ملخص
مباراتا إيرلندا وإسرائيل تتحولان إلى حدث استثنائي وسط احتجاجات واسعة بسبب الحرب على غزة، وإجراءات أمنية مشددة، وضغوط سياسية وجماهيرية، بينما يتمسك الطرفان بإقامة المواجهتين على رغم الجدل المتصاعد.
على بعد نحو كيلومترين من ملعب "أفيفا" في جمهورية إيرلندا، الذي لن يستضيف مباراة الذهاب على أرضها في مواجهتي دوري الأمم الأوروبية أمام إسرائيل، الأسبوع المقبل، توجد إشارة واضحة إلى السبب. إذ تزين مبنى "ليبرتي هول" في دبلن، مقر أكبر نقابة عمالية في البلاد، لافتة ضخمة تحث المنتخب الوطني على "إيقاف المباراة".
وهذا هو أيضاً اسم الحملة الشعبية التي تقف وراء اللافتة، التي تضيف "احتكموا إلى ضمائركم، لا تشاركوا في الإبادة الجماعية".
وذهب مدرب إيرلندا هيمير هالغريمسون أبعد من الكلمات الأخيرة خلال إعلانه قائمة المنتخب الأسبوع الماضي، قائلاً "نحن لا نلعب مع الإبادة الجماعية، بل نلعب ضد الإبادة الجماعية. نحن نلعب ضد إسرائيل، ولا نلعب مع إسرائيل".
وأثار هذا الخطاب الحاد مفاجأة، لكنه عكس إلى حد كبير حالة المجتمع الإيرلندي الذي تحرك بقوة ضد هذه المباراة، في وقت أثار فيه غضب إسرائيل.
وعلى رغم أن جهات مثل لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة وصفت الصراع في غزة بأنه "إبادة جماعية"، فإن ذلك لم يثبت حتى الآن أمام محكمة دولية، فيما تنفي إسرائيل هذا الاتهام.
رد إسرائيل وتصاعد التوتر قبل المباراتين
وقال متحدث باسم الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم "من المستحيل أن تقول إن هناك إبادة جماعية ضدنا وألا نرد عليه"، فيما أضاف منشور رسمي على وسائل التواصل الاجتماعي "لم نجد حتى الآن علاجاً للغباء والجهل والنفاق، التي أظهرها (هالغريمسون). نحن لا نلعب مع الجهل والنفاق والغباء، بل نلعب ضد المدرب الذي يجسدها".
وأفيد بأن الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم يدرس تقديم شكوى إلى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، وسط توقعات بأن اللاعبين لن يتبادلوا القمصان بعد صافرة النهاية، وأن مدرب إسرائيل ران بن شيمون لن يصافح نظيره هالغريمسون.
وكل ذلك حدث يوم الإثنين، أي قبل ستة أيام من المباراة الأولى، وليس مستغرباً أن يلغي الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم جميع الارتباطات الإعلامية باستثناء تلك التي يفرضها "يويفا"، فيما وصف رئيس الاتحاد ديفيد كورييل المواجهتين بأنهما "مباراتان فريدتان من نوعهما".
وتخوض إسرائيل مباراتها "على أرضها" في مدينة ديبريتسن المجرية الأحد المقبل، قبل أن تستضيف إيرلندا مباراة الإياب، الأحد التالي بمدينة باتشكا توبولا الصربية.
ولن تبث هيئة الإذاعة الإيرلندية "آر تي إي" سوى النقل المباشر للمباراتين من أجل الوفاء بالتزاماتها التعاقدية، من دون أية تغطية إضافية، بعدما جرى تجريد المواجهتين من جميع الجوانب التجارية المعتادة.
وستحمل اللوحات الإلكترونية في صربيا رسائل عن "الاحترام" فقط، كما لن تقام مراسم تقليدية مثل تناول الطعام مع مسؤولي الفريق المنافس.
الغضب الإيرلندي يفرض إجراءات استثنائية
ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى الغضب العميق في إيرلندا إزاء الوضع في غزة، وهو ما أسهم في ما وصفتها شخصيات مختلفة في كرة القدم، من بينهم مسؤولون كبار في "يويفا"، بأنها ظروف "غير مسبوقة" لمباراتين بين بلدين لا يعيشان حالة صراع، وقال أحد المصادر "لم أشهد شيئاً كهذا من قبل".
وفي إيرلندا، هيمن النقاش في شأن رفض خوض المباراة على الخطاب الوطني، مع انتقادات شديدة للاتحاد الإيرلندي لكرة القدم بسبب "الجبن".
وكان وكيل اللاعبين الإيرلندي فينتان دروري، الذي نشر كتابين ينتقد فيهما دعم الغرب لإسرائيل، أحد أبرز الأصوات في هذا السياق.
وقال "الدعم الشعبي لفلسطين يخنقه الجبن المؤسسي، بدءاً من حكومة تتحدث بلسانين. وقد جعل لامبالاتها من الأسهل على مجلس إدارة الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم التراجع عن دعوته إلى ’يويفا‘ لحظر إسرائيل، ثم اتخاذ قرار بخوض المباراتين عندما وجد نفسه في مواجهتها".
وأحد أسباب إقامة مباراة إيرلندا على أرضها في صربيا هو ما وصفه كورييل بـ"التحديات التشغيلية"، التي "قد تؤثر في إقامة المباراة" في دبلن.
وكانت أية مباراة من هذا النوع ستواجه احتجاجات كبيرة ضد "تطبيع" وجود إسرائيل، في هذه اللحظة التاريخية المفصلية.
مخاوف أمنية وتجارب سابقة للمنتخب الإسرائيلي
وفي إسرائيل، يرى بعض المقربين من المنتخب أن هذه الخطوة تأتي امتداداً لمباريات مماثلة خاضها الفريق خلال السنوات الثلاث الماضية، ولا سيما مباراة خارج أرضه أمام النرويج في تصفيات كأس العالم في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.
وشملت مثل هذه الرحلات سفر 16 عنصراً من جهاز الموساد وانتشار قناصة فوق الفنادق، وسط شعور بعدم وجود وعي كاف بكيفية تأثر المجتمع، بمن في ذلك اللاعبون القلقون، بهجوم "حماس" في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
وفي ما يتعلق بهذه المباراة تحديداً، أشار بعضهم إلى الرمزية التي يرونها في كون إيرلندا واحدة من دول قليلة جداً غير قادرة على استضافة إسرائيل بأمان، بخلاف منافسيها الآخرين في المجموعة، كوسوفو والنمسا.
وأعربت مصادر في كرة القدم الأوروبية بالفعل عن تعاطفها مع الاتحاد الإيرلندي بسبب السير على حبل دبلوماسي مشدود، لكن هناك أيضاً شعوراً بالإحباط داخل الاتحاد الإيرلندي من ترك قرار خوض المباراة على عاتقه.
وأعرب كورييل عن "رغبته" في أن "تتخذ مثل هذه القرارات على مستوى آخر"، وردد هالغريمسون هذا الموقف، مشيراً إلى مقارنة شائعة مع روسيا، قائلاً إنه لم يحصل على "تفسير لسبب حظر أحدهما وعدم حظر الآخر".
لكن الإجابة في الواقع هي أن الأمر يتعلق أساساً بالدول نفسها.
موقف "يويفا" و"فيفا" من مشاركة إسرائيل
ويتمثل الموقف العام لدى (يويفا) و(فيفا) في عدم حظر الاتحادات، انطلاقاً من فكرة أن المنتخب الوطني منفصل عن الدولة القائمة حالياً، وهو ما يمكن أن تستشهد به إسرائيل أيضاً بالإشارة إلى اللاعبين العرب في منتخبها، فضلاً عن التردد المفهوم في الاضطرار إلى الفصل بصورة متكررة في النزاعات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبالتالي، لم يحظر "فيفا" أو "يويفا" روسيا بصورة استباقية عقب الحرب على أوكرانيا. واضطرا إلى التحرك بعد رفض بولندا خوض مباراة الملحق المؤهلة لكأس العالم، بدعم من دول عدة أخرى.
ومع ذلك، فهناك اعتقاد أن قيادة "يويفا" تأثرت بشدة بإلحاح الوضع في غزة في أكتوبر 2025، إلى درجة إجراء مناقشات غير رسمية في شأن تصويت محتمل على حظر إسرائيل، قبل أن تؤجل مفاوضات السلام ذلك. وجاء ذلك قبيل مباراة النرويج، التي استشرفت إلى حد كبير ما ستواجهه إيرلندا.
سابقة النرويج وإيطاليا والجدل حول المقاطعة
وأحاطت احتجاجات "أوقفوا المباراة الدولية" بمباراة كانت أكبر حدث رياضي في البلاد من حيث الإجراءات الأمنية، منذ دورة الألعاب الأولمبية الشتوية عام 1994.
وخضعت رئيسة الاتحاد النرويجي لكرة القدم ليسه كلافينس لمؤتمر صحافي متوتر، بعدما كانت قد قادت في وقت سابق الدعوات إلى حظر إسرائيل.
وشددت كلافينس على أن موقفها لم يكن بسبب استنتاج لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة أخيراً، بل بسبب مخالفة الفرق الإسرائيلية قواعد "فيفا" المتعلقة بخوض المباريات على أراض محتلة.
وكان الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم قد طرح هذه الحجة أولاً أمام "فيفا"، قبل أن يرددها الاتحاد الإيرلندي أمام "يويفا" في 2024.
ولم يصدر مجلس مستقل تابع لـ"فيفا" حكماً في شأنها، مستشهداً بـ"الوضع القانوني غير المحسوم" للضفة الغربية، على رغم أن محكمة العدل الدولية قضت بأن الاحتلال غير قانوني.
وشهدت مجموعة التصفيات نفسها إقامة إيطاليا مباراتها أمام إسرائيل في ملعب "ستاديو فريولي" الصغير في أوديني، أيضاً لدواع أمنية. وكانت المدينة عملياً تحت حصار عسكري، بينما حاول سياسيون محليون منع إقامة المباراة.
وكانت أوديني قد استضافت أيضاً كأس السوبر 2025 قبل شهرين، عندما رفع تمائم "يويفا" لافتات كتب عليها "أوقفوا قتل الأطفال، أوقفوا قتل المدنيين"، وقالت مصادر عدة إن المسؤولين الإسرائيليين كانوا غاضبين من "النفاق" و"الانحياز إلى أحد الأطراف".
في المقابل، تبرعت النرويج بعائدات مباراتها لمنظمة أطباء بلا حدود، لكن لا هي ولا إيطاليا فكرتا في اتخاذ خطوة منفردة بمقاطعة المباراة.
العلاقات الإيرلندية - الفلسطينية وتحديات الاتحاد
ولم تلق مثل هذه المواقف قبولاً لدى قطاعات واسعة من المجتمع الإيرلندي، وهي دولة ينظر إليها على نطاق واسع باعتبارها الأكثر تأييداً لفلسطين في أوروبا.
ويعود هذا الارتباط لأكثر من قرن، حين كان المسؤولون الاستعماريون البريطانيون أنفسهم يخدمون في البلدين، وكثيراً ما عقدت مقارنات، خصوصاً مع إيرلندا الشمالية.
وكانت إيرلندا في عام 1980 أول دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تدعو إلى إقامة دولة فلسطينية، أو كما قال أحد الشخصيات في كرة القدم الإيرلندية "صور الأطفال القتلى يجب أن تكون كافية".
غير أن تعقيدات هذه العلاقات تتضح أيضاً من الطريقة التي أدت بها الحيادية الضرورية، خلال الحرب العالمية الثانية، إلى توتر العلاقات مع إسرائيل منذ ذلك الحين.
وفي نهاية المطاف، يرى المقربون من المنتخب الإسرائيلي أن وضعهم ودور "حماس" لا ينقلان بصورة كاملة في إيرلندا. ولهذا السبب كان هناك استياء داخل الاتحادين عندما أجريت القرعة، لكن أياً من ذلك لم يصل إلى حد رفض خوض المباراة.
ويصر الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم على أنه يتعين عليه مراعاة المصالح طويلة الأمد لكرة القدم الإيرلندية، مشيراً إلى أن المقاطعة قد تكلف أكثر من 5.5 مليون يورو (6.25 مليون دولار)، بعدما حذر أعضاءه أيضاً من عقوبات إضافية. ومع ذلك، يتضح ضيق هامش المناورة الذي يتحرك فيه الاتحاد من إصرار كورييل على أن "يويفا" لم يوجه أي تهديدات من هذا النوع.
وقد يكون أحد الاختبارات لموقف الاتحاد الإيرلندي هو أن محكمة التحكيم الرياضية أيدت رفض بولندا خوض مباراة أمام روسيا، لكن من المشكوك فيه أن يشكل ذلك سابقة، إذ استند "فيفا" و"يويفا" إلى مبررات تتعلق بالسلامة أو إلى تعليق روسيا، حتى عندما كانت المباريات تقام على ملاعب محايدة.
والأهم أن ذلك القرار جاء في ظل تهديد دول عديدة بالمقاطعة، أما إيرلندا فسيتعين عليها المخاطرة بالعقوبة بمفردها.
وأكد كورييل أن الاتحاد الأيرلندي يواصل جهود الضغط من أجل حظر إسرائيل، لكن هناك تشكك في ذلك بين أعضائه وكذلك داخل (يويفا)، وتقول اتحادات أعضاء أقرب إلى إيرلندا إنها لا تعلم بأي تحركات من هذا النوع.
ومع ذلك، ألمح "يويفا" إلى أنه قد يدرس في المستقبل فصل الدول عن بعضها بناء على مثل هذه التوترات، وقد تكون تلك إحدى تبعات هذه المباراة.
وفي خرق آخر وحيد للبروتوكول، ناقش الاتحاد الإيرلندي المباراة مع لاعبيه ومدربه. وقال هالغريمسون "لا يشعر أي منا بالارتياح لخوض هذه المباريات، لكن بمجرد أن قررنا خوضها، فإننا جميعاً نتكاتف ونلعب كفريق واحد".
كما يدرك بعض اللاعبين أن دوري الأمم الأوروبية قد يؤثر في التأهل إلى كأس أوروبا 2028، التي تستضيفها إيرلندا بالاشتراك مع بريطانيا. وقال أحد المصادر "الأمر سيحدث"، مضيفاً أن "على اللاعبين التعامل معها باعتبارها مجرد مباراة أخرى".
لكن كل ما يحيط بها يشير إلى أنها أبعد ما تكون عن ذلك.
© The Independent