Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الزجاج الداكن... الوجه الآخر لثقافة النفوذ في لبنان

شجعت الأسعار الرخيصة الشبان للإقبال على تركيب "الفوميه"

يتسابق اللبنانيون اليوم وفي مقدمهم الشبان واليافعون من أجل تركيب المواد العازلة بغية تحويل سياراتهم إلى مناطق محصنة عن البصر (اندبندنت عربية)

ملخص

يتسابق الشبان في لبنان من أجل تركيب الزجاج الداكن بحجج مختلفة، فالبعض يتحدث عن حاجة لعكس أشعة الشمس خارجاً، فيما يتمسك آخرون بالبُعد الجمالي، من دون أن ننسى "البحث عن إبراز القوة والمكانة الاجتماعية".

في لبنان، لا يُستخدم الزجاج الداكن للسيارات لحجب أشعة الشمس فقط أو للحماية الأمنية، بل كثيراً ما تحول في العقود الماضية إلى رمز للمكانة والنفوذ والهيبة. فما إن تجوب شوارع البلاد حتى تلاحظ سباقاً محموماً نحو تعتيم نوافذ السيارات، في مشهد يتجاوز كونه موضة موسمية أو وسيلة للخصوصية، ليعكس ثقافة اجتماعية متجذرة تختلط فيها الرغبة بالتميّز مع استعراض القوة، وتتقاطع فيها مفاهيم الحرية الشخصية مع هيبة القانون.

وبينما تحاول الدولة أن تشدد رقابتها على الظاهرة، يطرح الانتشار الواسع لـ"الفوميه" سؤالاً أكبر: لماذا أصبح اللبناني يفضّل أن يرى الآخرين من خلف زجاج لا يستطيعون الرؤية عبره؟

يتسابق اللبنانيون اليوم وفي مقدمهم الشبان واليافعون من أجل تركيب المواد العازلة بغية تحويل سياراتهم إلى مناطق محصنة عن البصر. فيما يبرز توجه لدى السلطات الرسمية إلى محاصرة تلك الظاهرة، واقتصارها على أصحاب التراخيص الرسمية أو تلك السيارات التي جاءت على تلك الحالة من الشركات المصنعة، غالباً من خارج البلاد.

أما على الضفة الاجتماعية، تختلف النظرة إلى هذا الفعل، فمنهم من يقرنه بالعادات السيئة والمزعجة للشباب اللبناني إذ تنتشر السخرية من "شباب الليل ورفع صوت الموسيقى والإزعاج لسكان الأحياء"، ومن يعتبره تعبيراً عن الحرية الشخصية والحق بتزيين وسيلة النقل وفق الشكل الذي يشاء المالك والسائق.

من أين جاءت كلمة "الفوميه"؟

على رغم شيوعها في لبنان، فإن كلمة "الفوميه" ليست عربية، بل تعود إلى الأصل الفرنسي Fumé، وتعني حرفياً "مدخَّن" أو "مائل إلى اللون الدخاني". وفي عالم السيارات، تشير إلى الزجاج المظلّل أو المعتم الذي تُضاف إليه طبقة خاصة تحدّ من نفاذ الضوء والرؤية إلى داخل المركبة. ومع مرور الوقت، تحولت الكلمة في لبنان إلى مصطلح متداول يطلق على الأغشية اللاصقة التي تركب على زجاج السيارات، بغض النظر عن درجة تعتيمها، حتى أصبحت جزءاً من القاموس اليومي للسائقين وأصحاب محال الزينة.

شبان ينتظرون "بالصف"

أمام أحد محلات تركيب الفوميه في شمال لبنان، ينتظر شبان أدوارهم من أجل عزل سياراتهم. ويعكس هؤلاء ميلاً متزايداً من أجل تمييز سياراتهم عما سواها. هنا، لم يعد مجرد شيء خاص بفئات محددة، أو أنه عازل لحاجة، وإنما سلوك اجتماعي عام. وفيما يشبه "العدوى الجماعية"، يتوجه هؤلاء إلى المحلات المختصة مع بداية كل فصل صيفي وعند المناسبات والأعياد.

عند البحث عن الأسباب، تعدد الأفكار التي يسوقها الشبان عن الدوافع لتركيب الزجاج الداكن، والتي تتراوح بين التفاخر وحماية العائلة من العيون، أو الحفاظ عليها من أشعة الشمس الحارقة.

تعدد الأسباب والنتيجة واحدة

تتعدد الدوافع التي يسوقها الشبان لتركيب الزجاج الداكن، بين الرغبة في تحسين مظهر السيارة، والبحث عن الخصوصية، والحماية من أشعة الشمس، وصولاً إلى مسايرة الأصدقاء. يقول زاهر إن "الفوميه يمنح السيارة مظهراً أكثر فخامة وأناقة، ويجعلها مميزة عن غيرها"، موضحاً أنه يحرص كل عام على تجديده لدى مختص للحفاظ على اللون الداكن والمظهر الموحد.

أما رواد، فيرى أن الزجاج العازل لا يقتصر على الجانب الجمالي، بل يساعد أيضاً في تحسين أداء جهاز التكييف خلال الصيف، قبل أن يعترف بأن عامل التقليد حاضر بقوة، إذ "كل أفراد الشلة ركبوا الفوميه، وأصبح بالنسبة إلينا جزءاً من صورة السيارة واستعراضها". بدوره، يوضح سامر، وهو صاحب سيارة كلاسيكية، أنه اختار الزجاج الداكن لأنه يمنحه حرية أكبر أثناء التجول في بلدته، ويضفي على سيارته مظهراً أكثر جاذبية، "فتصبح محط الأنظار"، فضلاً عن دوره في حماية المقصورة الداخلية وجلد المقاعد من أضرار أشعة الشمس القوية والتشققات التي قد تتسبب بها.

مورد جيد ومهن عليها إقبال 

تعد مهنة "تركيب الفوميه" من المهن التي يزداد الإقبال عليها بسبب الطلب المتزايد.

يقول صهيب ضناوي صاحب محل لتركيب الزجاج الداكن إن "الإقبال على الزجاج الداكن ليس بالشيء الجديد، ولطالما اهتم اللبناني بمظهر سيارته"، معتبراً أن "الفوميه يشكل حاجة في فصل الصيف من أجل حجب ضوء الشمس عن السيارة، ومساعدة أنظمة التبريد والتكييف". ويلفت إلى أن "الزجاج الداكن كان يقتصر في السابق على المسؤولين الحكوميين والضباط في الجيش اللبناني" على خلاف ما هو عليه اليوم، مشيراً إلى "انقسام في موقف الناس بين مؤيد ومعارض لتركيب الزجاج الداكن، الذي يمنح جمالية وحماية للسيارة". كذلك ينبه إلى أن "الظاهرة لها أبعاد عالمية ولا تقتصر على لبنان"، و"هو مناسب ويؤمن الحماية للركاب وتحديداً الأطفال".

من جهته، يؤكد إيهاب الشامي صاحب متجر للفوميه، أن "الإقبال كبير ويشمل كافة فئات المجتمع والرجال والنساء من كافة الأعمار، ولا يقتصر على السيارات الفاخرة"، موضحاً أن الطلب إزداد على الفوميه بنسبة 30-40 في المئة في الأشهر القليلة الماضية، أو الزجاج الأمامي، وهو ما يشي بأن الغاية منه عكس أشعة الشمس. كما ينوه إلى أن "البعض لديه تعلق شديد، حيث يقوم بتجديد الفوميه بصورة مستمرة خلال فترات زمنية قصيرة".

تتراوح كلفة تركيب الزجاج الداكن بين 30 و100 دولار أميركي، وفقاً لنوعية المواد المستخدمة ومساحة الزجاج المطلوب تغطيته، بحسب أصحاب المحال الذين التقتيناهم.

غير أن صهيب ضناوي، صاحب أحد هذه المحال، يلفت إلى مشكلة باتت تؤرق العاملين في القطاع، تتمثل في تنامي ظاهرة "الدخلاء" الذين يروجون عبر منصات التواصل الاجتماعي لخدمات منخفضة الكلفة، مستخدمين مواد رديئة لا تستوفي معايير الجودة. ويأسف ضناوي لأن هذه الممارسات "أدخلت الفوضى إلى مهنة كانت حتى وقت قريب حكراً على الحرفيين وأصحاب الخبرة"، محذراً من أن المنافسة غير المهنية باتت تهدد سمعة القطاع وجودة الخدمات التي يقدمها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الفوميه المرخص

في لبنان، تمتلك شريحة من المواطنين تراخيص رسمية بالزجاج الداكن، وتنتمي غالبية هؤلاء إلى شريحة كبار الموظفين العموميين كالشخصيات السياسية والمراجع الدينية والقضائية والعسكرية، إضافة إلى رجال أعمال وأصحاب امتيازات. فيما تبرز شريحة "خارج القانون" والمحظيين من أتباع الأحزاب والنافذين و"نجوم السوشيل ميديا" وغيرهم ممن باتوا أشبه بدخلاء.

تنفي أوساط في وزارة الداخلية والبلديات ما يتردد عن وجود توجه لحظر استخدام الزجاج الداكن بصورة كاملة في لبنان، مؤكدة أن الإجراءات التي تنفذها قوى الأمن الداخلي عبر الحواجز ونقاط التفتيش تقتصر على التحقق من مدى قانونية استخدامه. وتشير إلى أن العناصر الأمنية تزيل الزجاج الداكن غير المرخص، وتتأكد من حيازة السائقين التراخيص والمستندات المطلوبة. وتوضح الأوساط أن الوزارة تواصل بصورة دورية تمديد مفعول التراخيص السارية، كذلك تفتح باب تقديم طلبات جديدة في الحالات التي تستدعي منح ترخيص وفقاً للأصول القانونية.

في المقابل، يرى العاملون في القطاع أن سوق تركيب الزجاج الداكن لا يزال بحاجة إلى مزيد من التنظيم والرقابة. ويقول نهاد، صاحب أحد محال تركيب "الفوميه"، إن غالبية الزبائن الذين يقصدون المحل لا يبرزون تراخيص تخولهم استخدام الزجاج الداكن، لكنه يوضح أن "صاحب المحل لا يملك صلاحية التدقيق في الرخص، ويستجيب لطلب الزبون طالما أن العمل يتم ضمن الأطر القانونية". ويشير إلى أن الواقع كان مختلفاً في السابق، إذ "كانت العملية أكثر انضباطاً، لأن معظم من كانوا يقصدون هذه المحال هم أصحاب المواكب والسيارات الحاصلة على تراخيص رسمية، أما اليوم فقد اتسعت الشريحة وأصبح الإقبال يشمل مختلف الفئات".

"مجتمع الغموض"

في مقابل الحجج التي يسوقها مؤيدو "الفوميه"، يحذر خبراء في السلامة المرورية من أن الإفراط في تعتيم زجاج السيارات يطرح تحديات أمنية وقانونية، إذ يحجب الرؤية إلى داخل المركبة ويصعّب على عناصر القوى الأمنية التحقق من هوية الركاب أو رصد أي مخالفات أو سلوكيات مشبوهة أثناء عمليات التفتيش. كذلك قد يُستغل لإخفاء أسلحة أو مواد ممنوعة أو أشخاص مطلوبين، فضلاً عن استخدامه في بعض الجرائم التي تتطلب الابتعاد عن أعين المارة وكاميرات المراقبة. ويرى معنيون أن هذه الأخطار تفسر اقتصار استخدام الزجاج الداكن الكامل في معظم الدول على حالات محددة تخضع لترخيص أو لضوابط قانونية، بما يحقق توازناً بين حق الأفراد في الخصوصية ومتطلبات الأمن والسلامة العامة.

وفيما ينتشر الزجاج الداكن في بعض الأوساط الاجتماعية، ويتبارى أفرادها ومنتسبوها في إبراز "سطوتهم وكثرتهم، يتسابق هؤلاء في نشر فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي للتفاخر بالمواكب السيَارة والطويلة. ويقرن اللبنانيون بين ظاهرة "مواكب الزجاج الداكن" وتحدي هيبة الدولة والقانون.

يقدم علماء النفس الاجتماعي قراءة معمقة لمسألة الزجاج الداكن انطلاقاً من خصوصية التجربة اللبنانية، التي يختلط فيها الحيز العام بالخاص. ويربط فضل فقيه عالم النفس النفسي بين ظاهرة "الفوميه" وطبيعة المجتمع اللبناني إذ "يهتم المواطن بنظرة الآخرين إليه ضمن معادلة الأنا والآخر، سواء لناحية التقييم الإيجابي أو السلبي"، موضحاً "يلعب تقدير الناس ونظرتهم إلى الشخص دوراً رادعاً في المجتمعات الشرقية أكثر منه القوانين والنظم".

ويضيف "يتجه الفرد إلى وضع الزجاج الداكن انطلاقاً من أن يكون هو غير مرئي وفي الوقت نفسه لديه القدرة على رؤية ومراقبة الغير"، كذلك "تعكس شبكة العلاقات والقوة التي يمتلكها، وأنه رجل هام في المجتمع، وهو لا يكف عن تركيب الزجاج الداكن وإن كان الأمر غير قانوني".

كذلك ينوه فضل فقيه إلى "التحليل النفسي المنطلق من عقدة الشعور بالنقص لدى الأفراد، إذ يقوم ببعض السلوكيات للتعويض وإبراز قدراته ومواهبه". وهو "يشكل تنبيهاً للآخرين بأنه يتعامل مع سائق يمتلك نفوذاً وشبكة علاقات واسعة"، ولا ينفي فقيه دور "التقليد" والانتماء إلى تيارات سياسية قوية، "ولا يمكن تجاهل سيكولوجية الإنسان المقهور إذ يحاول الفرد التغلب على مشاعره، ومحاولة إنفاق المال على أشياء أخرى للتعويض عن افتقاره إلى السلطة"، ناهيك عن "حالة التماهي بين مجموعات من الأفراد إذ يمتلكون نفس القيم والمسالك ويحاولون توحيد المظهر العام".

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات