ملخص
أعاد تعطل الممرات البحرية الرئيسة في الشرق الأوسط تسليط الضوء على الطريق البحري عبر القطب الشمالي، الذي اختبرته أخيراً سفن تجارية صينية وكورية جنوبية لتقليص مسافات النقل بين آسيا وأوروبا بنسبة تصل إلى النصف وخفض أوقات العبور إلى نحو 20 يوماً. وعلى رغم الوفورات المالية والزمنية المتوقعة، يجزم الخبراء بأن هذا المسار يظل حلاً موقتاً وثانوياً بحصيلة لن تتجاوز 3.5 في المئة من التجارة العالمية بحلول 2030، نظراً إلى القيود الموسمية المشددة، واستحالة عبور سفن الحاويات العملاقة، واقتصار الجدوى الاقتصادية على المواد الخام والغاز، ناهيك عن الأخطار البيئية ورفض كبرى شركات الشحن الغربية الاعتماد عليه وسط صراع النفوذ الاستراتيجي بين القوى الكبرى في المنطقة.
مع تعطيل الممرات البحرية بسبب الحرب في الشرق الأوسط، يحظى الطريق البحري في القطب الشمالي باهتمام متجدد، وستعبره خلال الأسابيع المقبلة سفينة صينية تدشن خطاً منتظماً، وأخرى كورية جنوبية في مرحلة تجريبية.
وعلى رغم أن هذا الطريق البحري بات أكثر مواءمة للملاحة جراء تغير المناخ الناجم عن الاحتباس الحراري، فإنه من المتوقع أن يظل ثانوياً، وفقاً للخبراء.
سرعة وانخفاض كلف
منذ بداية العام، ومع إغلاق طهران مضيق هرمز وتهديدات الحوثيين حركة عبور البحر الأحمر، على خلفية الحرب في الشرق الأوسط، أصبحت حركة الملاحة البحرية بين آسيا وأوروبا تمر عبر رأس الرجاء الصالح في جنوب القارة الأفريقية.
وبحسب دراسة أجرتها شركة "كوفاس" للتأمين ونشرت في أبريل (نيسان)، فإن مسافات المرور عبر القطب الشمالي تقل بنسبة 30 إلى 40 في المئة مقارنة بالعبور في قناة السويس في مصر، وبنسبة تصل إلى النصف مقارنة بالمرور عبر رأس الرجاء الصالح.
ونتيجة لذلك، تنخفض الكلف واستهلاك الوقود، ويقل وقت العبور إلى النصف ليصبح نحو 20 يوماً.
لا يمكن أن يكون إلا موسمياً
غير أن بول توري، مدير المعهد العالي للاقتصاد البحري (Isemar) في سان نازير في فرنسا، أكد خلال مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية، أن "الرابط القطبي لا يمكن أن يكون إلا موسمياً، من أغسطس (آب) إلى أكتوبر (تشرين الأول)"، مشيراً إلى "الحاجة لسفن مصنفة على أنها قطبية، مما يكلف أكثر".
وفي هذه المرحلة، سيكون من المستحيل عبور سفن الحاويات الضخمة المعنية بجزء كبير من حركة النقل البحري.
وأوضح جيروم دي ريكلي، متخصص الشحن البحري في "أبلاي" (Upply)، وهي منصة تحلل الشحن والخدمات اللوجيستية باستخدام البيانات والذكاء الاصطناعي، أن السفينتين اللتين تختبران المرور عبر القطب الشمالي، تتمتعان بسعة أقل بـ10 مرات. وهاتان السفينتان هما "دبي تاور" (Dubai Tower) التابعة لشركة الشحن الصينية "سي ليجند" التي غادرت السبت من شرق الصين، و"بانستار أكرو" التابعة لشركة "بانستار لاين دوت كوم" الكورية الجنوبية ومقرها بوسان.
إمكانات تجارية محدودة
في ضوء هذه القيود، فإن الطريق البحري عبر القطب الشمالي "يظل حلاً موقتاً وبسيطاً مقارنة بالحاجات العامة"، وفقاً لريكلي.
وفي عام 2023، مرت 23 سفينة حاويات عبر هذا الطريق، وهو رقم قياسي، مقارنة بـ15 سفينة في عام 2024، وفقاً لتحليل بيانات شركة "أليانز كوميرشال" في يونيو (حزيران).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بحسب دراسة كوفاس، يمكن أن تمر 3.5 في المئة فقط من التجارة الحالية بين شرق آسيا وشمال أوروبا وأميركا الشمالية عبر الممر القطبي الشمالي.
وأكدت إيف باري، معدة الدراسة والمتخصصة الاقتصادية لدى شركة كوفاس، أنه بحلول عام 2030، سيظل الاهتمام التجاري بالطرق القطبية "محدوداً للغاية ويركز بصورة أساسية على المواد الخام".
ووفق هذا التحليل، من المتوقع أن يدخل هذا المسار خلال هذه الفترة المنافسة في إطار نقل البضائع السائبة السائلة (مثل النفط الخام أو الغاز الطبيعي المسال)، مع إمكان خفض الكلف بنسبة تراوح بين 45 و50 في المئة في بعض الحالات. وقد ينطبق الأمر على المواد الجافة السائبة (كالحبوب والخامات ومواد البناء)، خصوصاً إذا تمكنت السفن من الإبحار من دون الحاجة إلى مرافقة كاسحات جليد.
سيظل حجم النقل محدوداً
مع ذلك، سيظل حجم النقل محدوداً عبر هذا الطريق مقارنة بحجم النقل البحري العالمي.
وأوضحت إيف باري أن قيمة هذه الطرق تبدو "تجارية أقل مما هي سياسية"، في وقت تتصاعد المنافسات الاستراتيجية بين روسيا والصين والولايات المتحدة في المنطقة.
وفي حين يخشى دعاة حماية البيئة أن تؤدي هذه الرحلات البحرية إلى تسريع ذوبان الغطاء الجليدي، خصوصاً أنه مهدد بالفعل جراء الاحتباس الحراري، فقد تعهدت كثير من الشركات الغربية، بما فيها شركة CMA-CGM الفرنسية، وشركة MSC السويسرية، وشركة Hapag-Lloyd الألمانية، تجنب هذه المسارات.
ورأى جيروم دي ريكلي أن الأمر أشبه بـ"حيلة دعائية" في هذه المرحلة، بينما شبهه توري بـ"ظاهرة ثانوية". وقال توري "لا يمكن لطائر سنونو واحد أن يصنع صيفاً، ولا يمكن لسفينة حاويات صينية واحدة أن تصنع طريق الحرير القطبي".