Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الذكاء الاصطناعي يهدد مصادر العملة الصعبة في باكستان

فرصة ثمينة أمام إسلام آباد أن تقوم ببناء شراكات مع الدول الخليجية بحيث يسد كل منهما احتياج الآخر ويقدم ما لديه من الموارد

كسب أصحاب الأعمال الحرة في باكستان 1.76 مليار دولار خلال عام بزيادة 78 في المئة من العام الماضي (أ ف ب)

ملخص

يمكن لاتفاقية المواهب الرقمية بين دول مجلس التعاون الخليجي وباكستان أن تبدأ بتوحيد أنظمة الاعتماد، بحيث تعترف في الرياض بشهادات الحوسبة السحابية أو الأمن السيبراني أو الذكاء الاصطناعي الصادرة في كراتشي من دون الحاجة إلى إعادة فحصها.

حققت باكستان إنجازاً اقتصادياً هذا العام كانت تسعى إليه منذ أكثر من عقد، إذ كسب أصحاب الأعمال الحرة 1.76 مليار دولار خلال عام بزيادة 78 في المئة من العام الماضي وأربعة أضعاف الدخل الذي حققوه قبل خمسة أعوام.

احتفى الباكستانيون بهذا الإنجاز وعدوه دليلاً على نضج الاقتصاد الرقمي الباكستاني، لكني كمراقبة من خارج باكستان أشاهد التغيرات الرقمية التي تمر بها دول الخليج والأسواق العالمية، وأرى الأرقام التي حققها العمال المستقلون من زاوية أخرى تتعلق باستدامة هذه الأرقام.

هذا لا يعني التشكيك في وصول مليارات الدولارات إلى باكستان أو في إمكانات العمال المستقلين، لكن عندما ندقق في المهمات التي يقوم بها هؤلاء العمال نجد أنها لا تتجاوز تنفيذ تعليمات العملاء مثل بناء واجهة صممتها شركة أخرى أو تنظيف مجموعة بيانات لمنصة عالمية أو برمجة طورت في الخارج.

هذه الأعمال تقع أدنى سلسلة القيمة للخدمات أو المنتجات وهي الأكثر عرضة بأن تجري أتمتتها بواسطة الذكاء الاصطناعي، بل هي تعدّ البوابة التي يدخل من خلالها الذكاء الاصطناعي في عالم الرقمنة والخدمات، وهذا يعني أن الأرقام التي يجري الاحتفاء بها لا تعكس الصورة الحقيقية للاقتصاد الرقمي الباكستاني. أصحاب الأعمال الحرة ينفذون مشاريعهم ويكسبون العملة الصعبة من الخارج، لكنهم مختصون في تنفيذ خدمات محددة (يمكن تنفيذها من خلال الذكاء الاصطناعي في المستقبل) وليس في الأعمال الابتكارية المعقدة ذات القيمة العالية.

يؤكد الواقع هذا الجانب المظلم نسبياً إذ شهدت باكستان تراجعاً مستمراً لثلاثة أعوام متتالية في مؤشر الابتكار العالمي، حيث هبطت من المركز 87 في عام 2022 إلى المركز 99 من بين 139 اقتصاداً عام 2025، كذلك تحتل الدولة المرتبة 75 في العالم في تصدير البرامج والخدمات، لكنها تحتل المرتبة 124 من حيث الأسس التي تخلق الابتكار، مثل البحث ورأس المال البشري والمؤسسات.

إضافة إلى ذلك، لا تتجاوز نسبة الإنفاق على البحث العلمي 0.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، لذا ليس من المستغرب أن باكستان تواجه فجوة كبيرة بين تقديم خدمات معرفية للعالم وبين القدرة على إنتاج إبداعات معرفية خاصة.

من جانب آخر، يشهد العملاء وخصوصاً في الشرق الأوسط التي يقدم لهم الباكستانيون خدمات رقمية، تحولات رقمية جذرية تزيد من مخاوف انحسار السوق الرقمية الباكستانية.

مشاريع التحول الرقمي

أطلقت السعودية عام 2025 بموازنة مقدارها 100 مليار دولار أميركي من صندوق الاستثمارات العامة، مشروع "هيومين" الذي يجمع بين مراكز البيانات والبنية التحتية السحابية ونماذج الذكاء الاصطناعي المستقلة في منصة وطنية موحدة.

وبدأت الإمارات العمل على إنشاء مجمع للذكاء الاصطناعي بسعة خمسة غيغاوات في أبوظبي، وهو أكبر مشروع من نوعه خارج الولايات المتحدة، بينما تعمل نماذج "فالكون" و"جيس" على توسيع آفاق الذكاء الاصطناعي باللغة العربية، كذلك أطلقت قطر مبادرة "كاي"، وانضم صندوق الثروة السيادي الكويتي إلى الشراكة الدولية للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، في حين أصدرت البحرين وعمان استراتيجياتهما الوطنية أيضاً.

ووفقًا لشركة "برايس ووترهاوس كوبرز"، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضيف أكثر من 320 مليار دولار إلى اقتصاد الشرق الأوسط بحلول عام 2030، في حين من المتوقع أن تتضاعف سعة مراكز البيانات في المنطقة ثلاث مرات في الأعوام الخمسة المقبلة.

هذه التحولات الكبيرة ينبغي أن تكون كفيلة بتغيير طريقة التفكير في إسلام آباد، إذ إن طبيعة حاجات دول الخليج تغيرت مع الوقت، وامتلاك قدرة حاسوبية تبلغ غيغاوات على سبيل المثال لا يتطلب آلاف العمال، بل بضع مئات من المهندسين ذوي المهارات العالية القادرين على تدريب النماذج وتأمين الشبكات وتشغيل بيئات الحوسبة السحابية وتحويل القدرة الخام إلى منتج قابل للتسويق.

لكن السؤال هو هل تدرك باكستان هذا التغير؟ وهل تستطيع توفير مثل هذه الكفاءات؟

فرصة محفوفة بتحديات

التحول الرقمي ومشاريع الذكاء الاصطناعي يحتاجان أساساً إلى ثلاثة عوامل، رأس المال وموارد الطاقة والقوة العاملة المتخصصة. تتمتع دول الخليج بوفرة في رأس المال والطاقة، لكن حجم القوى العاملة الماهرة يشكل عقبة أمام النمو السريع في المنطقة، مما يفتح المجال لشراكات بناءة مع أطراف أخرى.

بعبارة أخرى، هذا الوضع يمثل فرصة ثمينة أمام باكستان التي تمتلك واحدة من أكبر تجمعات القوى العاملة الرقمية في العالم، بأن تقوم ببناء شراكات مع الدول الخليجية بحيث يسد كل منهما احتياج الآخر ويقدم ما لديه من الموارد لتندمج العناصر الثلاثة المطلوبة للمشاريع الذكية لخدمة مشاريع مشتركة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هناك 3 ملايين عامل حر في باكستان مما يجعلها رابع أكبر قوة عاملة مستقلة في العالم متخصصة في خدمة الأسواق العالمية، أي إن الإمكانات متوفرة لكنها موجهة إلى السوق الخاطئة، والنجاحات في هذا السياق لا تزال فردية، إذ ربما يفوز مهندس بعقد معين أو تحصل شركة باكستانية على مشروع في دولة خليجية، لكن تبقى هذه القصص منفصلة وفردية ومتحررة من استراتيجية وطنية شاملة وتوجه حكومي للاستفادة من التحولات الرقمية.

