Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

باب المندب بين التحرش الحوثي والتحذير الجيبوتي

يطالب مراقبون بسرعة تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر للتعامل مع الموقف

رجل يسير أمام لافتة انتخابية لدعم رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيله قبل فوزه في الانتخابات (أ ف ب) 

ملخص

تسيطر جيبوتي واليمن وإريتريا على مضيق باب المندب الذي أضحى يكتسب أهمية استراتيجية كبرى، خصوصاً بعد سلسلة من الإغلاقات التي تعرض لها مضيق هرمز، كأحد تداعيات الحرب في إيران.

لم تقف الرئاسة الجيبوتية صامتة أمام تهديدات ميليشيات الحوثيين بفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق باب المندب، مؤكدة أن مثل هذا الإجراء يعد مخالفاً للقانون الدولي، خصوصاً أن المضيق يمر من خلاله نحو 20 في المئة من الملاحة الدولية.

وأمام اعتبار الرئاسة الجيبوتية أية محاولة فرض رسوم للعبور من مضيق باب المندب تهديداً لأمن الملاحة والتجارة العالمية، أكدت في بيان لها "احتفاظها في حقها اللجوء إلى جميع الوسائل المتاحة لحماية حقوقها السيادية وضمان سلامة الملاحة في البحر الأحمر".

يتزامن هذا الموقف الجيبوتي مع حديث مصادر إقليمية عن أن ميليشيات الحوثيين، المدعومة من إيران، تعتزم فرض رسوم عبور على معظم السفن التجارية المارة عبر مضيق باب المندب، في حين يرجح إعفاء السفن الصينية من هذه الرسوم.

وفي وقت لاحق نفى مركز تنسيق العمليات الإنسانية الذي ​يديره الحوثيون في بيان التقارير التي أفادت بأنه يعتزم فرض رسوم على السفن التجارية ‌العابرة لمضيق ‌باب ​المندب، ‌مؤكداً أنه ​لم يتم اتخاذ أي قرار من هذا القبيل، وأن المرور عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي لا يزال ‌مجانياً.

ويمثل البيان الجيبوتي أول رد رسمي على تهديدات ميليشيات الحوثيين بتعطيل الملاحة الدولية، أو إخضاعها لشروط جديدة، ارتباطاً بتطورات الحرب الأميركية - الإسرائيلية التي استهدفت إيران.

وتسيطر جيبوتي واليمن وإريتريا على مضيق باب المندب الذي أضحى يكتسب أهمية استراتيجية كبرى، خصوصاً بعد سلسلة من الإغلاقات التي تعرض لها مضيق هرمز، كأحد تداعيات الحرب في إيران.

وتسعى الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية إلى ضمان سير الملاحة الدولية في البحر الأحمر، بخاصة السفن المحملة بالنفط العربي في طريقها إلى الدول الأوروبية والأميركية.

وأجرى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس الأسبوع الماضي لقاءات في العاصمة المصرية القاهرة مع ممثلي عدد من الدول المطلة على البحر الأحمر والمحيط الهندي، بغرض تأمين الملاحة الدولية، من بينها لقاؤه مع وزراء خارجية كل من إريتريا والصومال ومصر.

وكانت الولايات المتحدة أعادت تفعيل علاقاتها السياسية مع إريتريا بعد سنوات من الانقطاع، مما اعتبر تغليباً للأهداف الاستراتيجية المتعلقة بحماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر، إذ إن أسمرة تمتلك ساحلاً بحرياً يمتد لأكثر من 1100 كيلومترات، يبدأ من مداخل المضيق، بجانب امتلاكها لمجموعة كبيرة من الجزر، مما يؤهلها للعب أدوار أمنية وعسكرية في الترتيبات الأمنية والاستراتيجية لضمان السير الآمن للملاحة عبر البحر الأحمر.

أوروبا على الخط

في السياق ذاته حذرت عملية "أسبيدس" البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي من تصاعد تهديدات الحوثيين للملاحة الدولية في البحر الأحمر، معتبرة أن استهداف السفينة التجارية "أم في إنسيليا" يمثل تحولاً لافتاً في استراتيجية الجماعة الرامية إلى استخدام البحر كورقة ضغط لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية.

وأوضحت العملية الأوروبية أن التحركات الأخيرة للحوثيين تشير إلى توجه متزايد نحو توظيف الهجمات البحرية للضغط من أجل تحقيق مطالب، من بينها إعادة تشغيل الموانئ والمطارات الواقعة تحت سيطرتهم.

وأعلنت "أسبيدس" رفع مستوى الخطر في جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب من متوسط إلى مرتفع، في إشارة إلى جدية التهديدات التي أطلقها الحوثيون، بجانب تنامي أنشطة القرصنة في بعض السواحل الصومالية.

ويرى مراقبون أن التحذير الجيبوتي الأخير قد يمثل بداية لعمليات دولية تهدف إلى إحباط خطط الحوثي، بخاصة وأن جيبوتي تستضيف ست قواعد عسكرية أجنبية، تعود لكل من فرنسا والولايات المتحدة واليابان والصين وإسبانيا وإيطاليا.

ويقول مختصون شؤون منطقة البحر الأحمر إن الحرب في إيران تشهد تغيرات واسعة مع اتساع دائرة المواجهة وامتداد العمليات العسكرية والإجراءات المتبادلة إلى مناطق خارج الأراضي الإيرانية، ويمثل مضيق باب المندب إحدى المناطق المحتملة للمواجهة.

التزامات القانون الدولي

من جهته قال عبدالرحمن بري، المختص في الشأن الجيبوتي، إن التحذيرات التي أصدرتها بلاده، تنطلق من أساس المصلحة الوطنية بالدرجة الأولى، لأن استهداف السفن في المناطق التي تشرف عليها جيبوتي أو فرض رسوم على عبورها يمثل خرقاً لسيادتها بجانب كونه انتهاكاً للقانون الدولي.

وأوضح بري أن جيبوتي ظلت تتابع الأحداث والتهديدات التي تستهدف الملاحة الدولية عبر البحر الأحمر بمزيد من "ضبط النفس" إلا أن التقارير الأمنية والإعلامية الأخيرة حول رغبة ميليشيات الحوثيين بفرض رسوم مرور على السفن، رفعت من درجة الخطر على المصالح الجيبوتية، مما يتطلب تدابير أمنية وعسكرية رادعة، مشيراً إلى أن بلاده تتحمل مسؤولية تأمين الملاحة الدولية في المناطق الخاضعة لسيادتها.

ونبه إلى أن ثمة مصلحة دولية وإقليمية مشتركة لحماية الملاحة عبر البحر الأحمر، مؤكداً أن جيبوتي لن تسمح بتحويل الممر المائي في باب المندب كامتداد لحروب أخرى سواء في إيران أم غيرها من المناطق.

وأكد أن تقاطع المصالح الدولية في شأن تأمين الممرات والمضايق المائية، لا يعني دعوة جيبوتي إلى تحالف دولي لحماية حدودها وسواحلها، مشيراً إلى أن القوات الجيبوتية قادرة على حماية سيادتها والقيام بالالتزامات المتعلقة بتأمين السفن. وقال إن العبارة الواردة في البيان الرئاسي والمتعلقة بـ"احتفاظ البلاد في حقها للجوء إلى جميع الوسائل المتاحة لحماية حقوقها السيادية"، توضح قدرتها على وضع حد لأي تحديات أمنية وعسكرية.

وأشار إلى أنه في حال تدخل قوى إقليمية لدعم الحوثيين في مسعاهم المتعلق بتعطيل الملاحة، فإن الدولة الجيبوتية تحتفظ أيضاً في حقها في تفعيل الاتفاقات الدفاعية المشتركة مع دول كبرى تمتلك أساطيل عسكرية في المنطقة.

تهديد محتمل ولكن

عبدالرحمن بري المختص في الشأن الجيبوتي رأى أيضاً أن الأوضاع حتى الآن لم تتجاوز واقع التهديدات المحتملة، ومن ثم ينبغي التعاطي معها بالمنطق ذاته، مما يبرر البيان الرئاسي الذي تضمن تحذيراً واضحاً، كي لا تتطور الأوضاع إلى المواجهة العسكرية المباشرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولفت الانتباه إلى أن تأمين الملاحة الدولية وسلامتها يعد جزءاً من التزام الدول الساحلية وفقاً لاتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار، الذي يلزم الدول الساحلية بحماية الممرات البحرية الحيوية، سواء في المياه الإقليمية التي تمتد حتى 12 ميلاً بحرياً من الساحل، أم المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تمتد حتى 200 ميل بحري، وأعالي البحار لجميع الدول، مؤكداً أن الاتفاق ينص على التوازن بين حقوق الدول الساحلية في استغلال الموارد البحرية وحقوق الدول الأخرى في حرية الملاحة.

تنبيه مبكر

من جهته اعتبر محمد السيد سعيد المحلل المصري المختص في العلاقات الدولية أن دول حوض البحر الأحمر تنبهت للتحديات الأمنية والعسكرية في البحر الأحمر منذ وقت مبكر، مما دفعها لتأسيس "مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن"، الذي يضم كلاً من السعودية ومصر والسودان والأردن وإرتيريا واليمن وجيبوتي والصومال في عام 2020.

وتابع "على رغم حداثة تجربة هذا المجلس، وعدم انتظام اجتماعاته، فإنه يعد الهيئة الأولى المنوط بها مسؤولية مجابهة التحديات الأمنية والعسكرية في حوض البحر الأحمر وعلى رأسها تأمين الملاحة الدولية في هذا الممر المائي المهم، الذي يعبره نحو 23 ألف قطعة بحرية سنوياً، مما يجعله شرياناً مهماً للتجارة العالمية، وأحد أهم الممرات البحرية الرئيسة بين البحرين الأحمر والمتوسط".

وذكر أن أي تهديد للنشاط الملاحي في مضيق باب المندب يرتبط ارتباطاً عضوياً بالملاحة الدولية في شمال البحر الأحمر وقناة السويس، موضحاً أن دول المنطقة، وبخاصة كل من مصر والسودان وإريتريا والصومال ظلت تكثف من تنسيقها الأمني والعسكري خلال الفترة الماضية، لوضع خطط لديناميات الأمن والاستقرار في محيط البحر الأحمر، ومواجهة أي تحديات محتملة.

تنسيق الضرورة

محمد السيد سعيد المحلل المصري المختص في العلاقات الدولية أكد في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة انضمت لهذا التنسيق أخيراً، عبر محادثات مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس في القاهرة.

وأوضح سعيد أن ثمة ضرورة أمنية راهنة لإعادة تفعيل أعمال مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وألا يترك الأمر للتنسيق الأفريقي - الأفريقي فقط، وأضاف أن السعودية تعد المستهدف الأول من أنشطة الحوثيين ومن ثم فإن دورها مركزي في هذا الشأن، إذ تطرحه الضرورة الأمنية والاستراتيجية، مشيراً إلى أن الدول الثماني قادرة على تأمين البحر الأحمر من دون الحاجة إلى تدخل أي دول أخرى.

وأعاد التذكير بالمواقف المصرية المعلنة، بأن "حماية الأمن والاستقرار في حوض البحر الأحمر يعد مسؤولية حصرية للدول المطلة عليه".

وأوضح أن بيان الرئاسة الجيبوتية يعد وثيقة مهمة، لأن جيبوتي تعد إحدى الدول المشرفة على المضيق، ومن ثم المستهدف المباشر من أي إجراءات أو تدابير تستهدف المضيق، إلا أن الحل ينبغي أن يأتي جماعياً من مجلس دول البحر الأحمر، نظراً إلى جدية التهديدات، وكونها ناتجة من الأساس من أطراف خارج الإقليم، إذ لا يمكن إنكار أنها أحد تداعيات الحرب الإيرانية، مما يستدعي موقفاً موحداً للدول المطلة على البحر الأحمر، كي لا يتحول هذا الحوض إلى ساحة جديدة لحرب إقليمية، تدفع شعوب المنطقة كلفتها المالية والبشرية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير