ملخص
العقوبات الأميركية المفروضة على إيران تركز بصورة أساس على قطاعات النفط والمصارف والشحن والدفاع وبعض المؤسسات الحكومية الإيرانية، فيما تسمح القوانين الأميركية بالاستثناءات الإنسانية، أي التجارة على أساس التعاطف الإنساني.
التجارة لتلبية الحاجات الإنسانية الأساسية في المناطق التي تشهد حروباً تتوافق تماماً مع قواعد الأمم المتحدة، لذا فإن إسلام آباد لا تنتهك القوانين بتوفيرها معابر برية لطهران.
هناك حدود دولية على خريطة العالم ليست خطوطاً فاصلة فحسب، بل محددة لمصير الدول أيضاً، الحدود الباكستانية - الإيرانية الممتدة على نحو 900 كيلومتر هي إحدى هذه الحدود التي لا تمثل اليوم الجغرافيا فقط بل قصة معقدة للسياسة والاقتصاد والطاقة ومستقبل المنطقة.
وعلى رغم العلاقات المتقلبة بين إسلام آباد وطهران عقب ثورة عام 1979، التي وصلت قبل عامين إلى أدنى مستوى لها عندما قامت إيران بتوجيه ضربات صاروخية داخل الحدود الباكستانية، لترد باكستان بقصف جوي على مراكز مزعومة للانفصاليين داخل إيران، فإن باكستان برزت كجسر ربط لإيران مع المجتمع الدولي خلال الأزمة الحالية، واعتمدت عليها طهران في إيصال رسائلها للعواصم العالمية.
وبعيداً من ضجيج المفاوضات توفر باكستان تسهيلات تجارية أيضاً لإيران حتى تمكنها من نقل البضائع في ظل التوتر حول مضيق هرمز والحصار الأميركي للموانئ الإيرانية، وقامت باكستان بتفعيل ستة طرق عبور برية إلى إيران التي يمكن من خلالها للبضائع أن تصل إلى إيران بالشاحنات من كراتشي وغوادر وميناء قاسم بعدما تقطعت السبل بآلاف الحاويات خلال التوترات في مضيق هرمز.
ومع أن هذا القرار يبدو أنه يهدف فقط إلى تسهيل الأمور لإيران، لكنه في الواقع يخدم مصالح اقتصادية وتجارية واستراتيجية رئيسة لباكستان أيضاً.
ويبلغ حجم التبادل التجاري الثنائي بين باكستان وإيران ما بين 2.8 إلى 3 مليارات دولار أميركي، ويميل الميزان التجاري في معظمه لمصلحة إيران، وقد وُضع أخيراً هدف طويل الأجل لزيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 10 مليارات دولار أميركي.
وترى باكستان توفير المعابر البرية لإيران ليس من عدسة التبادل الثنائي وحسب، بل تحاول من خلالها إعادة تموضع باكستان في التجارة الإقليمية كمعبر آمن وموثوق إلى الدول الأخرى، وتدرك إسلام آباد أن الدول التي تشهد نمواً سريعاً في العالم هي تلك التي توفر طرقاً تجارية مثل دبي وسنغافورة وتركيا.
وبالمثل فإن أكبر مكسب لباكستان من منح إيران ممر عبور قد تكون في شكل رسوم العبور وقطاع الخدمات اللوجيستية وزيادة الصادرات، إضافة إلى ذلك إذا أصبحت باكستان بوابة للتجارة الإقليمية، فمن الممكن جني مليارات الدولارات سنوياً من نقل وتخزين البضائع إلى جانب رسوم الجمارك والوقود والتأمين وخدمات الموانئ وحدها.
أهمية ميناء غوادر
يشكل ميناء غوادر جزءاً محورياً من هذه الاستراتيجية، فالمسافة من غوادر إلى الحدود الإيرانية قصيرة نسبياً، ووفقاً لبعض التقديرات قد يكون شحن البضائع من غوادر إلى الحدود الإيرانية أرخص بنسبة تراوح ما بين 45 و55 في المئة مقارنة بشحنها من الموانئ التقليدية في كراتشي.
وقد يؤدي هذا إلى زيادة الأهمية الاقتصادية لمدينة غوادر أيضاً التي استثمرت فيها الصين بالفعل مليارات الدولارات، وكثيراً ما رغبت باكستان في جعل ميناء غوادر بديلاً على مستوى وكفاءة الموانئ الخليجية الواقعة على الخليج العربي، ولعل هذه الأزمة وفرت فرصة مثالية لباكستان لتحقيق هذه الرغبة.
وتزعم الحكومة أن حجم التجارة بين إيران وباكستان وآسيا الوسطى عبر هذه الممرات لديه القدرة على الوصول إلى 15 مليار دولار سنوياً في المستقبل، كذلك يمكن خلق آلاف الوظائف الجديدة في بلوشستان من خلال النقل والفنادق والأسواق والتجارة الحدودية والصناعات الصغيرة.
وبطبيعة الحال فإن بلوشستان تعتمد بصورة كبيرة على إيران في مواردها المالية، كذلك الكهرباء التي تزود بها مطار غوادر تأتي أيضاً من إيران، ومنذ أعوام عدة يجري استيراد منتجات الألبان والبيض والخبز واللحوم والمياه والبنزين والديزل من إيران إلى المناطق الحدودية، وإذا ما جرى تقنين هذا الأمر فقد يزيد ذلك من إيرادات الحكومة أيضاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من جانب آخر تسعى باكستان إلى إيجاد طريق بديل للوصول إلى أسواق دول آسيا الوسطى من خلال إيران، في ظل التوترات على الحدود الأفغانية، التي كانت تستخدم في إيصال البضائع إلى آسيا الوسطى سابقاً.
وبالنسبة إلى تحسين العلاقات بإيران، فإن باكستان تسعى من خلال توفير الممرات والروابط البرية لإيران، إعادة تنشيط خط أنابيب الغاز بين إيران - ثالث أكبر دولة في العالم من ناحية احتياطات الغاز والنفط - وتجارة الطاقة في المستقبل.
إضافة إلى ذلك كسبت باكستان من خلال توفير ممرات إلى إيران حليفاً قوياً جديداً في المنطقة، ويأتي التقارب مع بنغلاديش ثم تحسين العلاقات مع إيران في ظل التحركات الدبلوماسية النشطة التي تقوم بها إسلام آباد، في مقابل المحاولات الهندية لاحتواء دول المنطقة وعزل باكستان.
كيف تتجاوز باكستان العقوبات الأميركية؟
وفي سياق توفير الممرات البرية لإيران، يبرز السؤال الأهم عن رد فعل الولايات المتحدة التي تفرض عقوبات اقتصادية وحصاراً على إيران، لكن في الواقع ووفقاً لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية، وهي وكالة تابعة لوزارة الخزانة الأميركية، فإن العقوبات الأميركية المفروضة على إيران تركز بصورة أساس على قطاعات النفط والمصارف والشحن والدفاع وبعض المؤسسات الحكومية الإيرانية، فيما تسمح القوانين الأميركية بالاستثناءات الإنسانية، أي التجارة على أساس التعاطف الإنساني.
إن التجارة لتلبية الحاجات الإنسانية الأساسية في المناطق التي مزقتها الحروب، تتوافق تماماً مع قواعد الأمم المتحدة، لذا فإن باكستان لا تنتهك القوانين بتوفيرها معابر تجارية لطهران.
وعلى رغم الحماية القانونية لهذه الخطوة، فإنها بطبيعة الحال لا تخلو من بعض الأخطار والسلبيات.
العقوبات الأميركية تشكل التهديد الأكبر، إذ إن هناك عقوبات أميركية وغربية عدة مفروضة على إيران، وإذا ما طاولت العقوبات أنشطة باكستان فقد يسبب ذلك مشكلات في القطاع المصرفي والتأمين والنظام المالي العالمي.
إضافة إلى ذلك فإن التمرد في بلوشستان والتهريب والهجمات الحدودية قد تشكل أيضاً تهديداً لهذا الممر.
وهناك أيضاً مشكلة البنية التحتية الضعيفة، فالطرق والسكك الحديد وأنظمة الجمارك وإدارة الحدود في باكستان لا تزال من دون المستوى العالمي، وقد يتطلب الأمر استثمارات إضافية لتحسينها.
من جانب آخر تستفيد إيران أيضاً من عبور البضائع عبر الممرات البرية، إذ إنها ستوفر طريقاً تجارياً بديلاً لإيران التي ظل اقتصادها فترة طويلة تحت ضغط العقوبات الأميركية، وتأثرت قطاعاتها المصرفية والشحن والنفطية، وفي ظل هذه الظروف تتيح الطرق البرية الباكستانية لإيران فرصة مواصلة التجارة من دون ضغوط بحرية.
إضافة إلى ذلك كثير من شركات الشحن العالمية تتجنب الذهاب إلى إيران بسبب العقوبات الأميركية، لكن التجارة البرية لا تخضع للمراقبة بصورة كبيرة، لذا تستطيع إيران الحصول على الآلات والمواد الغذائية والمعدات الصناعية وغيرها من السلع عبر باكستان، ويمكن لهذه الطرق أن تخفف جزئياً الضغط الأميركي على إيران.
باختصار، إذا اعتمدت إيران كلياً على التجارة عبر الخليج العربي فإن أي حرب أو عقوبات أو حصار بحري قد يؤثر بشدة في اقتصادها، فيما توفر الطرق البرية الباكستانية لإيران روابط بديلة مع جنوب آسيا وآسيا الوسطى.
أخيراً، يمكن أن يمثل الممر الباكستاني شريان حياة اقتصادياً لإيران، فهو يوفر لها طريقاً تجارياً بديلاً ويخفف عنها وطأة العقوبات ويمنحها منفذاً إلى آسيا الوسطى، إضافة إلى توفير فرص لتجارة الطاقة وتعزيز نفوذها الإقليمي.
نقلاً عن "اندبندنت أوردو"