Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بادينوك تحذر من "غيتوهات" تدمر المملكة المتحدة

زعيمة "المحافظين" تقول إن المهاجرين يعيدون إنتاج بلدانهم وتعد بالاستيعاب بدلاً من التعددية الثقافية

زعيمة حزب المحافظين البريطاني كيمي بادينوك (غيتي)

ملخص

أعادت زعيمة حزب "المحافظين" كيمي بادينوك إحياء جدل قديم في بريطانيا، حين حذرت من تحول البلاد إلى "غيتوهات صغيرة" لمجتمعات انفصالية، تعيد إنتاج البلدان التي جاء منها سكانها، وذلك في اليوم الأول من مؤتمر حزبها في برمنغهام، ويندرج التحذير في مشروع أوسع أطلقته في مارس (آذار) الماضي، يرفع شعار "الاستيعاب" بدلاً من التعددية الثقافية، ويعد بلجنة للاندماج ومراجعة لقانون المساواة والمناهج المدرسية.

في جلسة أعقبت كلمة كيمي بادينوك في افتتاح المؤتمر السنوي لحزب "المحافظين" البريطاني في برمنغهام، كانت زعيمة المعارضة قد قدّمت للتو كتيب "الطريق الصحيح"، الذي أرادته صدى لوثيقة "النهج الصحيح" التي أصدرها الحزب عام 1976، ومهدت لوصول مارغريت تاتشر إلى الحكم.

وحين انتقل الحديث إلى الاندماج، قالت بادينوك إنها لا تريد "كثيراً من 'الغيتوهات' الصغيرة لمجتمعات انفصالية، تعيد إنشاء المكان الذي جاءت منه"، فذلك سيدمر المملكة المتحدة، على حد تعبيرها.

وربطت بادينوك تحذيرها بفكرة "المجتمع العالي الثقة"، فقالت إن "بريطانيا كانت دائماً بلداً لا يحتاج فيه الناس إلى إقفال أبوابهم ويثقون بنيات بعضهم بعضاً، وإن القادمين إليها عليهم أن ينضموا إلى البلد ويقبلوا بهذا العقد". واستدركت بأن البلاد لم تعرف قط مواطنة قائمة على العرق، لكنها الثقافة البريطانية "تعني شيئاً".

يرى موقع "أنهيرد" أن خطة بادينوك في شأن الهجرة لن تستعيد ناخبي الحزب الذين نزحوا إلى "ريفورم"، لأن مقترحاتها الحدودية تبدو أكثر ليونة من مقترحات نايجل فاراج، على رغم تبنيها الخروج من الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان، وإلغاء قانون حقوق الإنسان لعام 1998. أما الاقتصادي ريتشارد مورفي فرأى أن كتيب "الصحيح" يرسم دولة تتراجع اقتصادياً وتتمدد في الشرطة والحدود والهوية الوطنية. أما الكاتب في مجلة "سباكتيتور" ستيفن دايزلي فقد امتدح أطروحة بادينوك عن التعددية الثقافية، بوصفها كسراً لصمت النخبة. لكنه طرح سؤالاً فحواه، ماذا نفعل لو أصرّ القادمون الجدد على تغيير البلد، على رغم دعوتهم إلى الانضمام إليه؟

لفهم ما تقصده بادينوك بـ "الغيتوهات" لابد من العودة لخطابها أمام مؤسسة "بوليسي إكستشينج" في الثاني من مارس (آذار) 2026، فهناك ميزت بين "الانفصالية" و"الطائفية".

عرّفت الأولى بأنها نمط حياة يعزل جماعة عن المجتمع الأوسع، ليقول أصحابه إنهم يعيشون في البلد لكنهم لا يشاركون فيه، ورأت في الثانية عرضاً للأولى، أي السياسة التي تنشأ حين يتعلم الناس التفكير ككتل. وقالت إن الانفصالية تظهر بأوضح صورها في بعض المجتمعات المسلمة، وإن التطرف الإسلاموي أعنف تعبيراتها. وأضافت أنها تمتد إلى جماعات أخرى، واستشهدت بهجوم نفذه انفصاليون سيخ على "المفوضية الهندية العليا" في لندن عام 2023.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استند خطاب بادينوك إلى وقائع محددة، أبرزها الانتخابات الفرعية في دائرة غورتون ودنتون، التي قالت بادينوك إن حزب "الخضر" خاض فيها حملة باللغة الأردية لتعبئة الناخبين على أساس العرق والدين، وأشارت أيضاً إلى فضيحة عصابات الاستغلال الجنسي، وإلى المعلم الذي اضطر إلى الاختباء بعد عرضه رسماً كاريكاتوريا للنبي محمد في مدينة باتلي. ورأت أن الضحايا الأوائل للانفصالية هم المحتجزون داخلها: أطفال معزولون عن الحياة البريطانية، ونساء يُمنعن من العمل والاستقلال، وفتيات يزوجن قسراً. وخلصت إلى قاعدتها الأشهر: بريطانيا بلد متعدد الأعراق، لكن لا ينبغي أن يكون متعدد الثقافات. وقالت صراحة إن الهدف ليس الاندماج، بل الاستيعاب.

وبنت بادينوك على هذا التشخيص برنامجاً معلناً، فقد أعلنت تشكيل "لجنة الثقافة والاندماج" برئاسة اللورد توبي يونغ، وكلفتها رفع تقرير أولي قبل المؤتمر السنوي الحالي الذي بدأ أعماله أمس الأحد، تمهيداً لـ"خطة للاندماج والتماسك" تحدد الثقافة التي يُنتظر من القادمين الاندماج فيها. ووعدت بإنهاء سياسات الهوية في مؤسسات الدولة، وإصلاح قانون المساواة عبر "اختبار للجدارة" تتولاه النائبة كلير كوتينيو.

وأسندت بادينوك إلى المؤرخ روبرت تومز والرئيسة السابقة لهيئة التفتيش التعليمي البارونة أماندا سبيلمان إعداد منهج يروي "قصة وطنية متماسكة"، وإلى كريس فيليب ونيك تيموثي ملف التطرف الإسلاموي. ثم أضاف "الطريق الصحيح" سقفاً سنوياً ملزماً للهجرة النظامية يقره البرلمان، ومضاعفة مدة التأهل للإقامة الدائمة من خمسة إلى 10 أعوام.

غير أن المفردة التي اختارتها بادينوك تحمل تاريخاً يتجاوز مقصدها. فـ "الغيتو" في أصله حي فرض على اليهود في البندقية مطلع القرن الـ16، ثم صار في الـ20 مرادفاً لأحياء العزل النازية، ثم لأحياء السود في المدن الأميركية، والقاسم المشترك بين هذه النماذج هو الإكراه لا الاختيار، ومن هنا جاء اعتراض الجغرافي في جامعة أكسفورد سيري بيتش، الذي نشر عام 1996 دراسة بعنوان "هل لدى بريطانيا غيتوهات؟"، وخلص إلى أن تجمعات الأقليات البريطانية لا تستوفي معايير "الغيتو" بمفهومه الأميركي. وحذّر من صناعة "غيتوهات السمعة"، أي مناطق توصم بالعزلة فيتجنبها الناس، فتتحقق النبوءة من تلقاء نفسها.

وتكررت المواجهة الأكاديمية عام 2005، ففي الـ22 من سبتمبر (أيلول) من ذلك العام، ألقى رئيس لجنة المساواة العرقية آنذاك تريفور فيليبس خطاباً في مانشستر، بعد أسابيع من تفجيرات لندن، حذّر فيه من أن بريطانيا "تمشي نائمة نحو العزل". وقال فيليبس إن بعض الأحياء في طريقها إلى أن تصبح "غيتوهات" مكتملة. وجاء الرد سريعاً من بيتش نفسه، الذي كتب أن مؤشرات العزل في المدن الإنجليزية كانت بين عامي 1991 و2001 مستقرة أو متراجعة. وانضم إليه الجغرافي داني دورلينغ، ثم الباحثان نيسا فيني ولودي سيمبسون اللذان أصدرا عام 2009 كتاب "المشي نائمين نحو العزل؟ تحدي الأساطير حول العرق والهجرة". أما عالم الاجتماع طارق مودود، فاختصر المسألة بأن "الغيتوهات" يصنعها من يغادرون، في إشارة إلى نزوح البريطانيين البيض من الأحياء التي تتزايد فيها الأقليات.

بين المفردة والظاهرة مسافة، لكن خطأ التسمية لا ينفي وجود مشكلة. والمراجعة الحكومية التي أعدتها لويز كيسي عام 2016 بتكليف من ديفيد كاميرون أقرت بأن ممارسات ثقافية ودينية تعوق تقدم نساء في بعض المجتمعات، وهي النقطة التي تبني عليها بادينوك جانباً من حجتها. في المقابل، ردت جهات مسلمة آنذاك بأن التقرير أهمل دور نزوح البيض والعوائق الاقتصادية البنيوية في تكريس العزل.

 

بادينوك ليست سباقة في هذا الخطاب. ففي برمنغهام نفسها، ألقى النائب المحافظ إينوك باول في الـ 20 من أبريل (نيسان) 1968 خطاب "أنهار الدم" الشهير، الذي كلفه موقعه في حكومة الظل. وبعد عقد تحدثت تاتشر عن خشية البريطانيين من أن "تغمرهم" ثقافات أخرى. ثم انتقل النقاش من الهامش إلى الدولة بعد أعمال الشغب في أولدهام وبيرنلي وبرادفورد صيف 2001، حين خلص تقرير تيد كانتل إلى أن المجتمعات تعيش "حيوات متوازية". وفي الخامس من فبراير (شباط) 2011، أعلن كاميرون في ميونيخ فشل "التعددية الثقافية للدولة"، وفي الـ 12 من مايو (أيار) 2025، حذّر رئيس الوزراء السابق كير ستارمر من أن تصبح بريطانيا "جزيرة من الغرباء"، قبل أن يبدي ندمه على العبارة. فالنقد إذن عابر للأحزاب، لكن الجديد أن زعيمة "المحافظين" تستبدل لغة "الحيوات المتوازية" التقنية بلغة "الغيتو".

ويفسر المزاج العام جانباً من هذا التحول، ففي مسح أجرته مؤسسة "مور إن كومن" أواخر 2025 ونشرته في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2026، سُئل البريطانيون عن أكبر الانقسامات في مجتمعهم، فاختار 47 في المئة منهم الانقسام بين المهاجرين والمولودين في بريطانيا، في مقابل 45 في المئة اختاروا الانقسام بين الأغنياء والفقراء، وبذلك تقدم ملف الهجرة للمرة الأولى على الفوارق الطبقية في نظر البريطانيين.

وأظهر المسح نفسه أن 64 في المئة من البريطانيين يرون بلادهم منقسمة، بعدما كانت النسبة 54 في المئة، وهي الأعلى منذ بدأت المؤسسة قياسها عام 2022، ولا يزال 55 في المئة يعتقدون أن البريطانيين قادرون على تجاوز خلافاتهم، لكن 45 في المئة باتوا يرون هذه الخلافات أعمق من أن تُردم، بزيادة 10 نقاط منذ مايو (أيار) 2025. وترتفع هذه النسبة إلى 55 في المئة بين ناخبي "ريفورم".

أما الحسابات الانتخابية فأكثر إلحاحاً، فبحسب متوسط استطلاعات "التلغراف"، يحصل المحافظون على 19.9 في المئة مقابل 22.7 في المئة لـ"ريفورم"، فيما يتصدر حزب العمال بقيادة رئيس الوزراء آندي بيرنهام بـ27.9 في المئة، وكان المحافظون قد هبطوا إلى 17.5 في المئة في سبتمبر 2025. وتحاول بادينوك في هذا السياق التمايز عن يمين أكثر تشدداً، إذ يرفض كتيبها، الجدل حول من يُعد بريطانيا من الناحية العرقية، ويرفض سياسات الهوية "من اليمين كما من اليسار".

بعد الخطاب يجرد ببادينوك تحويل التحذير إلى سياسات قابلة للقياس عبر تقرير لجنة يونغ وإصلاح قانون المساواة والمناهج وشروط الإقامة. ومنطق هذا المسار أنه يمنح الحزب ما ينقص "ريفورم"، وهو صورة الحكومة الجاهزة لا حركة الاحتجاج، لكن ثمة تعقيدات قانونية للأمر، والتجربة الدنماركية حاضرة في هذا السياق، إذ أدرجت كوبنهاغن عام 2018 أحياء ذات غالبية مهاجرة على قائمة رسمية لـ "الغيتوهات"، فرفع سكانها دعاوى أمام القضاء، ثم استبدلت الحكومة المصطلح لاحقاً بتعبير "المجتمعات الموازية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير