Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بفعل الغلاء... الأردنيون يهجرون "التخزين" إلى الاستهلاك الفوري

قيمة فاتورة المشتريات الواحدة انخفضت بينما ازداد عدد مرات زيارة الزبائن للمتجر خلال الأسبوع

القيم الاستهلاكية في البيت الأردني تغيرت لدى الجيل الجديد إذ يشتري عند الحاجة ويقلل الهدر ويعتمد على التطبيقات والتوصيل (غيتي)

ملخص

هكذا دفعت ضغوط غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، جراء ثبات الأجور، المواطنين إلى تعديل سلوكهم الاستهلاكي والتكيف مع أعباء المعيشة

في أحد المتاجر الكبرى غرب العاصمة عمان، يقف رجل أربعيني أمام رفوف الخضار، يقلب حبات الطماطم بين يديه قبل أن يختار ثلاثاً فقط ويضعها في كيس صغير، ينتقل بعدها إلى قسم الألبان، ثم يتوقف عند الثلاجات ليطلب قطعتين من صدور الدجاج، بعدها يضيف ربطة خبز وزجاجة حليب إلى سلته.

في الجهة المقابلة، تطلب سيدة من عامل المتجر أربع بيضات فقط، بينما يضع أحدهم في سلته بصلة واحدة وثمرة ليمون. في مشهد لم يعد يثير دهشة أحد، بعد أن أصبح جزءاً من الحياة اليومية.

فلم يعد التحول في الأسواق الأردنية يقاس بارتفاع الأسعار وحده، وإنما بطريقة اتخاذ قرار الشراء، إذ تتشكل يوماً بعد آخر ثقافة استهلاكية جديدة تتعلق بدخل الأسرة الأردنية والسيولة والأمان الاقتصادي، مما يكشف عن تحول عميق في تفكير المستهلك وإدارته لدخله.

تراجع ثقافة التخزين

يؤكد مراقبون اقتصاديون أن جزءاً كبيراً من المستهلكين الأردنيين تراجعوا عن ثقافة "التخزين" إلى ثقافة "الاستهلاك الفوري"، ومن شراء احتياجات الأسبوع إلى شراء احتياجات اليوم، في سلوك اقتصادي جديد يعيد تشكيل العلاقة بين الأسرة والسوق والغذاء.

 وفق هؤلاء فإن كثيراً من الأسر تفضل توزيع الإنفاق على أيام الشهر بدلاً من استنزاف جزء كبير من دخلها في بداية الأسبوع، إذ أصبح التحكم في السيولة اليومية جزءاً من إدارة المنزل، بخاصة في ظل ثبات المدخول لدى كثير من الأسر وارتفاع تكاليف المعيشة.

ويفضل بعض الاقتصاديين تسمية هذه الظاهرة بـ"اقتصاد القطعة الواحدة"، وهي ظاهرة أكثر تعقيداً من كونها نتيجة مباشرة للغلاء، إذ إن الشراء بكميات صغيرة قد يرتبط أيضاً بعوامل أخرى كانخفاض الهدر الغذائي وصغر حجم الأسر وزيادة عدد الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، فضلاً عن تغير أنماط العمل، بحيث أصبح كثيرون يتناولون وجباتهم خارج المنزل.

ويطرح آخرون مسألة الرغبة في الاحتفاظ بسيولة نقدية لأطول فترة ممكنة خلال الشهر، أي أن المستهلك لم يعد يشتري وفق حاجته الأسبوعية، بل وفق ما يسمح به دخله اليومي أو ما يراه أكثر مرونة في إدارة مصروفه.

كيف تغير السوق؟

يقول تجار التقتهم "اندبندنت عربية" إنهم بدأوا يلاحظون هذا التحول في محالهم التجارية، على سبيل المثال "أصبحت عبارات لم نعهدها سابقاً، مثل ربع كيلو أو قطعتين فقط، تتردد كثيراً ودائماً في محال بيع اللحوم والدجاج".

أما في قطاع الألبان، فتزايد الإقبال على العبوات الصغيرة على رغم أن سعر الوحدة غالباً أعلى من العبوات الكبيرة، فيما يشير بعض التجار إلى أن قيمة فاتورة المشتريات الواحدة انخفضت، بينما ازداد عدد مرات زيارة الزبائن للمتجر خلال الأسبوع.

في موازاة ذلك، يعتقد اقتصاديون أن الأسر الأردنية أصبحت تتعامل مع موازنتها بمرونة أكبر، وتعيد حساب أولوياتها بصورة يومية، وهو ما ينعكس حتى على أبسط قراراتها الشرائية.

ويقول هؤلاء إن مثل هذه التحولات تستمر حتى بعد تحسن الظروف الاقتصادية، وتتحول مع الوقت إلى عادة استهلاكية راسخة تفضل معها كثير من الأسر توزيع الإنفاق على أيام الشهر، بدلاً من استنزاف جزء كبير من دخلها في بداية الأسبوع.

تقول أم محمد، وهي أم لثلاثة أطفال، "لم أعد أشتري كيس البطاطا كاملاً كما كنت أفعل دائماً، أشتري أربع حبات فقط تكفي لطبخة اليوم، ليس فقط للحد من المصروف، لكن لأن بقاء السيولة في جيبي يمنحني شعوراً أكبر بالأمان".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشرح رئيس جمعية حماية المستهلك الأردنية محمد عبيدات كيف دفعت ضغوط غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، جراء ثبات الأجور، المواطنين إلى تعديل سلوكهم الاستهلاكي والتكيف مع أعباء المعيشة.

ويوضح أن هذا التحول انعكس إيجاباً على أولويات الإنفاق عبر التركيز على الاحتياجات الأساسية كالغذاء والتعليم والصحة والطاقة، ناهيك بالتخلي عن الشراء بكميات كبيرة والاعتماد على الشراء بالتجزئة والكميات المحدودة للحد من الهدر، وتتبع الأسعار الأقل بين المنافذ المختلفة.

"المونة" تغيب

منذ أعوام، كانت ثقافة البيت الأردني تقوم على مفهوم "المونة" عبر شراء كميات كبيرة وتخزين المواد الأساسية والاستعداد للمواسم المقبلة، وكان امتلاء الخزائن والثلاجة علامة على الأمان والقدرة على التدبير.

اليوم، يبدو أن جزءاً من الأسر انتقل إلى نمط مختلف: شراء أقل، ولكن بوتيرة أكثر تكراراً والدفع بمبالغ صغيرة بدل إنفاق مبلغ كبير مرة واحدة، وإدارة المصروف يوماً بيوم بدل التخطيط لشهر كامل.

 وبحسب بيانات دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، يشكل الإنفاق على الغذاء والسلع الأساسية نسبة مهمة من موازنة الأسر الأردنية، ويعد تغير أسعار الغذاء من أكثر المؤشرات تأثيراً في سلوك المستهلك.

لكن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة، فالتحول الحقيقي يظهر في سلوك الناس داخل المتجر.

يقول مدير أحد المتاجر في عمان "قبل أعوام كان الزبون يشتري حاجته التي تكفيه لأسبوع، الآن كثيرون يسألون عن السعر قبل الكمية، يريد أن يعرف ماذا يستطيع أن يشتري بالمبلغ الذي بحوزته".

ويلاحظ التجار تغيراً في طبيعة الطلب، حيث انخفاض الطلب على بعض العبوات الكبيرة وكثر الطلب على الأحجام الصغيرة، وتزايد شراء المنتجات بالوزن بدل العبوات الجاهزة والبحث عن العروض.

ويقول موظفون حكوميون إنهم كانوا سابقاً يشترون احتياجات المنزل مرة واحدة أسبوعياً، لكنهم اليوم يقسمون المشتريات إلى مواد أساسية في بداية الشهر، وخضار ولحوم كل يومين مع تقليل التخزين.

أنماط استهلاك

يرى مراقبون أن أنماط الاستهلاك ليست مجرد انعكاس للدخل، ففي المجتمعات التي يشعر فيها الأفراد بدرجة عالية من الاستقرار، يميلون إلى التخطيط الطويل والشراء المسبق.

أما في بيئات عدم اليقين، فيظهر ما يسمى الاستهلاك الدفاعي، أي أن الأسرة تصبح أكثر حذراً، وتفضل القرارات القابلة للتعديل. وهو ما ترجم فعلياً لدى كثير من الأردنيين بسبب الاضطرابات التي خلفتها حرب غزة أولاً ثم الحرب الإيرانية الأميركية لاحقاً.

ويرصد مراقبون آخرون كيف تغيرت القيم الاستهلاكية في البيت الأردني الذي كان مرتبطاً بثقافة التخزين والكرم والاستعداد للمستقبل، لكن الجيل الجديد يتعامل مع الاستهلاك بطريقة مختلفة، إذ يشتري عند الحاجة ويقلل الهدر ويعتمد على التطبيقات والتوصيل ويقارن الأسعار.

حتى الشركات والمتاجر بدأت تتكيف مع ثقافة الاستهلاك الجديدة، بحيث أصبحت العبوات أصغر والعروض يومية مع خيارات أقل كلفة.

وتظهر المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في الأردن ملامح ضغط معيشي متزايد، تجسد في اتساع رقعة الفقر وتغير النمط الاستهلاكي للمواطنين. فعلى صعيد الأرقام الرسمية، بينت نتائج تقرير مؤشر الفقر العالمي الصادر عن برنامج الأمم المتحدة ارتفاعاً بنسبة 6.6 في المئة في أعداد الأسر الأردنية الواقعة تحت طائلة الفقر متعدد الأبعاد، إذ قفز الرقم من 45 ألف أسرة عام 2017 إلى زهاء 48 ألف أسرة مع نهاية عام 2022.

ولم يقتصر التحدي على اتساع الرقعة، بل امتد لعمق الحرمان الذي بلغت شدته 35.4 في المئة بين تلك الأسر.

 في حين يؤكد تقرير مسح الأمن الغذائي الصادر عن دائرة الإحصاءات أن الأمن الغذائي لم يعد يقتصر على توفير الغذاء، بل أصبح مؤشراً يعكس قدرة الأسر على الوصول إلى غذاء كاف وآمن ومغذ بصورة مستدامة، في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية.

ويبين التقرير أن المسح لا يقتصر على قياس كمية الغذاء التي تستهلكها الأسر، بل يتتبع أيضاً الاستراتيجيات التي تلجأ إليها الأسر عندما لا يتوفر لديها المال الكافي لتغطية احتياجاتها الأساسية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير