ملخص
رغم الحرب وتعطل الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، واصلت الصين تأمين وارداتها النفطية من الشرق الأوسط مستفيدة من علاقاتها مع كل من إيران والسعودية
في الوقت الذي تتسبب الاضطرابات العسكرية عند اثنين من أهم الممرات البحرية في الشرق الأوسط في هزات بأسواق الطاقة العالمية، تمكنت الصين من الحفاظ على تدفق إمدادات النفط المقبلة من المنطقة، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة مع كل من إيران والدول الخليجية.
ففي الأسبوع الماضي، بدأ الحوثيون المدعومون من إيران استهداف ناقلات نفط مرتبطة في مضيق باب المندب، مما وسّع نطاق الحرب مع إيران وأربك أحد أهم المسارات المستخدمة لتصدير النفط إلى آسيا بعيداً من مضيق هرمز.
لكن الجماعة سمحت في المقابل بمرور ناقلتين صينيتين تحملان نفطاً سعودياً عبر المضيق، بعدما بثت السفينتان رسائل تعريفية تفيد بأن "الطاقم والمالك صينيان". كما عبرت لاحقاً ناقلتان عملاقتان أخريان محملتان بالنفط السعودي ومتجهتان إلى الصين، في مؤشر إلى أن الحوثيين يتجنبون استهداف الشحنات المرتبطة ببكين.
وفي الجهة الأخرى من شبه الجزيرة العربية، أدى استئناف الحصار الأميركي وتهديدات إيران في مضيق هرمز إلى عرقلة حركة ناقلات النفط، إلا أن ذلك لم يمنع الصين من مواصلة استيراد النفط الإيراني، عبر الاعتماد على مخزون عائم قبالة السواحل الماليزية، وهي آلية قائمة منذ سنوات للالتفاف على العقوبات الأميركية.
وقال رئيس أبحاث الطاقة في شركة "أم أس تي فاينانشال"، سول كافونيك، لصحيفة "وول ستريت جورنال"، إن أمن الطاقة يمثل ورقة جيوسياسية أساسية بالنسبة إلى الصين، التي عملت على مدى سنوات على تقليص اعتمادها على الممرات البحرية المعرضة للمخاطر. وأضاف أن استمرار النفوذ الإيراني في مضيق هرمز يعزز في الوقت ذاته الموقع الجيوسياسي للصين.
علاقات متوازنة مع جميع الأطراف
ويكشف نجاح بكين في تجاوز الحصار البحري عن المكاسب التي حققتها من الحفاظ على علاقات وثيقة مع إيران، التي تعد شرياناً مالياً مهماً لها، وفي الوقت ذاته مع السعودية ودول الخليج، التي تمثل مصدراً رئيساً لإمدادات الطاقة.
وخلال ذروة الحرب في مارس (آذار) الماضي، لجأ بعض البحارة الصينيين إلى رفع الأعلام الصينية على متن سفنهم أملاً في الحصول على مرور آمن عبر مضيق هرمز، حتى وإن لم تكن السفن مسجلة تحت العلم الصيني.
لكن هذه الحيلة لم تنجح دائماً؛ ففي مايو (أيار) الماضي استهدفت إيران ناقلة النفط "جيه في إنوفيشن" المسجلة في جزر مارشال، رغم أنها مملوكة لشركة صينية ويعمل عليها طاقم صيني في غالبيته، مما أدى إلى اندلاع حريق على متنها.
وأعربت بكين آنذاك عن "قلقها البالغ" إزاء السفن وأطقمها العالقة في المضيق، ودعت إلى استعادة حرية الملاحة، لكنها لم تمارس ضغوطاً حقيقية على طهران، بل واصلت تقديم الدعم الدبلوماسي لها.
الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني
وتستورد الصين نحو 90 في المئة من صادرات النفط الإيرانية، وهو ما يساعد طهران على الصمود في مواجهة العقوبات الغربية، كما أنها في الوقت ذاته من أكبر مستوردي النفط السعودي.
وقبل اندلاع الحرب، كان ما يقرب من نصف واردات الصين النفطية يمر عبر مضيق هرمز.
وأظهرت الحرب أيضاً قدرة بكين على التأثير في أسواق النفط العالمية عبر خفض مشترياتها. فبحسب بيانات شركة "كبلر"، انخفضت واردات الصين من النفط الإيراني من 1.7 مليون برميل يومياً في مارس (آذار) الماضي إلى 785 ألف برميل يومياً في يونيو (حزيران) الماضي، ثم إلى 523 ألف برميل يومياً في يوليو (تموز) الجاري.
في المقابل، تشير بيانات شركة "فورتيكسا" إلى أن حصة الخام الإيراني من إجمالي واردات الصين ارتفعت إلى أكثر من 24 في المئة في مايو (أيار) من العام ، ثم إلى 18 في المئة في يونيو (حزيران) من العام، مقارنة بنحو 15 في المئة في فبراير (شباط) الماضي، رغم أن البيانات الرسمية الصينية لا تسجل أي واردات نفط إيرانية منذ عام 2022.
مخزون عائم قبالة ماليزيا
ويرى محللون أن إيران استغلت فترة التهدئة الموقتة التي استمرت شهراً في الحصار الأميركي لتصدير ما بين 5 و6 مليارات دولار من النفط، قبل استئناف القيود في منتصف يوليو (تموز) الجاري.
وتتجه هذه الشحنات إلى منطقة قبالة السواحل الماليزية، حيث تُنقل الحمولة من الناقلات الإيرانية إلى سفن أخرى تواصل رحلتها نحو الصين، في واحدة من أكثر أساليب الالتفاف على العقوبات استخداماً.
ووصلت إحدى هذه الناقلات، "هيومانيتي"، إلى المياه الماليزية خلال عطلة نهاية الأسبوع، وفق بيانات تتبع حركة السفن.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأظهرت بيانات الملاحة البحرية انتعاش حركة سفن الشحن الإيرانية إلى الموانئ الصينية بعد التهدئة الموقتة، قبل أن تتراجع مجدداً مع استئناف الحصار، إذ شوهدت ما لا يقل عن 10 سفن إيرانية داخل الموانئ الصينية أو بالقرب منها.
وتنقل هذه السفن، التي تدير معظمها شركة الشحن الحكومية الإيرانية، بضائع متنوعة تشمل السلع الاستهلاكية والآلات والمواد الكيماوية، فيما تتهمها جهات غربية أيضاً بنقل مواد تستخدم في تصنيع الصواريخ الإيرانية.
ناقلات صينية تعبر باب المندب بأمان
وفي الوقت الذي يواصل فيه الحوثيون استهداف السفن المرتبطة بالسعودية في باب المندب، تمكنت ناقلتا النفط الصينيتان "شين لونغ يانغ" و"كوزنيو ليك" من عبور المضيق محملتين بالنفط من مصفاة أرامكو السعودية وإكسون موبيل، وهما في طريقهما إلى الصين.
وتعود ملكية الناقلتين إلى شركة تابعة لمجموعة "كوسكو" الحكومية الصينية، بينما استأجرتهما ذراع تجارية تابعة لشركة "سينوبك".
وغادرت خلال عطلة نهاية الأسبوع ناقلتان عملاقتان أخريان، ترفعان علم هونغ كونغ ومتجهتان إلى الصين، البحر الأحمر عبر باب المندب محملتين بالنفط السعودي، في حين لا تزال ناقلتان صينيتان فارغتان تنتظران التعليمات داخل البحر الأحمر.
وكان الحوثيون قد أنشأوا في وقت سابق نظاماً يسمح بمنح تصاريح عبور انتقائية للسفن عبر باب المندب، من خلال تقديم طلبات مسبقة عبر البريد الإلكتروني. وتشير تقارير إلى أن إيران تسعى إلى تطبيق نظام مشابه لتنظيم المرور وفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز.