Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مارسيل خليفة يحيي "مهرجان الحمامات" بقديمه المتجدد

أدى مختارات من مسار غنائي وموسيقي بلغ 50 عاما ومنها قصائد محمود درويش

مارسيل خليفة في مهرجان حمامات (خدمة المهرجان)

ملخص

مارسيل خليفة يستعيد في مهرجان الحمامات الدولي أبرز محطات تجربته الموسيقية الممتدة لأكثر من خمسة عقود، مستحضراً أغنيات ارتبطت بالقصيدة العربية وشكلت جزءاً من ذاكرة أجيال مختلفة.

عاد الفنان اللبناني مارسيل خليفة لمسرح مهرجان الحمامات الدولي في دورته الـ60، حاملاً معه مسيرة موسيقية امتدت لأكثر من خمسة عقود.

لم تبدُ الأمسية التي أحياها مساء أول من أمس الأحد مجرد استعادة لأعمال صنعت شهرته، بقدر ما بدت مناسبة للتذكير بمشروع فني ظل يراهن على العلاقة بين الموسيقى والقصيدة، وعلى قدرة النص الشعري على أن يجد لنفسه فضاء جديداً داخل الأغنية.

وبين أعمال ارتبطت بقصائد محمود درويش وأخرى شكلت علامات في الأغنية العربية الحديثة، وجد جمهور الحمامات نفسه أمام تجربة تتجاوز حدود الحفل الموسيقي. فالأغنيات التي رافقت أجيالاً عدة لم تظهر بوصفها جزءاً من أرشيف فني، بل كأعمال لا تزال قادرة على إنتاج معنى جديد في حاضر مختلف.

ولم يكتفِ مارسيل خليفة باستعادة محطات من مسيرته، بل حمل العرض إشارات إلى استمرار هذا المشروع، من مشاركة ابنه ساري خليفة على آلة التشيلو، إلى إهداء مقطوعة "خيام" إلى سكان المخيمات، وصولاً إلى إعلانه عن مشروع موسيقي جديد مستوحى من قصيدة "الجدارية" لمحمود درويش، بالتعاون مع الموسيقي التونسي ظافر يوسف.

 وبين هذه المحطات، بدا أن الأمسية تطرح سؤالاً يتجاوز الركح نفسه، كيف حافظ مشروع قام على الحوار بين الشعر والموسيقى على حضوره طوال هذه العقود؟

أمسية تستعيد الذاكرة

لم يكُن جمهور مهرجان الحمامات أمام مجرد قائمة من الأغنيات المعروفة، بل أمام مسار فني كامل اختصره مارسيل خليفة في أمسية واحدة. فالأعمال التي قدمها لم تكُن منفصلة عن سياقها الشعري والثقافي، بل حملت معها تاريخاً من الأسئلة التي رافقت الأغنية العربية منذ سبعينيات القرن الماضي.

وتكمن خصوصية هذه التجربة في أن مارسيل خليفة لم يتعامل مع الأغنية باعتبارها استهلاكاً سريعاً، بل باعتبارها مساحة للتفكير. لذلك بقيت أعماله مرتبطة بنصوص تحمل أبعاداً إنسانية تتجاوز لحظة كتابتها، سواء تعلق الأمر بالحب أو الوطن أو المنفى أو البحث عن الحرية.

في الحمامات، ظهر هذا البعد بوضوح من خلال تفاعل الجمهور مع الكلمات قبل الألحان. فلم تكُن المشاركة مجرد ترديد لأغنيات محفوظة، بل استعادة لذاكرة جماعية تشكلت عبر أعوام طويلة. وكان الجمهور يعرف الكلمات ويحمل علاقته الخاصة بهذه الأعمال، وكأنه يشارك الفنان في إعادة تقديمها. كذلك، حمل حضور ساري خليفة على آلة التشيلو دلالة تتجاوز المشاركة الموسيقية، إذ بدا وكأن العرض يفتح مساحة لحوار بين أجيال مختلفة، بين تجربة تأسست قبل عقود وقراءة جديدة يمكن أن تواصل هذا المسار.

أما إهداء مقطوعة "خيام" إلى سكان المخيمات، فأعاد التأكيد على أحد الثوابت في مسيرة مارسيل خليفة، ارتباط الفن بالأسئلة الإنسانية الكبرى، من دون أن يتحول إلى خطاب مباشر أو شعار عابر.

مارسيل خليفة ومحمود درويش

تصعب قراءة تجربة مارسيل خليفة من دون المرور بعلاقته بمحمود درويش. لكن هذه العلاقة لا تُختصر في فكرة تلحين القصائد، لأنها كانت لقاء بين رؤيتين فنيتين، شاعر يبحث عن إمكانات جديدة لنصه، وموسيقي يرى في القصيدة فضاءً مفتوحاً للتجريب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومنذ الأعمال الأولى التي جمعت بينهما، لم تكُن الموسيقى مجرد إطار للنص الشعري، بل محاولة لاكتشاف إيقاعه الداخلي. ولهذا بقيت أغنيات مثل "أحن إلى خبز أمي" و"ريتا" و"منتصب القامة أمشي" حاضرة في الذاكرة العربية، لأنها لم تقدم القصيدة بصورة غنائية فقط، بل منحتها مساراً آخر للوصول إلى الناس.

لقد أسهم مارسيل خليفة في جعل الشعر الحديث جزءاً من الوجدان الموسيقي العربي، ليس عبر اختزاله أو تبسيطه، بل عبر الحفاظ على أسئلته وتوتراته، مما يفسر استمرار هذه الأعمال حتى اليوم. فهي لا تعيش فقط بسبب الحنين إلى الماضي، بل لأنها لا تزال تلامس قضايا لم تفقد حضورها.

ولعل مشروع "الجدارية" الذي أعلن عنه في الحمامات يمثل امتداداً طبيعياً لهذا الحوار الطويل مع شعر محمود درويش. فاختيار قصيدة بهذا الثقل بعد أعوام من التجربة لا يبدو عودة للماضي، بل محاولة لفتح فصل جديد في العلاقة بين الموسيقى والشعر.

أغنيات تقاوم الزمن

ربما تكمن قوة تجربة مارسيل خليفة في أنها لم تجعل من القصيدة ضيفاً على الأغنية، ولا من الموسيقى بديلاً عن الشعر. لقد قامت على فكرة أكثر تعقيداً، أن الفنّين يمكن أن يلتقيا من دون أن يفقد أي منهما خصوصيته.

وفي زمن تغيرت فيه طرق الاستماع، وأصبحت الأغنيات تستهلك بسرعة عبر المنصات الرقمية، تبدو تجربة مارسيل خليفة مختلفة لأنها تقوم على أعمال تحتاج إلى الإصغاء، وتحمل طبقات متعددة من المعنى. ولهذا فإن حضورها في مهرجان الحمامات لا يتعلق فقط بمكانة فنان عربي كبير، بل يتعلق أيضاً بقدرة العمل الفني العميق على عبور الزمن.

لم تكُن أمسية الحمامات مجرد محطة في مسيرة مارسيل خليفة، بل لحظة تذكير بأن العلاقة بين القصيدة والموسيقى لا تزال قادرة على صناعة حدث ثقافي. فبعد 50 عاماً من الحوار مع القصيدة، يواصل خليفة البحث عن مساحات جديدة للقاء بين الكلمة والصوت، مؤكداً أن بعض الأعمال الفنية لا تعيش لأنها تنتمي إلى زمنها فقط، بل لأنها تواصل طرح أسئلتها في كل زمن.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة