ملخص
يرتحل الكاتب مصطفى الشيمي في رواية "آرو... تراتيل النار"، إلى فضاءات بعيدة في مصر القديمة، يسائل عبرها السردية الرسمية، كاشفاً عن إرث ممتد من الظلم والهشاشة الإنسانية والعدالة الغائبة.
في روايته "آرو... تراتيل النار" (دار الشروق - القاهرة)، يعيد الكاتب مصطفى الشيمي تشكيل التاريخ داخل بنية أسطورية، تتقاطع خلالها المصائر الفردية بالتحولات الكبرى. ويحيل عبر عنوان النص وعتبته الأولى، إلى مصر القديمة، إذ إن "آرو" تعني الجنة والنعيم الأبدي عند قدماء المصريين، أما التقابل الضدي بين الجنة والنار، فيشي بتلوث العقيدة، ويمهد لأحداث صادمة في عالم روائي، يحاول الكاتب من خلاله تفكيك، لا تمجيد التاريخ.
يستهل الشيمي رحلته السردية بنص من كتاب الموتى: "لعله يقف كما تقف، يجلس كما تجلس، يا من تعطي الأرواح الكاملة: الخبز والجعة". ثم يؤطر عبر هذا الاستهلال عالمه الروائي وفضاءه الزمكاني، إذ تدور الأحداث خلال حكم الملك رمسيس الثالث. كما يمهد عبر رمزية الخبز والجعة إلى مفاهيم وقضايا جوهرية يطرحها السرد، حول العدالة والمساواة.
سطوة الراوي
يستحوذ الراوي العليم على سلطة الحكي، غير أنه لا يدخل فوراً في حبك الحكاية، بل ينطلق من خارجها، فيعلن عن وجوده وسطوته عبر مقدمة منفصلة، يضبط الكاتب من خلالها إيقاع النص، ويمنح قارئه مفاتيح نفسية وفكرية لقراءة الأحداث. كما يمنح الحكاية موثوقية زائفة عبر لجوئه إلى وهم التوثيق، مستثمراً تقنية المخطوط المكتشف، إذ يخبر بأن الوقائع المسرودة، ورد أكثرها في برديات مكتشفة في الصحراء قرب مدينة طيبة، لكنه ما يلبث أن يتحلل من أي قيود أو صرامة تاريخية، ويطلق العنان للتخييل الحر، عبر إعلانه عن الحالة التالفة لتلك البرديات، وما تخللها من فجوات شاسعة، إضافة إلى عدم موثوقيتها لكونها بلا ثقل علمي، ولأن كتابها مجهولون.
وبينما يمهد الكاتب عبر مقدمة الراوي لحكاية هامشية أبطالها أم محاربة من معسكر الأعداء، وأب كاهن ملعون، وابن يدعي النبوة، يطلق منذ الوهلة الأولى سخرية مبطنة وتساؤلاً وجودياً، حول طغيان السلطة وهشاشة الإنسان: "ولقد ارتأينا، بعد تردد وطول تفكير، أن نترك الحكاية بين يدي القارئ، آملين أن تكون عبرة له ولكل من تسول له نفسه الوقوف ضد إرادة فرعون، في كل زمان ومكان" (ص9).
حقائق ثابتة
يوظف الكاتب وقائع تاريخية ثابتة في بناء الحبكة الدرامية، إذ تبدأ الأحداث بمحاولة شعوب البحر غزو مصر عبر مدينة ثونيس، ليتصدى لهم رمسيس الثالث وجنوده. يكبدهم هزيمة قاسية، يستثمرها الشيمي في خلق واحدة من شخصياته الرئيسة وهي "كاسندرا"، المحاربة التي تتمكن من الفرار من جنود فرعون، وتتسلل إلى بيت من بيوت المصريين، فتلتقي صاحبه الكاهن المطرود من المعبد "نيفر"، ثم تنشأ بينهما علاقة حب تمضي بهما على طريق الهرب والخوف والدم. ولم تكن معركة المصريين مع شعوب البحر، التجلي الوحيد للحقائق التاريخية داخل السرد، إذ يعمد الكاتب لاستثمار "مؤامرة الحريم" التي قامت بها الملكة تي وابنها الأمير بانتاور وأعوانهم للانقلاب على رمسيس الثالث.
كذلك يستدعي الأوضاع الاقتصادية المتردية للدولة المصرية في تلك الحقبة، وعدم حصول العمال على أجورهم ما قادهم لتنظيم أول إضراب عمالي عرفه التاريخ. وفضلاً عن توظيفه بعض الوقائع التاريخية في خدمة التطور الدرامي للأحداث، فإنه في الوقت نفسه يستدعي معارف تاريخية متنوعة حول سقوط الإمبراطورية الحيثية على يد شعوب البحر، والهجمات التي تعرضت لها مصر في تلك الحقبة من قبائل الليبو، مملكة كوش، مملكة خيتا، وأبناء أرض آشور، والملوك الذين تعاقبوا على الحكم بعد مقتل رمسيس الثالث، وما اتسم به حكمهم من ضعف.
كذلك يستدعي معارف عن الصباغة والألوان، ويطرح عبرها قضية التمييز الاجتماعي والتفاوت الطبقي في مصر القديمة، إذ اقتصرت ألوان بعينها على الملوك والنبلاء، وكان الأبيض الناصع من نصيب الكهنة. في حين كانت الألوان الباهتة من نصيب الخدم والعبيد والفقراء، "ربما أعلن ميري بقوة أن حق الحصول على اللون حق إنساني أصيل، اللون مثل الخبز والماء، ربما أعلن رفضه لاحتكار بعض الناس لألوان بعينها" (ص162).
فساد المعبد
يتعرض الكاتب لسلطة الكهنة التي تجاوزت سلطة الملك ذاته. ويتناول فسادهم وتلونهم السياسي وما كانوا يعيشونه من بذخ على رغم الظروف الاقتصادية المتردية التي عانى العامة تبعاتها. كما يتطرق للحقوق المنهوبة والعدالة الغائبة ولجوء الساسة للإلهاء والتغطية على القضايا والمشكلات الكبرى، "خزانة البلاد ضعيفة بعد الحروب الأخيرة، وإن وجود نبي معارض لفرعون لهو إلهاء جيد قد يغطي على مشكلات كثيرة مثل أجور العمال المتأخرة" (ص181).
وعبر ما يرصده من ظروف سياسية واجتماعية، وما يطرحه من قضايا، يبرز الكاتب التقابل بين ثراء الكهنة وفقر الشعب، وبين ما يدعيه الكهنوت في العلن، وما يمارسه في الخفاء. كما يحول تلك الأوضاع إلى وقود للصراع الذي يشتعل بين "أميني" و"نيفر". إذ يستغل الكاهن الفاسد علاقاته وقربه من البلاط للتخلص من "نيفر" وأبعاده عن المعبد. كذلك يندلع صراع بين ابني رمسيس الثالث "هقا" و"بنتاور" على الحكم، وبين "ميري" مدعي النبوة وأتباع الملك، وبينه وبين السحرة "رجال حكا".
وإلى جانب الصراع الخارجي، تندلع صراعات أخرى في دواخل الشخوص، تفشي هشاشتها وتراوحها بين فطرة خيرة وطبائع رديئة. فيضيع "نيفر" بين حب لـ"كاسندرا" يحثه على الصمت وإخفاء أمرها، وبين خوف من افتضاح أمره يدفعه للتفكير في الوشاية بها. وتراوح "كاسندرا" بين الخوف من "نيفر"، والثقة به. ويتنازعها بعد أعوام من زواجهما مشاعر متناقضة من الحب والكراهية للرجل ذاته، "تتأرجح بين الحب والكراهية، بين القتل والمغفرة. تناغم جسده مع جسدها في رقصة لا يجود الزمان بمثلها، كل هذا الحب، كل هذه الكراهية المدفونة أسفل الجلد. من يعرف الإنسان حقاً؟!" (ص170).
ميثولوجيا فرعونية
يرتكز السرد على الميثولوجيا المصرية القديمة التي تتجلى في حضور معبودات المصريين القدماء، التي تلعب دوراً فاعلاً في تحريك الأحداث، فتكون في الوقت نفسه نافذة تتسلل الفانتازيا من خلالها إلى النص. إذ تتولى المعبودة "باستيت"، التي جسدها المصري القديم في صورة امرأة برأس قطة، إشعال شرارة العشق بين "كاسندرا" و"نيفر".
في حين يمهد "بس" لرحلتهما من "ثونيس" إلى "طيبة". وينذر حضور "أنوبيس" بجريمة القتل الأولى، التي يرتكبها "نيفر" وتقوده إلى الهلاك. ويوظف الكاتب بعض الأساطير في خدمة السرد، ولا سيما في إنتاج التماثل، الذي بدا تارة بين ألم "نيفر"، حين قرر اقتلاع عينيه للتخلص من اللعنة ومطاردة شبح "تابوبو" له، وألم "حورس" في الأسطورة، حين تمزقت عيناه في معركته مع "ست" قبل أن تباركه الربة "توت" بعينين زرقاوين أخريين.
وتارة بين "كاسندرا" والربة "عنات" بوصفهما غريبتين وافدتين على "كيميت". وتارة أخرى بين "تابوبو" التي ظلت ترد الروح في "نيفر" كلما أوشك على الموت، والربة "إيزيس" التي جمعت بقايا "أوزوريس" لتعيده إلى الحياة.
صور وصفية
يذهب الكاتب لتعزيز السمة البصرية للسرد عبر ما يستخدمه من مشهدية وصور وصفية كثيفة تجسد جوانب الحياة اليومية للمصري القديم، فيصور الأماكن والشخصيات ومختلف الكائنات التي شاركت القدماء بيئتهم، على نحو سمح باستحضار حقبة تاريخية بعيدة، وزيادة واقعية السرد، وإبطاء حركته بما يتيح التماهي مع النص. فضلاً عما منحه للأماكن والشخصيات من حياة، وكثافة دلالية ورمزية أيضاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فحين يصف معبد مدينة "هابو" تزامناً مع تجوال "كاسندرا" داخله، ويرصد ملامح برجيه، بوابته المحصنة، النقوش والزخارف على جدرانه، تمثال آمون، النساخ أثناء قيامهم بكتابة النصوص، فإنما يحول المعبد إلى أيقونة للسلطة المطلقة والقوة الإمبراطورية، ويعزز أثره في نفس الشخصية، التي تستشعر التهديد والترهيب لا الترحيب، وتستعيد جرح الهزيمة وشعور التهديد والمطاردة. وحين يصف بيت "نيفر" المتداع والمتآكل في طيبة، يرصد ما لحق بالشخصية من فقر وبؤس وتيه، ويمهد للتحول في علاقة الزوجين التي انتقلت لها عدوى التآكل والتداعي.
وحين يصف ألوان ملابس المصريين بمختلف طبقاتهم، يحيل إلى غياب العدالة وعمق التفاوت الطبقي. كذلك يستخدم الشيمي الوصف التفسيري لخلق معادلات موضوعية وشعورية للحالة النفسية للشخوص، "الهواء مثقل بالظلمة، والقمر متواطئ مع الغيوم التي ألقت ظلالها على طيبة... ساعدت كاسندرا، قار، ورفعت معه الجثة وألقياها في القارب وانطلقا في النهر المظلم" (ص176).
وإلى جانب الوصف الكثيف، يعتمد الكاتب بعض التقنيات السينمائية مثل الفلاش باك، وحركة الكاميرا، والقطع المتوتر، والمونتاج. وتدعم هذه التقنيات إضافة إلى مشهدية اللغة، السمات البصرية للسرد. وتعزز الإيهام بآنية الحدوث، كما تدفع بجرعات من التشويق وحبس الأنفاس، "أراد أن يتذوق رمالها فأخرج لسانه، ومثله فعلت الكوبرا. وقفت وراءه بعينيها الواسعتين ورفعت رأسها الكبير. فلطحت رقبتها ومطتها. لم تصدر أي صوت قبل الانقضاض عليه، لكن الصوت الذي وصل ميري كان صوت النداهة التي أمرته: التفت، هناك المزيد" (ص84).
وبينما يعمل الوصف في مواضع بعينها على إبطاء السرد، يساعد الحذف في مواضع أخرى، إلى جانب القفزات الزمنية عبر الاستباق والاسترجاع، على تسريع الإيقاع وبث الحيوية والتوتر. كذلك يلجأ الكاتب إلى تكرار مشهد "ميري" على المنصة قبيل معاقبته بالموت، بهدف تجميد الصدمة وتوليد مفارقة بصرية مؤلمة من التناقض بين بهجة احتفال الناس بالعيد، وذهول الشاب الذي ينتظر إعدامه. كما يخلق مفارقة نفسية ودرامية من الخذلان الأمومي، فـ"كاساندرا" الغازية التي أرادت غرس نسلها في أرض "كيميت"، هي ذاتها من قامت باقتلاعه!