التحدي الآخر أمام باكستان يكمن في وجود منافسين عالميين يرغبون في بناء الشراكات، فبينما لا تفتقر باكستان لرؤية حكومية واضحة في هذا السياق، تكتسح السوق الرقمية الجديدة كفاءات من الهند والفيليبين، إذ يوجد المهندسون الهنود في مراكز كفاءة عالمية في دبي وأبوظبي والرياض، بينما تتولى الفيليبين جزءاً كبيراً من خدمات الدعم القائمة على التكنولوجيا، إضافة إلى أن الحكومات الخليجية تستثمر في إشراك سكانها المحليين في وظائف قائمة على المهارات.

هذا التحول قيد التشكل الآن وهناك فرص كبيرة متاحة في هذه المرحلة، والأعوام الخمسة المقبلة حاسمة في هذا السياق، مما يعني أن باكستان لو أضاعت هذه الفرصة فلن تخسر بعض الأعوام بل ستخسر جيلاً كاملاً.

عقبات أمام باكستان

في ظل هذه التحولات المصيرية والتحديات الكبيرة وبين منافسات عالمية، لا تزال باكستان تواجه عقبات محلية في القطاع الرقمي تحد من قابليتها على الأداء الجيد على المستوى العالمي.

يعد نظام الاتصال بالإنترنت في باكستان ضعيفاً والانقطاعات مستمرة بسبب عطل في الكابلات البحرية، مما قد يؤثر سلباً في العمال المستقلين، كذلك أن نظام الكهرباء غير موثوق به.

إضافة إلى ذلك، تخرج الجامعات أعداداً كبيرة من الطلاب، لكنهم لا يمتلكون المهارات التي تحتاج إليها السوق الخليجية اليوم مثل التعلم الآلي التطبيقي وهندسة الحوسبة السحابية والأمن السيبراني.

من جانب آخر، يستمر عدم استقرار السياسات في دفع أصحاب الكفاءات العالية في البلاد إلى نقل مواهبهم ودخلهم إلى أماكن أخرى. وهذه عوامل عملية يأخذها أصحاب العمل في دول الخليج بالاعتبار عند تحديد أماكن بناء شراكات طويلة الأمد.

الحل ليس في إرسال مزيد من الأفراد إلى الخليج بل في بناء شراكة منظمة في مجال المواهب. ويمكن لاتفاقية المواهب الرقمية بين دول مجلس التعاون الخليجي وباكستان أن تبدأ بتوحيد أنظمة الاعتماد، بحيث تعترف في الرياض بشهادات الحوسبة السحابية أو الأمن السيبراني أو الذكاء الاصطناعي الصادرة في كراتشي من دون الحاجة إلى إعادة فحصها.

ينبغي تصميم هذا النظام مع مراعاة الحاجات الحقيقية لمنطقة الخليج مثل الحوسبة السحابية المستقلة ونماذج الذكاء الاصطناعي باللغة العربية والدفاع عن البنية التحتية الحيوية.

إلى جانب ذلك، ينبغي إنشاء مؤسسات مشتركة ومختبرات ممولة بصورة مشتركة حيث يقوم المهندسون الباكستانيون في تصميم الأنظمة بدلاً من مجرد توفيرها.

لن يقتصر العائد من هذا على زيادة الرواتب وحسب، بل سيتعداه إلى ما أسميه التحويلات المعرفية. فالتحويلات المالية تدعم الأسر، بينما تسهم التحويلات المعرفية في بناء الصناعات، فعندما يعود المهندس الذي يعمل على برنامج ذكاء اصطناعي مستقل لمدة ثلاثة أعوام إلى وطنه أو يحافظ على تواصله معه، يجلب معه مهاراته وعلاقاته وخبرته في اتخاذ القرارات، بحيث تستفيد الجامعات والشركات الناشئة من خبراته.

أخيراً، دول الخليج لا تنتظر باكستان، فمراكز بياناتها تبنى سواء شاركت فيها باكستان أم لم تشارك، لكن الدول التي توفر القوى العاملة الماهرة لتشغيل هذه المراكز تضمن لنفسها مكانة راسخة في اقتصاد المنطقة المستقبلي.

نقلاً عن "اندبندنت أوردو"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير