتصاعد اعتماد الأفراد، بمن فيهم الأذكياء، على أدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين الأداء، مما يؤدي إلى خفض مستوى ذكائهم بمجرد إزالة أدوات الذكاء الاصطناعي، ويصعب عودتهم إلى ما كانوا عليه من ذكاء وقدرة ذهنية قبل بدء الاعتماد على الذكاء الاصطناعي.

وثبت وجود ما يسمى "تأثير غوغل"، أو تآكل القدرة على الاحتفاظ بمعلومات ومعارف في الذاكرة، وذلك بسبب معرفتنا أن "غوغل" وغيره من الأدوات قادرة على تخزينها واستعادتها وقت الحاجة بسهولة ويسر، مما يؤدي إلى انخفاض السعة الاستيعابية للذاكرة البشرية، إضافة إلى قصر فترات الانتباه.

ظلت الدراسات والبحوث تتأرجح وتؤرجح البشرية معها، بين "لا داعي للقلق من سطوة الذكاء الاصطناعي على الوظائف والترفيه والتربية والحياة"، و"لدينا كل دواعي القلق من سطوة الذكاء الاصطناعي"، إلى أن بدأت تتطرق إلى تأثير طويل المدى، وربما غير قابل للتغيير، في ذكاء البشر.

النبرة المتصاعدة التي تدق على وتر تأثر الذكاء البشري، ربما بصورة غير قابلة للتعديل، تثير الخوف، لا سيما أنه كل ما تبقى للبشرية. الأم التي ظلت تتفاخر بصغيرها المراهق الذي لا تسأله سؤالاً عن الطقس أو وصفة الدجاج بالباذنجان أو وضع مضيق هرمز الآن أو طريقة فتح حساب بنكي أو قانونية إغلاق باب المندب أو شرعية الإنفاق على الزوجة المطلقة أو أسباب ابتعاد روسيا والصين عن حرب إيران، حتى يعود إليها بإجابة منطقية ومعلومات شافية عافية، أصابتها نوبة هلع ثم بكاء مصحوب بقرارات عنترية تتعلق بنزع أجهزة، وإغلاق شاشات، ونزع وصلات إنترنت، وذلك بعدما انقطع التيار الكهربائي ذات مساء، فقالت متفكهة: في الأقل يشغلوا لنا السد العالي أم تأثر بسد النهضة؟ فإذ بالصغير يسألها: ما هذا السد العالي؟ وما هذا سد النهضة؟ وما علاقة الكهرباء بهما؟

وداعاً للمثابرة

العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والذكاء البشري عميقة وملتبسة، وحالياً دخلت طور الخطورة. الخطورة وثقتها دراسة أجراها باحثون أميركيون وبريطانيون وجرى نشرها قبل أسابيع عدة. العنوان خفيف مقارنة بالنتائج الثقيلة الوطأة التي خلصت إليها. "الذكاء الاصطناعي يقلل المثابرة ويضر بالأداء المستقل" العنوان تشير تفاصيله إلى أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، لتخفيف عبء العمل والنشاط والعمليات المعرفية قد يقوض قدراتنا الذاتية والعقلية.

وجدت الدراسة أن 10 دقائق فقط في استخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة على حل مسائل رياضية، أو فهم مقاطع مكتوبة، تؤدي إلى تراجع أداء الغالبية في القيام بالمسائل أو المهمات نفسها دون مساعدة. ولم يقتصر الأمر على تدهور أداء المعتمدين على الذكاء الاصطناعي بصورة متكررة في القيام بالمهمات المعرفية مقارنة بغيرهم من المعتمدين على أنفسهم، بل إنهم استسلموا، وأعلنوا عجزهم عن حل المسائل الصعبة أو فهم المقاطع المعقدة أسرع بكثير من أقرانهم ممن يكتفون بالعقل البشري.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استخدم الباحثون مثالاً لشرح ما يجري. معلم يدرب طالباً على البرمجة. يأتي الطالب سائلاً المعلم أن يحل مسألة برمجية، يساعده المعلم، ويجري حلها. يعود الطالب لمساعدته على حل مسألة ثانية، ثم ثالثة، وهلم جرا. يتوقف المعلم، ويفكّر قليلاً بعد إدراكه أن خطأ ما يحدث. يكتشف أن الطالب لا يتعلم البرمجة، بل يتعلم الاعتماد على المعلم لحل مسائل البرمجة، ويفقد القدرة على تعلم مهارات الحل، ولا يسعى إليها من الأصل.

وتشير الدراسة إلى مبدأ التعاون بين البشر، وأفضل المتعاونين هم من يقيمون توازناً بين تقديم المساعدة للآخرين، وبين تعزيز استقلالية من يحتاجون إلى المساعدة حتى لا يكونوا سبباً في ضررهم وسلبهم القدرة على الاعتماد على النفس. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي، بحكم تكوينه هو النقيض الصارخ لديناميكية المساعدة المتوازنة، فهو لا يرفض المساعدة أبداً، إلا لأسباب تتعلق بالسلامة، ويقدم إجابات فورية لأي سؤال أو استفسار. الذكاء الاصطناعي مفيد الآن، لكنه على المدى الطويل بالغ الخطورة، لأنه لا يبالي بما يلحق بالشخص الذي يساعده، والذكاء البشري الذي يعطله، والغباء أو فقدان القدرة على التفكير الصحي على المدى الطويل.

وحذر الباحثون من أن الأمر لا يقتصر على تراجع مستوى أداء الناس في المهمات الفكرية والمعرفية والبحثية، بل إنهم يتوقفون عن المحاولة. مشيرين إلى أنه لو استمرت هذه الآثار وهذا النوع من الاستخدام، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي ستكون سبباً في مخاطرة كبرى بالقدرات البشرية التي يفترض أنها صممت في الأصل من أجل دعمها.

قبل أيام قليلة، شهدت جنيف الحوار العالمي الأول من نوعه حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، الذي جمع بين حكومات وشركات تكنولوجيا وأكاديميين ومنظمات مجتمع مدني وتقني، وذلك تحت مظلة الأمم المتحدة.

الأمم المتحدة التي عادة تتبنى نهج تسليط الضوء على أهمية التقنيات الحديثة، وتثمين دور التمكين الرقمي من أجل التغيير الإيجابي والتنمية والتعبير الحر، وغيرهما، تبنت هذه المرة خطاباً قلقاً يحذر من مغبة ما يجري من اعتماد مفرط على الذكاء الاصطناعي.

الأمين العام أنطونيو غوتيريش قال محذراً إن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة هائلة، وتساءل "هل سنقوم بحوكمته معاً؟ أم سنسمح له بأن يحكمنا؟ علينا الآن تحويل هذه المشاركة العالمية إلى عمل عالمي لجعل الذكاء الاصطناعي أكثر أماناً وعدلاً وإتاحة وأخلاقية".

 

ما قاله غوتيريش أثار مزيداً من القلق، فإذا كانت المنظمة الأممية بلا حول أو قوة في وقف أو ضبط هذا الطوفان الرقمي الجارف، كيف تتعامل معه الأم التي فوجئت بـ"صفر معلومات" في رأس ابنها ما إن انقطع التيار الكهربائي ومعه العنكبوتي، أو البالغ العاقل الذي اعتاد سؤال "كلود" واستشارة "غاما" والدردشة مع "ديب سيك" وطلب النصيحة من "لانغوا" ثم استيقظ ذات صباح ليجد شركاتها قد ألغتها ومطوريها وقد ألغوها؟

قال الأمين العام إن الجيل الحالي هو الأرجح آخر جيل يضع قواعد تعايش الإنسان والآلة، مشيراً إلى أن الباب لا يزال مفتوحاً (للحوكمة والتقنين)، لكنه لن يظل مفتوحاً طويلاً، وأنه إذا أرادت البشرية للذكاء الاصطناعي أن يكون قوياً، فيجب أن يخضع للحوكمة. وأضاف أنه على رغم أن الذكاء الاصطناعي يقع في صميم مستقبل البشرية المشترك، فإنه يجب أن يكون مستقبلاً تستطيع فيه الآلات أن تعلم، أما من يحدد ويقرر، فهم البشر.

اللافت أن دولاً عدة، لا سيما تلك التي تجري استطلاعات، وتدشن دراسات، وتقيس توجهات تتعالى فيها تحذيرات على مدار أعوام من تعاظم دور وأثر التكنولوجيا الحديثة، بدءاً بالآلة الحاسبة، مروراً بالكتب المسموعة، ووصولاً إلى الذكاء الاصطناعي، وأثرها في قدرات ومهارات الأجيال الصغيرة. اليوم، التحذيرات لا تتعلق بمهارات القراءة وقدرات الكتابة، لكن بذكاء العقل نفسه، ودفعه نحو الكسل وقلة الاستعمال وتجريده من القدرة على التفكير، والنيل من نعمة الذكاء، والدفع صوب الغباء، بفعل فاعل.

الدراسة المشتركة بين بريطانيين وأميركيين تقر بأن القدرات الإدراكية البشرية لطالما تأثرت بالأدوات التكنولوجية الخارجية، من آلات حاسبة إلى إنترنت وخرائط ذكية وغيرها، إلا أن الذكاء الاصطناعي بصورته وإمكاناته وأدواته الحالية، فيفرض نوعاً جديداً من البنية الإدراكية على البشر. هي بنية قادرة على حل أي مشكلة، ولا تفرض المساعدة إلا في ما ندر، وتقدم الإجابات بدقة زر.

هذه الإمكانات التقنية الجبارة تؤدي، بحسب ما خلصت إليه الدراسة، إلى قصور كبير في الأداء المستقل للعقل البشري، والمثابرة، وهما قدرتان أساسيتان للتعلم مدى الحياة. وإذا كانت 10 دقائق استعانة بالذكاء الاصطناعي تصنع فرقاً في إمكانات التفكير ومهارات التدبير البشري، فإن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي عبر استخدام يومي، يؤدي إلى آثار تراكمية عميقة، قد يستحيل أو يصعب تصحيحها.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات