ملخص
انتعاش بسطات بوسط البلد وسوق الجمعة بحثاً عن الماضي، ومراهقون وشباب يهربون إلى خزائن الأجداد والآباء، حيث زمن الكاسيت والأقراص المدمجة، ويستبدلون الساعات الذكية بساعات قديمة.
بينما يتسابق العالم نحو الذكاء الاصطناعي بنهم، يفتش بعض المراهقين والشباب الأردنيون في خزائن أجدادهم عن كل ما هو قديم، من الألبومات وأشرطة الكاسيت والساعات العتيقة وحتى العملات القديمة، في حين يتجه آخرون لممارسة هوايات عفا عليها الزمن، كجمع الطوابع والعملات القديمة وحياكة الصوف، بحثاً عن دفء مفقود أو ربما هرباً من التخمة الرقمية.
في غرفة مليئة بأشياء قديمة، يجلس أحمد الذي بلغ 20 عاماً منذ أيام، يمسك بيده شريط كاسيت مغناطيسياً ويضعه داخل مسجلة قديمة لتنطلق منه أغنية من تسعينيات القرن الماضي.
هذا المشهد غير المألوف، بات واقعاً يومياً من أبناء من أبناء "جيل زد" بين 16 و25 سنة، الذين قرروا فجأة الضغط على زر إيقاف موقت للتقدم التكنولوجي السريع، والالتفات نحو الماضي بكل تفاصيله.
وعلى رغم أنهم ولدوا في أحضان الإنترنت، وشبوا على منصات البث الرقمي إلا أن هناك تحولاً لافتاً يجتاح هذا الجيل، وتظهر الأرقام والاتجاهات الحديثة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مثل "إنستغرام" و"تيك توك" تصاعداً كبيراً في وسوم تشير إلى الشغف بكل ما هو قديم.
ويترجم هذا الميل راهناً من خلال مراهقين يستبدلون سماعات اللاسلكي الذكية بأجهزة قديمة، وينبشون في الأسواق القديمة وعبر حسابات "الأنتيكا" المتخصصة عن كاميرات فيلمية وأقراص مدمجة وحتى هواتف قديمة.
محاولة للتميز
في السياق، قالت عبير عبدالله المرشدة الاجتماعية في إحدى المدارس الدولية في العاصمة عمان إن هذا التصرف يعكس ميلاً للتميز الاجتماعي من هذا الجيل في زمن يتشابه فيه الجميع بهواتفهم الذكية، و"يصبح امتلاك كاميرا عتيقة أو مشغل أقراص مدمجة وسيلة للتعبير عن الهوية والخصوصية والتباهي بين الأقران".
تشاهد عبير يومياً حيث تعمل مراهقين يعبرون عن رغبتهم باستكشاف كيف كان ماضي آبائهم وأجدادهم والشعور بنوستالجيا لزمن لم يعيشوه أصلاً، كنتيجة للإرهاق الذي يشعرون به من العالم الرقمي حيث الإشعارات المتواصلة والتعفن الدماغي من منصات التواصل.
أما الإحصاءات حول وقت استخدام الشاشة لا ترحم، فالمراهقون الأردنيون يقضون في المتوسط سبع ساعات يومياً أمام الشاشات، سبع ساعات من النقرات والتمرير والانتظار وفق هيئة تنظيم قطاع الاتصالات.
ولا توجد إحصاءات رسمية دقيقة عن الظاهرة، لكن المؤشرات على الأرض واضحة من خلال شهادات أصحاب المحال التي تبيع الأشياء القديمة.
وتشير دراسة نفسية من جامعة "ميشيغان" عام 2022 إلى أن "جيل زد" يعاني القلق والاكتئاب بمعدلات أعلى من الأجيال السابقة، وأن وسائل التواصل التي تعدهم بالسعادة غالباً ما تجعلهم أكثر تعاسة.
طابع أردني خاص
الظاهرة عالمية وليست أردنية فقط، لكن في الأردن لها طابع خاص، فهي ليست استهزاء بقدر ما هي بحث حقيقي عن قيم مفقودة، ويفسرها مراقبون بأنها بحث عن جذور وهوية حقيقية، وليس فقط عن جماليات قديمة.
في أحياء عمان القديمة كوسط البلد وجبل عمان واللويبدة، ثمة متاجر صغيرة بدأت تزدهر من جديد بعد أن كانت مهجورة.
فمحال "الأنتيكا"، التي كانت على وشك الإغلاق، أصبحت تعج بالشباب ممن يبحثون عن أجهزة تسجيل قديمة.
وبعد أن كانت بسطات وسط البلد والمحال القديمة خلف "الجامع الحسيني" و"سوق الجمعة" مقصداً لكبار السن والباحثين عن قطع الغيار، أصبحت اليوم تعج بيافعين وطلبة جامعات، ولم يعد البحث مقتصراً على ألبومات فيروز وأم كلثوم، بل بات شباب "جيل زد" يبحثون عن أشرطة كاسيت قديمة لفرق ومطربين من تسعينيات القرن الماضي.
وظهرت عشرات المتاجر والمشاريع الصغيرة عبر "إنستغرام" يملكها ويديرها شباب أردنيون، مخصصة فقط لصيد الأجهزة القديمة وترميمها ثم بيعها.
فأشرطة الكاسيت والأقراص المدمجة التي كانت ترمى في المستودعات، أصبحت تباع اليوم بأسعار جيدة لشباب يرون فيها قيمة جمالية.
يقول محمد صاحب بسطة "أنتيكا" في وسط البلد "في الماضي كان زبائننا من كبار السن يبحثون عن ذكرياتهم، اليوم غالب زبائني شباب بعمر الورد، يفاصلون على سعر مشغل كاسيت، أو يسألون عن أشرطة قديمة، لديهم فضول غريب لفهم كيف كنا نعيش".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أزمة مزدوجة
من ناحيته، أشار الكاتب الأردني سامح المحاريق إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أحدثت تحولاً جذرياً ولدت شخصية مزدوجة لدى الشاب الأردني، "فالفجوة بين شخصيته الفعلية على أرض الواقع وشخصيته الافتراضية خلف الشاشة تنتج كثيراً من التوتر والضغط النفسي، وتضعه تحت تقييم ورقابة متواصلة من الآخرين، مما يجعل حالة جيل زد في الأردن معقدة وخاصة جداً، طبيعة المجتمع الذي يوازن بين المدنية الحديثة والروابط العشائرية والجهوية. فالمراهق أو الشاب الأردني يجد نفسه محاصراً بين رغبته في التعبير عن فرديته واستقلاله، وبين التحديدات والالتزامات الاجتماعية المفروضة عليه".
وفقا للكاتب المحاريق أيضاً "يعيش الشباب الأردني اليوم أزمة المراهقة الممتدة التي باتت تمتد حتى سن الـ25 نتيجة تأخر سن الاستقلال والزواج، وهذه الشريحة الواسعة تقع تحت عبء صراع ثقيل بين طموحاتها، وبين واقع اقتصادي صعب وشروط تقييم متقادمة يفرضها الجيل القديم في المدارس والجامعات، الذين عاشوا في ظروف وفرص أفضل بكثير"، وتابع أيضاً "هذا الإحباط من عدم القدرة على تحقيق شروط المجتمع المادية، مثل امتلاك سيارة حديثة أو مواكبة صيحات التكنولوجيا المكلفة، جعل جيل زد الأردني يقلب معادلة الاستهلاك الثقافي، فبدلاً من الركض خلف تكنولوجيا يعجز عن مجاراتها مادياً وتستنزفه نفسياً، ذهب لإنعاش بسطات وسط البلد وسوق الجمعة، متبنياً نمط حياة أقل كلفة وأكثر عمقاً".
من هذا الجيل؟
تشير الدراسات الاجتماعية حول هذا الجيل في الأردن إلى أنهم يشكلون قوة ديموغرافية هائلة، ويتميزون بوعي نقدي عال، وتآكل الثقة في المؤسسات التقليدية، واعتمادهم على المنصات الرقمية للتعبير المدني والمشاركة المجتمعية.
ولفت الكاتب الأردني محمد عرسان إلى أن "الأردن يمر بتحول ديموغرافي حاسم تتصدره الغالبية الشبابية من جيلي زد وألفا، إذ يشكل هذان الجيلان اليوم ما يقارب ثلث المجتمع الأردني، وقوة دافعة للتغيير الاجتماعي والثقافي والاقتصادي"، وتابع "يبحث جيل زد عن عمل ذي مغزى، يوفر التوازن بين الحياة المهنية والشخصية ويسمح له بترك أثر. ويفسر هذا التوجه تزايد الانخراط في الاقتصاد الحر والاقتصاد التشاركي، للحصول على الاستقلال المادي وتجنب الإحباط الوظيفي".
من الفضاء الرقمي إلى مقاهي عمان
ولم يعد هذا الشغف بالماضي مجرد حالة فردية يعيشها الشاب داخل غرفته، بل تحول إلى ظاهرة جماعية منظمة، وبدأ مراهقو "جيل زد" بتأسيس مجموعات عبر منصات التواصل، ليس بهدف التصفح، بل لتنظيم لقاءات دورية على أرض الواقع.
في مقاهي جبل اللويبدة ووسط البلد، يعقد هؤلاء الشباب "جلسات استماع ومبادلة"، إذ يلتقون حاملين حقائبهم المليئة بأشرطة الكاسيت والأقراص المدمجة. في هذه اللقاءات، يتبادلون الألبومات النادرة، مما حول هذه المجموعات إلى مساحات اجتماعية بديلة، يلتقي فيها الشباب الذين يتشاركون الرغبة ذاتها، وهي الانفصال عن صخب الهواتف الذكية، وصناعة مجتمع حقيقي وصداقات ملموسة.
على جانب آخر تحول هذا الجيل من التصفح الرقمي إلى ملمس الورق، ويقول أحد أصحاب الأكشاك العريقة في وسط البلد "المفاجأة أن شباب جيل زد هم من يعيدون الروح لبسطاتنا اليوم، ويبحثون تحديداً عن المجلات الثقافية القديمة، أو الروايات الورقية ذات الطبعات الصفراء العتيقة".
وآخرون لديهم شغف بالبحث عن ملصقات ورقية للمطربين والفرق القديمة، التي كانت توزع مع المجلات في التسعينيات.