ملخص
تجعل مسودة الاتفاق حصر السلاح مشروطاً بانسحاب متزامن للجيش الإسرائيلي، في ما يعرف بـ"المزامنة العكسية".
وبين شرط الفصائل "ألا تسلم قطعة سلاح واحدة لإسرائيل"، وتوجس تل أبيب من "فيتو الخط الأصفر"، كيف يتحول النص السياسي إلى معضلة ميدانية؟
في لحظة سياسية فارقة تقف معها منطقة الشرق الأوسط على أعتاب تحول استراتيجي غير مسبوق، جاء إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب و"مجلس السلام" عن اتفاق تاريخي لنزع سلاح الفصائل في غزة وتشكيل إدارة فلسطينية جديدة.
التوصل إلى هذا الاتفاق يضع حداً لعقود من الصراع المسلح في غزة، إذ تقايض بموجبه الفصائل الفلسطينية نزع سلاحها بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع، وهذه معادلة أمنية جديدة ترهن تصفية الترسانة العسكرية بتراجع الجيش إلى حدود ما قبل الحرب.
ويقضي الملخص التنفيذي بسحب السلاح الثقيل والمتوسط من الفصائل وتخزينه تحت إشراف لجنة وطنية وفريق تحقق دولي، إلا أن البند الذي أحدث الضجة الكبرى هو "المزامنة العكسية المشروطة"، إذ يقضي بنقل الأسلحة الثقيلة والمتوسطة للفصائل إلى مخازن تجميع محلية تديرها حكومة التكنوقراط تحت رقابة فريق تحقق دولي، من دون تسليم قطعة سلاح واحدة لإسرائيل.
اتفاق تسوية تاريخي
قبلت حركة "حماس" بالفعل بهذه الصيغة، وأرجعت السبب في التنازل لحقن دماء الشعب الفلسطيني، لكنها اشترطت أنه "لا بدء في أي خطوة لتجميع السلاح أو تسليم المقار الإدارية من دون انسحاب إسرائيلي شامل وتزامن عكسي موثق من محاور القطاع كافة".
هذا الربط الذي يجعل كل خطوة في حصر السلاح مشروطة بانسحاب متزامن للجيش الإسرائيلي من المحاور الاستراتيجية و"الخط الأصفر"، فجر عاصفة من الجدل، فبينما اعتبرته الفصائل ضمانة لعدم الغدر بها، رأته المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ثغرة تسمح ببقاء البنية التحتية للمقاومة وتشرعن وجود سلاحها داخل القطاع.
وبغض النظر عما تراه إسرائيل والفصائل الفلسطينية، إلا أن قبول الفصائل الفلسطينية بنزع السلاح مقابل الانسحاب الإسرائيلي من غزة، يمنح الاتفاق ثقلاً استثنائياً، كونه المحاولة الأولى تاريخياً التي تقبل فيها المقاومة الفلسطينية تفكيك بنيتها العسكرية.
خريطة الطريق التنفيذية
في الواقع، هذا ما شجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للتبني الكامل لخريطة الطريق التي صاغها "مجلس السلام الدولي" بقيادة نيكولاي ملادينوف كحل نهائي وملزم لإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.
ما أعلنه ترمب ليس مقترحاً جديداً، بل هو "خريطة الطريق التنفيذية" المكونة من 15 بنداً، والتي صاغها الرئيس التنفيذي والممثل الأعلى لمجلس السلام الدولي نيكولاي ملادينوف وطرحها للمرة الأولى كإطار نقاش في إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي في الـ21 من مايو (أيار) الماضي.
تعد "خريطة الطريق التنفيذية" التي طرحها ملادينوف كإطار عمل يهدف إلى تحويل "خطة الرئيس الأميركي للسلام والازدهار في غزة" والمعنية بإنهاء الحرب إلى بنود تكتيكية قابلة للتطبيق.
هندسة الأمن التوافقية
بالمختصر تنص على "تفكيك كامل للبنية التحتية العسكرية وجمع السلاح الثقيل والمتوسط، وتدشين لجنة التكنوقراط وقوة شرطية جديدة تعمل مع قوة استقرار دولية، كما تحدد الخريطة ممرات إنسانية آمنة، وآليات ملزمة لإعادة الإعمار".
لم تكن المسودة المكونة من 15 بنداً مجرد نتاج لمفاوضات سريعة، بل جاءت ثمرة عمل استقصائي ودبلوماسي معقد جرت كواليسه على مدار أشهر بين القاهرة والدوحة وبدعم لوجيستي وسياسي مكثف من أنقرة.
وعكف خبراء قانونيون وأمنيون تابعون لـ"مجلس السلام" على صياغة التفاصيل، لترجمة المبادئ العامة لـ"خطة السلام والازدهار" الأميركية إلى آليات تكتيكية ملزمة وقابلة للتطبيق الميداني.
مراحل التفكيك المرحلي
جاءت الفكرة الجوهرية بابتكار معادلة "السلاح مقابل الانسحاب الشامل والإعمار" كصيغة متوازنة تعالج هواجس "حماس" وإسرائيل في وقت واحد.
يقول الممثل الأعلى لمجلس السلام الدولي نيكولاي ملادينوف "الهدف من هذه الهندسة ليس فرض شروط ميدانية أو تحقيق انتصار طرف على آخر، بل إيجاد مخرج أمني متوازن، فكل تقدم محرز في حصر السلاح يقابله انحسار جغرافيا الوجود العسكري الإسرائيلي لضمان عدم حدوث أي فراغ أمني".
وفي قلب هذه التفاهمات، يقع على عاتق اللجنة الوطنية لإدارة غزة المهمة الأكثر تعقيداً، وهي إدارة وتسلم مخازن تجميع السلاح المحيدة، بالتنسيق المباشر مع فريق التحقق الدولي.
والجديد في "خريطة الطريق" أنها صاغت معادلة أمنية غير مسبوقة في تاريخ الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وهي "نزع السلاح الشامل مقابل الانسحاب الكامل والإعمار". ولم يكن هذا الشرط سهلاً في المفاوضات، لكن مجلس السلام قسم الآلية التنفيذية إلى مراحل زمنية متقاطعة ومتزامنة، تهدف في نهايتها إلى تفريغ قطاع غزة من ترسانته القتالية وتحويله إلى منطقة منزوعة السلاح بالكامل.
تبدأ أولى هذه المراحل وأكثرها حساسية بـ"حصر وتجميع السلاح"، وينص هذا البند الفني على التزام الفصائل المسلحة بنقل أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والتي تشمل منصات الصواريخ ومدافع الهاون ومنظومات مضادات الدروع من المواقع الميدانية إلى مخازن ومراكز تجميع محددة جغرافياً داخل حدود قطاع غزة.
معضلة السلاح السيادي
في السياق شرح الباحث العسكري سمير الخواجا "الصعوبة التكتيكية لا تكمن في تجميع الأسلحة الظاهرة، بل في كيفية جرد الترسانة الكامنة في شبكات الأنفاق المعقدة، إذ يتطلب نجاح هذا البند خرائط تفصيلية قد لا تكون الأطراف مستعدة للكشف عنها في المراحل الأولى".
ولمعالجة العقدة السيادية، نص الاتفاق على أن هذا السلاح لن يسلم إلى إسرائيل أو إلى أي قوة دولية غازية، وسيوضع تحت إدارة وإشراف "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، وهي حكومة تكنوقراط جرى التوافق عليها لإدارة الشؤون المدنية والمعابر.
يرافق هذه اللجنة "فريق تحقق دولي محايد" يملك صلاحيات مراقبة المخازن لضمان عدم إعادة استخدامها أو تدويرها، وترتبط مراحل تجميع السلاح تصاعدياً بجدول زمني لانسحاب القوات الإسرائيلية من التجمعات السكنية والمدن، وصولاً إلى الانسحاب الكامل من نقاط الارتكاز الاستراتيجية مثل "محور فيلادلفيا" و"الخط الأصفر" الأمني العازل.
وعن هذا الأسلوب قال ملادينوف "عملية نزع السلاح لن تحدث بين عشية وضحاها، بل هي مسار مرحلي دقيق، وصمم النظام ليكون مشروطاً بالتحقق التام، وكل خطوة تقدم عليها غرف العمليات المشتركة للفصائل يقابلها انسحاب متزامن للجيش الإسرائيلي، لضمان عدم حدوث فراغ أمني".
وعلق الخواجا أن "المسودة وضعت مبدأ الخطوة مقابل الخطوة لتبديد الشكوك المتبادلة، حيث تربط تسهيلات المعابر وتدفق أموال إعادة الإعمار مباشرة بمدى التقدم المحرز في جرد المخازن وتأمينها، ما يجعل ملف الإعمار أداة ضغط ناعمة لضمان الامتثال".
في الواقع، قبول الفصائل بتجميع السلاح وتخزينه شرط "ألا يسلم قطعة منه لإسرائيل" هي معادلة تفتح الباب أمام العقدة الأمنية الأكثر تعقيداً في الاتفاق، وهي كيفية الانتقال بهذا الشرط من دائرة التعهدات السياسية إلى واقع الرقابة الميدانية.
شرط التنازل الاستثنائي
من جهة "حماس" والفصائل الفلسطينية، أطَّرت القيادة السياسية موافقتها على هذا البند بوصفها "تنازلاً استثنائياً فرضته الضرورة الإنسانية لحقن دماء الشعب الفلسطيني وإنهاء حرب الإبادة"، لكن "حماس" رهنت هذا التنازل بضمان عدم وقوع هذه الترسانة تحت يد الجيش الإسرائيلي، وبقاء السلاح محفوظاً داخل غزة تحت إدارة لجنة التكنوقراط وبحراسة شرطية محلية.
في هذا السياق، أوضح عضو الفريق المفاوض في حركة "حماس" غازي حمد خلفيات هذا القرار قائلاً "الحركة تقدم هذه التنازلات من أجل أبناء شعبنا في غزة، ولحمايتهم من القتل والتهجير، إسرائيل لن تتدخل إطلاقاً في قضية السلاح، ولن يكون لها أي دور في الإشراف عليه أو تسلمه".
مخاوف الانفجار
ولضمان تنفيذ عدم تدخل كل من "حماس" أو إسرائيل في السلاح بعد حصره، سيتولى فريق تحقق دولي محايد حصر مخازن التجميع وتأمينها من دون حراسة عسكرية أجنبية مباشرة، إذ يتم نشر أجهزة مراقبة إلكترونية واستشعار حراري، إلى جانب بوابات رقمية وتفتيش دوري مفاجئ يُجريه الفريق المرتبط باللجنة الوطنية، لضمان عدم سحب أو إعادة تدوير السلاح المتوسط والثقيل خارج الأماكن المحددة جغرافياً.
في هذا الوقت، أوضح الباحث العسكري سمير الخواجا أن "الرقابة الدولية على المخازن أمر مقدور عليه تكنولوجياً ولوجيستياً، لكن المعضلة الشائكة تكمن في الأنفاق والترسانة المخبأة، فالفصائل لن تفرغ كلياً ما تحت الأرض إلا بعد التيقن من الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وتل أبيب لن تثق بأي جرد لا يشمل تفكيك شبكات الأنفاق بالكامل"، وأشار الخواجا إلى أنه بسبب التوجس المتبادل وجد الشرط الانعكاسي، والذي بموجبه تتمسك الفصائل بمبدأ صارم مفاده "إذا لم تلتزم إسرائيل بالانسحاب الموثق والمزامن من أي محور، فلن ينفذ بند واحد في تجميع السلاح أو تسليم المقار".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
توجس المؤسسة العسكرية
وأظهر الخواجا أن الاتفاق يبدو أنه مفخخ، إذ يتوقف صموده بالكامل على دقة تنفيذ الساعات الأولى من الجدول الزمني، "فأي توقف إسرائيلي عند الخط الأصفر، أو أي مناورة في إعادة فتح المعابر، قد يقرأ ميدانياً كنكوث بالضمانات، مما يمنح الفصائل غطاء فورياً لوقف تجميع السلاح ما يجعل النص قابلاً للانفجار والانهيار عند أول نقطة تماس".
في المقابل، ينظر المستوى العسكري الإسرائيلي بأسره إلى الجدول الزمني الطويل للاتفاق ببالغ التوجس، متخوفاً من أن المزامنة البطيئة قد تمنح الفصائل متنفساً لإعادة تنظيم صفوفها أو المناورة في تسليم الشبكات المعقدة للأنفاق.
في تحليله العسكري رأى كبير المحللين العسكريين في صحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل أن الفكرة المعقدة القائمة على المزامنة المرحلية تجعل إسرائيل في وضع مخاطرة تكتيكية، "المعضلة الأساسية بالنسبة إلى لمؤسسة الأمنية تكمن في ثغرة المزامنة البطيئة"، مضيفاً "الربط التدريجي بين الانسحاب ونزع السلاح يثير توجساً أمنياً حقيقياً في تل أبيب، إذ تخشى محاولات استغلال الجدول الزمني للتعافي والمناورة. النص لن يصمد إذا احتفظت الفصائل بكتلتها الصلبة داخل الأنفاق وتحت الأرض".
من جانبه قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير "الجيش يعمل وفق توجيهات أمنية لا تتنازل عن التفكيك الكامل والناجز للبنية التحتية العسكرية، وأي اتفاق أو مهلة زمنية يجب ألا تتحول إلى غطاء لإعادة تنظيم القوى أو إخفاء القدرات الهجومية".
"فيتو" "الخط الأصفر"
تبدي المؤسسة العسكرية والحكومية في إسرائيل رفضاً قاطعاً للانسحاب الكامل من "الخط الأصفر" والمناطق الأمنية العازلة قبل التفكيك التام للبنية التحتية العسكرية لـ"حماس".
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "أي ترتيبات مرحلية لن تثني إسرائيل عن التمسك بالسيطرة الأمنية المطلقة، ولن يكون هناك انسحاب كامل أو تخلي عن المناطق العازلة ومحور فيلادلفيا إلا بعد التحقق الميداني المباشر من تجريد غزة من السلاح وتفكيك شبكة الأنفاق بالكامل".
في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية قناعة بأن التراجع عن الخطوط العازلة قبل التجميع الفعلي للسلاح تحت الأرض يشكل انكشافاً أمنياً خطراً لبلدات الغلاف.
في السياق رأى الباحث السياسي راشد أبو شرار أن نتنياهو يقف أمام "هامش مناورة سياسي ضيق للغاية، إذ لا يملك القدرة أو الرغبة السياسية لتمرير صيغة تبقي على أطنان من الذخائر والمقذوفات محيدة إدارياً داخل الحدود المفتوحة للقطاع من دون تدميرها بالكامل".
رسائل النار التفاوضية
ميدانياً، عقب التوصل إلى الاتفاق لم يهدأ القصف على غزة، على رغم أن خريطة الطريق مفعمة بلغة الدبلوماسية والتسويات الهادئة ومبادئ التجريد المتزامن للسلاح، لكن على الواقع تتواصل لغة النار، فهل يعكس هذا التصعيد انفصالاً كاملاً عن مسار المفاوضات؟ أم أنه أداة تكتيكية أمنية تدار بدقة لتوجيه الرسائل؟
أجاب الباحث السياسي منتصر الهباش قائلاً "التصعيد الميداني المكثف في هذه اللحظات الفاصلة لا يعني بالضرورة انهيار المسار السياسي، بل يمثل في جوهره عملية عصر وتضييق تمارسها الأطراف لتحسين شروط التفاوض في اللحظة الأخيرة، إسرائيل تسعى عبر القصف واستهداف القيادات الميدانية إلى تجريد الفصائل من أي أوراق قوة قبل التوقيع النهائي وتثبيت واقع الردع المبكر، بينما تحاول الفصائل من جانبها إثبات أن قدرتها على التعاطي العملياتي لا تزال قائمة، للحد من سقف الشروط وتأكيد أن أي نزع للسلاح لن يكون تحت الترهيب".
في قلب هذه المعادلات، وفي أزقة المخيمات ومراكز النزوح المكتظة، يطغى صوت الناس المطالب بوقف شلال الدم وإعادة ترتيب أولويات البقاء.
وقال محمد العطار "الناس وصلوا إلى مرحلة باتوا فيها عاجزين عن تحمل استمرار هذا النزف، نريد حلاً يوقف القتل فوراً ويرغم إسرائيل على الانسحاب الشامل وإعادة فتح المعابر، إذا كان ثمن حماية ما تبقى من أطفالنا وبيوتنا هو اتفاق يحيد السلاح ويضمن الانسحاب، فنحن مع أي خطوة تعيد لنا حقنا في الحياة".
من ناحيتها، رأت خلود عثمان أن "الخوف الأكبر بالنسبة إلينا ليس من تخزين السلاح في حد ذاته، بل من أن نصبح بلا حماية أو سقف أمني، نخشى أن ينتهي الاتفاق بتفكيك القدرات المحلية، بينما نقع في فوضى أمنية داخلية، نريد سلاماً يضمن كرامتنا وأماننا".