Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأردن منشغل بـ"الشورت" والذوق العام والحرية

مذكره نيابية تطالب بالحفاظ على "الهوية الاجتماعية" في المرافق العامة وانتقاد للبرلمان لاهتمامه بأمور "هامشية"

يتمسك أردنيون بضرورة مراعاة الذوق العام في الشوارع (رويترز)

ملخص

تكشف أزمة منع "الشورت" عن معضلة تخطيطية وثقافية أعمق في المدن الأردنية، وعلى رأسها العاصمة عمّان إذ يعاني الشارع الأردني من شحّ حاد في المساحات والفضاءات العامة المجانية.

تصاعد الجدل الاجتماعي في الأردن خلال الأيام الأخيرة وانقسم الأردنيون حول مدى إمكانية تقييد ارتداء "الشورت" في الأماكن العامة، بين من يراه مساساً بالحريات الشخصية، ومن يعده خطوة لحماية النسق الاجتماعي والقيم الأسرية.

وتجلت شرارة السجال عقب تبني النائب فراس قبلان مذكرة نيابية موجهة إلى رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، موقعة من عدد من أعضاء مجلس النواب، تطالب الحكومة بدراسة وضع مدونة إرشادية للذوق العام والسلوك واللباس اللائق في المرافق العامة والمجمعات التجارية.

ولا يتوقع متخصصون في الشأن النيابي أن يفضي هذا التحرك إلى صدور تشريع نيابي ملزم، فالمذكرة النيابية أداة رقابية وتعبيرية كفلها النظام الداخلي لمجلس النواب وتقدم بالعشرات شهرياً لكنها لا تفضي دائماً إلى اتخاذ قرارات، كما أن التهويل الإعلامي الذي رافق هذا الجدل خلق حالاً من الهلع الأخلاقي والشحن المجتمعي حول تشريع لم يصدر ولم يناقش كقانون أصلاً تحت القبة.

حفاظ على الهوية أم تقييد للحرية؟

توضح المذكرة النيابية أن الهدف ينحصر في الحفاظ على الهوية الاجتماعية للطابع الأسري الأردني، من دون الذهاب باتجاه فرض عقوبات صارمة أو تقييد حريات المواطنين، لأنها لم تأخذ مجراها التشريعي الصارم بعد، ولم تتحول إلى قانون أو نظام ملزم.

ولا يستهدف المقترح فرض عقوبات جزائية أو وضع قيود على الحريات الشخصية، بل يرمي إلى تعزيز ثقافة الاحترام المتبادل والحفاظ على الطابع الأسري والهوية الاجتماعية للمجتمع الأردني.

لكن فئات واسعة من المواطنين عبرت من خلال منصات التواصل الاجتماعي عن استغرابها من انشغال البرلمان بملفات يراها الشارع "هامشية"، وسط أزمات معيشية واقتصادية وتحديات بطالة تتطلب أولوية الطرح والنقاش تحت القبة.

إلا أن الأمر لم يتوقف عند هذا الجدل في العالم الافتراضي، بل امتد ميدانياً للقطاع الخاص، إذ أقدمت مراكز تجارية (مولات) ومطاعم ومجمعات في مناطق عمان الغربية وبعض المدن الرئيسة على وضع ملصقات تنبيهية تمنع دخول مرتدي "الشورت" أو الملابس الرياضية للشباب.

 

وبررت بعض إدارات تلك المنشآت هذه الخطوة برغبتها في تأمين بيئة عائلية محتشمة تلائم مرتاديها، مستندة إلى حق المنشأة الخاصة في تحديد ضوابط الدخول إليها.

وفي المقابل، أثارت هذه اللافتات جدلاً قانونياً وحقوقياً حول ما إذا كانت تشكل نوعاً من التمييز ضد الزبائن أو تقييداً غير مبرر للوصول إلى مرافق تقديم الخدمات العامة.

ضوابط قانونية

في الإطار الدستوري يقف القانون الأردني موقفاً واضحاً في هذا الجدل الدائر، فالمادة 15 من الدستور الأردني تكفل الحريات الشخصية وحرية التعبير بجميع صورها "بشرط ألا تتجاوز حدود القانون"، وهو ما يجعل أي تنظيم للمظهر الشخصي في حاجة إلى سند قانوني واضح وصريح لا يتعارض مع روح الدستور.

ويقول قانونيون إن ثمة خلطاً لدى بعضٍ بين مفهوم التقييد على اللباس اليومي وبين جريمة "الإخلال بالحياء العام" المنصوص عليها في قانون العقوبات الأردني، إذ يتطلب التجريم القانوني وجود أفعال أو إيحاءات فاضحة ومباشرة علنية، ولا ينطبق وصف الجرم القانوني على مجرد ارتداء ملابس صيفية كـ"الشورت".

ويضيف هؤلاء أن التشريعات الأردنية النافذة وقوانين حماية المستهلك تمنع الامتناع عن تقديم الخدمة أو البيع من دون سبب قانوني موجبه، وأن منع أي مواطن من دخول مكان عام أو تجاري مرخص يقدم خدماته للجمهور بناءً على مظهره - طالما لم يخالف قانون العقوبات أو الآداب العامة - يعد مخالفة لترخيص المنشأة وتمييزاً غير مشروع.

ضرر سياحي

يعتقد مراقبون أن هذا الجدل لا يتوقف عند حدود الصراع القيمي، بل يمتد ليرسل "رسائل متناقضة" تضر بجهود الدولة في الترويج السياحي، فالأردن الذي يستهدف زيادة تدفق السياح العرب والأجانب وتنشيط سياحة التسوق والمهرجانات الصيفية، يجد نفسه أمام طروحات قد تفهم في الخارج على أنها اتجاه نحو التضييق الاجتماعي.

فيما يحذر خبراء في القطاع السياحي من أن إثارة مثل هذه التشريعات قد تنعكس سلباً على انطباعات الزوار والمنشآت الفندقية والتجارية، وتضع المملكة في مقارنات غير دقيقة مع مجتمعات ذات طبيعة قانونية مختلفة، مما يربك بيئة الاستثمار الخدمي والسياحي التي تعتمد أساساً على الانفتاح والمرونة.

لكن من جانب آخر، يرى متخصصون اجتماعيون ونفسيون أن الارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة صيفاً يجعل ارتداء الملابس الخفيفة كـ"الشورت" ضرورة علمية وعملية ترتبط بالراحة الجسدية والتكيف مع البيئة، وليست بالضرورة تمسكاً بـ"صرعة" أو رغبة في الخروج على التقاليد. مما يولد شعوراً بالضغط والوصاية المفرطة لدى فئة الشباب.

عمان بلا فضاء مفتوح

تكشف أزمة منع "الشورت" عن معضلة تخطيطية وثقافية أعمق في المدن الأردنية، وعلى رأسها العاصمة عمان، إذ يعاني الشارع الأردني شحاً حاداً في المساحات والفضاءات العامة المجانية (كالحدائق والمتنزهات والمسارات المشاة).

ويعتقد مراقبون أن هذا التراجع العمراني دفع المواطنين - والشباب منهم تحديداً - للجوء إلى المجمعات التجارية (المولات) والمراكز الاستثمارية باعتبارها "المتنزه البديل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويطرح شبان أردنيون انتقدوا المذكرة النيابية مسألة "التمييز الجندري"، بعدما لاحظوا أن لافتات المنع موجهة بصورة حصرية تقريباً ضد "الشباب"، في حين تندر القيود المشابهة على لباس الفتيات في نفس المنشآت، مما يكشف عن ارتباك ومعايير مزدوجة لدى القائمين على تعريف "الذوق العام".

وينقسم الشارع الأردني عموماً بين تيارين يظهران في كل حادثة مشابهة، تيار يطالب بـ"الضبط الأخلاقي لحماية قيم المجتمع الأسرية"، وتيار حقوقي ومدني يحذر من التغول على الحريات الشخصية.

جدل ثقافي قانوني

شهد الأردن عبر تاريخه الحديث عدة حوادث وسجالات مجتمعية وثقافية وقانونية ارتبطت بموضوع لباس المرأة سواء الحجاب، والنقاب، أو اللباس المحافظ وغير المحافظ، والتي أثارت نقاشات واسعة حول الحريات الشخصية، والهوية المجتمعية، والدور المؤسسي.

وشهدت مؤسسات تعليمية وصحية أردنية في أوقات متفرقة حوادث أثارت سجالاً حقوقياً وإعلامياً كبيراً حول ارتداء النقاب، وسجلت بعض الجامعات الرسمية والخاصة حوادث قامت فيها إدارات بعض الكليات أو هيئات تدريسية بمنع طالبات منتقبات من دخول القاعات الدراسية أو تقديم الاختبارات إلا بعد كشف الوجه للتحقق من الهوية، أو بدعوى متطلبات التواصل الطبي والتطبيقي.

أدت هذه القرارات إلى احتجاجات طلابية وتدخلات من منظمات حقوق الإنسان ونقابات، وصدرت على إثرها توضيحات رسمية تؤكد حق الطالبات في اللباس مع وضع آليات للتحقق من الهوية.

في القطاع الصحي ظهرت تعليمات داخلية في بعض المستشفيات والمراكز الصحية تقيد ارتداء النقاب أو الخمار لكوادر التمريض والطب أثناء العمل لأسباب تتعلق بـ"معايير السلامة والضبط المهني"، وهو ما قوبل باعتراضات ونقاشات حول التوفيق بين حرية اللباس والالتزام بالزي المهني الرسمي.

 

وشهدت بعض المدارس الخاصة حوادث مُنعت فيها طالبات أو معلمات من ارتداء الحجاب داخل حرم المدرسة بدعوى الالتزام بالزي الرسمي المحدد من إدارة المدرسة.

وتسببت هذه الحوادث في حملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي واحتجاجات من أهالي الطالبات، مما دفع وزارة التربية والتعليم للتدخل والتأكيد أن الحرية الشخصية والدينية مكفولة، وأن الأنظمة الداخلية للمدارس لا يجوز أن تتجاوز التشريعات الوطنية.

 على الجانب الآخر، شهد الفضاء العام والمناطق السياحية والترفيهية حوادث تتعلق بلباس المرأة غير المحافظ أو "الجريء" بمفاهيم الشارع المحافظ، وشهدت فعاليات فنية وثقافية مثل بعض حفلات مهرجان جرش أو الفعاليات الصيفية في عمان والعقبة انتقادات واسعة من تيار نيابي محافظ ضد ما وصف بـ"اللباس غير المحتشم"، وأدى ذلك في بعض الأحيان إلى مطالبات نيابية بفرض ضوابط على تنظيم الفعاليات العامة وتحركات لإيقاف أو منع أنشطة ترعاها جهات خاصة.

وتعرضت شخصيات عامة وناشطات وإعلاميات أردنيات لحملات هجوم إلكتروني وتنمر على منصات التواصل الاجتماعي بسبب صور تظهرهن بلباس يعده بعضهم "خارجاً عن الأعراف والتقاليد الأردنية".

وسط هذا الجدل نظمت منظمات حقوقية ونسوية في الأردن جلسات حوارية وحملات توعوية على مدار الأعوام الماضية للمطالبة بإنهاء التمييز والوصاية على المرأة، مشددات على أن حق المرأة في اختيار لباسها - سواء كان حجاباً أو نقاباً أو لباساً مدنياً خفيفاً - هو جزء لا يتجزأ من الحقوق والحريات العامة المكفولة في الدستور وفي المواثيق الدولية التي صدق عليها الأردن.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير