Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين الميثاق والواقع: المنظومة الأممية وإشكالية القرار الدولي

استخدمت الولايات المتحدة "الفيتو" في ما يخص القضية الفلسطينية والنزاع العربي - الإسرائيلي أكثر من 46 مرة

استخدمت الولايات المتحدة "الفيتو" في ما يخص القضية الفلسطينية والنزاع العربي - الإسرائيلي أكثر من 46 (موقع الأمم المتحدة)

ملخص

تكشف البيانات الرسمية لتوثيق القرارات الأممية في نيويورك عن أن حق "الفيتو" فُعِّل مئات المرات في قضايا مختلفة منذ عام 1945، وقد استخدمته الولايات المتحدة في ما يخص القضية الفلسطينية والنزاع العربي - الإسرائيلي أكثر من 46 مرة لإعاقة مشاريع قرارات تتعلق بإدانة الاستيطان، أو المطالبة بوقف إطلاق النار، أو فتح تحقيقات دولية في خرق القانون الدولي الإنساني، أو منح فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وكان آخرها "الفيتو" الأميركي ضد طلب العضوية الكاملة في أبريل عام 2024 على رغم موافقة 12 دولة.

في المقابل، استخدمت روسيا والصين "الفيتو" في ملفات إقليمية أخرى، مثل الأزمة السورية.

في مبنى الزجاج الأزرق القائم على ضفاف نهر "إيست ريفر" بنيويورك تتزين القاعة الرئيسة لمجلس الأمن الدولي بجدارية شهيرة للفنان النرويجي بير كروغ، تجسد طائر الفينيق وهو ينهض من وسط الرماد لإعادة بناء العالم. كان الهدف المفترض من هذا الرمز عند تأسيس الأمم المتحدة عام 1945 واضحاً وصريحاً: التأسيس لعالم جديد تعلو فيه سلطة الميثاق والمبادئ الجامعة للقانون الدولي فوق منطق القوة والغلبة، وتحفظ فيه دماء الشعوب عبر آليات تنفيذية ملزمة تحول دون تكرار مآسي الحروب العالمية، غير أن المسار التاريخي للنزاعات الممتدة حول العالم، وفي صدارتها ملف الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، وضع هذه المنظومة بأسرها تحت مجهر المساءلة والنقد الشديدين، فالتباينات الصارخة بين حجم القرارات الصادرة عن أروقة الأمم المتحدة وبين واقع التطبيق الميداني على الأرض، أثارت أسئلة عميقة لدى الخبراء والدبلوماسيين وحقوقيي العالم على حد سواء: هل تعاني المؤسسة الأممية شللاً هيكلياً جينياً يحول دون تحقق أهدافها؟ أم أنها أنشئت أصلاً لتكون صدى لموازين القوة وتوازنات الإرادات الكبرى؟

 

ويتكون مجلس الأمن الدولي من 15 عضواً: خمسة منهم دائمون يمتلكون حق "الفيتو" (الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وروسيا، والصين) و10 غير دائمين تنتخبهم الجمعية العامة لمدة سنتين وفق توزيع جغرافي محدد، وبموجب المادة الـ27 من ميثاق الأمم المتحدة، يتطلب إقرار أي قرار موضوعي غير إجرائي موافقة تسعة أعضاء، بشرط عدم استخدام أي من الدول الخمس الدائمة العضوية حق النقض (الفيتو). وقد صمم هذا الحق الاستثنائي في أعقاب الحرب العالمية الثانية لضمان بقاء الدول العظمى داخل المنظومة ومنع التصدع العسكري المباشر بينها، غير أن الممارسة العملية على مدى ثمانية عقود تحولت في كثير من الأحيان إلى أداة لتعطيل الإرادة الجماعية الدولية.

سجل تاريخي

وتكشف البيانات الرسمية لتوثيق القرارات الأممية في نيويورك، عن أن حق "الفيتو" فُعِّل مئات المرات في قضايا مختلفة منذ عام 1945، وقد استخدمته الولايات المتحدة في ما يخص القضية الفلسطينية والنزاع العربي - الإسرائيلي أكثر من 46 مرة لإعاقة مشاريع قرارات تتعلق بإدانة الاستيطان، أو المطالبة بوقف إطلاق النار، أو فتح تحقيقات دولية في خرق القانون الدولي الإنساني، أو منح فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وكان آخرها "الفيتو" الأميركي ضد طلب العضوية الكاملة في أبريل (نيسان) عام 2024 على رغم موافقة 12 دولة.

في المقابل، استخدمت روسيا والصين "الفيتو" في ملفات إقليمية أخرى، مثل الأزمة السورية، أكثر من 18 مرة لإحباط مشاريع قرارات غربية تحت بند العقوبات أو التدخل الدولي، مما يوضح أن التوظيف السياسي لـ"الفيتو" يعد سلوكاً مؤسسياً شاملاً لدى القوى الكبرى.

 

وحول هذا الانقسام الهيكلي رأى الأكاديمي والباحث في العلاقات الدولية طارق زياد أن "المعضلة الأساسية في المادة الـ 27 لا تكمن في وجود الفيتو بذاته كحق سياسي، بل في توظيفه كأداة حماية قانونية وسياسية تعفي أطرافاً بعينها من الامتثال لقرارات المجتمع الدولي"، مضيفاً "عندما تدرك أي دولة أن حليفها الدائم في المجلس سيمنع التبعات الجزائية تحت الفصل السابع، يتلاشى الدافع للالتزام بالقرارات، وتتحول القاعة من منصة لإنفاذ العدالة الدولية إلى مسرح لتسوية الحسابات الدبلوماسية بين القوى العظمى".

على الجانب الآخر، تقدم الدبلوماسية الأميركية والمدافعون عن هذه الهيكلية وجهة نظر مغايرة تماماً، إذ تشير البيانات الرسمية للخارجية الأميركية إلى أن استخدام "الفيتو" يعد أداة ضرورية لمنع "تسييس الغالبية" داخل الأمم المتحدة، ولضمان عدم فرض قرارات أحادية قد تضر بأمن إسرائيل أو تعوق مسار المفاوضات المباشرة بين أطراف النزاع باعتبارها، في الرؤية الأميركية، الطريق الوحيد للوصول إلى تسوية دائمة وحل الدولتين.

غياب التنفيذ

أمام حال الانسداد السياسي المتكررة في مجلس الأمن، اتجه عديد من الدول والمنظمات إلى المؤسسات القضائية التابعة للمنظومة الأممية، وعلى رأسها محكمة العدل الدولي، والمؤسسات القضائية المستقلة كالمحكمة الجنائية الدولية. وعلى رغم صدور قرارات وآراء استشارية توصف بالمفصلية، فإن إشكالية الإنفاذ الميداني ظلت التحدي الأعظم أمام هذه المؤسسات، فالرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية عام 2024 حول جدار الضم والتوسع الإسرائيلي، بغالبية 14 صوتاً مقابل صوت واحد، أقر بعدم قانونية الجدار المباشر في الضفة الغربية وطالب بتفكيكه وتعويض المتضررين، إلا أنه ظل حبراً على ورق ولم تتحقق مطالب المحكمة على الأرض لعدم صدور قرار تنفيذي يلزم بتطبيقه.

ولقيت الدعوى التاريخية التي رفعتها دولة جنوب أفريقيا (2023 - 2024) ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948 المصير ذاته، إذ إن الأوامر المتتابعة التي أصدرتها المحكمة بتدابير احترازية موقتة تطالب بوقف الأنشطة العسكرية وتسهيل دخول المساعدات، ظلت محل نزاع وسجال سياسي حاد، كذلك الأمر في الرأي الاستشاري التاريخي عام 2024 حين أعلنت محكمة العدل الدولية أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ عام 1967 والأنشطة الاستيطانية المرافقة له غير قانونية وتستوجب الإنهاء والتفكيك في أسرع وقت ممكن. وعلى رغم فتح تحقيقات رسمية وطلب إصدار مذكرات اعتقال في حق مسؤولين سياسيين وعسكريين، فإن المحكمة تصطدم بكون إسرائيل والولايات المتحدة ليستا عضوتين في "ميثاق روما"، مما يجعل تنفيذ المذكرات مرهوناً بمدى التزام الدول الأعضاء الـ124 فقط في حال سفر الأشخاص المطلوبة أسماؤهم إليها.

 

في هذا السياق الميداني، أوضحت المستشارة الحقوقية والباحثة في القانون الدولي، مؤلفة كتاب "العدالة للبعض: القانون والقضية الفلسطينية" نورا عريقات أن "القانون الدولي ليس مجرد نصوص أيديولوجية، فالمحاكم الدولية تؤدي دورها التوثيقي والفلسفي بدقة عالية وتراكم أدلة دامغة لا تقبل الشك، لكن المعضلة التأسيسية تكمن في المنظومة التنفيذية، فالعدالة الدولية دمجت في بنيتها الأساسية بسلطة مجلس الأمن"، وأضافت "عندما يمارس (الفيتو) لتجميد المخرجات القضائية، ينشأ لدى الضحايا والمجتمعات انطباع بأن العدالة اصطفائية، وأن القوانين تطبق بمرونة شديدة بحسب هوية الطرف المشتكى عليه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أزمات عالمية

تظهر المراجعة التاريخية الشاملة لأداء الأمم المتحدة أن ظاهرة العجز التنفيذي والشلل الميداني لا تقتصر على الملف الفلسطيني، بل تكررت في محطات صراع كبرى عبر العقود الماضية نتيجة تضارب المصالح الجيوسياسية بين القوى دائمة العضوية، فقد شهدت رواندا عام 1994 مأساة مقتل نحو 800 ألف شخص خلال 100 يوم فحسب، حيث سحبت الأمم المتحدة معظم قوات حماية السلام UNAMIR بسبب تأخر مجلس الأمن في توصيف الأحداث وإعطاء التفويض اللازم للتدخل العسكري المباشر لحماية المدنيين.

في عام 1995 وعلى رغم إعلان منطقة سبرينيتشا (شرق دولة البوسنة والهرسك)، "ملاذاً آمناً" تحت حماية القوات الأممية UNPROFOR، تعرض أكثر من 8000 شخص للقتل، ما شكل ضربة قاسية لهيبة المؤسسة الأممية وفاعلية أذرعها الميدانية في حماية المناطق المعلنة أممياً.

في ما يتعلق بالأزمة السورية (2011 - 2023)، فقد أدى استخدام روسيا والصين حق "الفيتو" في مجلس الأمن أكثر من 18 مرة إلى تجديد تجميد العقوبات الدولية أو إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، ما ترك الأزمة لتُدار عبر مسارات إقليمية بعيداً من أروقة نيويورك.

في الحرب الروسية - الأوكرانية، أدى استخدام روسيا، وهي طرف مباشر في الصراع، حق "الفيتو" إلى تعطيل أي قرار صادر من مجلس الأمن يطالب بسحب القوات أو فرض عقوبات أممية، مما اضطر الجمعية العامة إلى التدخل عبر قرارات غير ملزمة تنفيذياً وفق الميثاق.

 

أذرع أممية

لم يقف العجز الأممي عند حدود القرارات السياسية والنصوص القضائية، بل امتد ليمس الأذرع التنفيذية والإغاثية التابعة للأمم المتحدة نفسها، وفي مقدمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) التي تأسست بموجب القرار 302 الصادر عن الجمعية العامة عام 1949، لتقديم الخدمات لأكثر من 5.9 مليون لاجئ فلسطيني. وتشكل الوكالة الشاهد القانوني والحي على قضية اللاجئين لحين تطبيق القرار 194، غير أن الوكالة واجهت في السنوات الأخيرة تحديات ووجودية تمثلت في تجفيف التمويل، والتشريعات المناهضة لنشاطها، واستهداف إسرائيل مقارها وموظفيها تحت العلم الأممي.

وفقاً للكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين فإن" المعركة ضد وكالة الأونروا ليست مجرد خلاف إداري على موازنة إغاثية، بل هي محاولة سياسية لتفكيك المظلة الدولية الشاهدة على النكبة وحق العودة"، موضحاً أن الخطورة لا تكمن فقط في حرمان ملايين اللاجئين من التعليم والصحة، بل في "الانكشاف الكامل للأمم المتحدة نفسها، إذ إن عجزها عن حماية موظفيها ومقارها يوحي أن الحصانة الأممية أصبحت مجرد شعار نظري لا يضمن الحماية على الأرض".

واقع أممي

تتعدد القراءات والتقييمات للواقع الأممي بين القيادات السياسية، ومسؤولي الأمم المتحدة، والأطراف ذات العلاقة، ولم يُخفِ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في مناسبات عدة إحباطه من هذا الوضع الهيكلي، إذ قال في أكثر من محفل دولي إن "تركيبة مجلس الأمن الحالية تعكس موازين القوة لعام 1945 ولا تعبر عن واقع العالم اليوم"، مشيراً إلى أن العجز المترتب على هذا الانقسام يهدد بتقويض الثقة في الدبلوماسية متعددة الأطراف برمتها، في حين تؤكد منظمات مثل "العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش" أن الإخفاق في إنفاذ قرارات الأمم المتحدة خلق حال من "الإفلات الممنهج من العقاب"، مما أسهم في تراجع الالتزام بالقانون الدولي الإنساني واتفاقات جنيف عبر مناطق صراع مختلفة حول العالم. وعلى رغم انتقاد السلطة الفلسطينية الدائم لسياسة ازدواجية المعايير والجمود الذي يفرضه "الفيتو" الأميركي على قرارات الحماية الدولية وتنفيذ المبادرات الأممية، تتبنى القيادة الفلسطينية استراتيجية "التدويل والدبلوماسية القانونية"، وترى أن الذهاب للمؤسسات الدولية (الأمم المتحدة، محكمة العدل، الجنائية الدولية) هو خيار استراتيجي لانتزاع الاعترافات الدولية والشرعية القانونية.

بحسب تصريحات القيادي في "منظمة التحرير الفلسطينية" واصل أبو يوسف، فإن الانضمام للمحاكم والمعاهدات الدولية جاء لـ"مواجهة فشل المفاوضات الثنائية الطويلة وتحيز الإدارة الأميركية، عبر نقل القضية إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحاولة إلزام المجتمع الدولي بقرارات الشرعية الدولية"، وأضاف "نسعى لحشد الاعتراف الدولي الواسع بدولة فلسطين وتثبيت مكانتها القانونية والسياسية على حدود عام 1967".

ارتدادات جيوسياسية

أمام هذا المشهد المترابط، تصاعدت النقاشات والمبادرات الدولية الداعية إلى إجراء إصلاحات جذرية في بنيوية الأمم المتحدة، وبدأت تكتلات دولية بارزة، مثل "البريكس" (تكتل اقتصادي عالمي يضم البرازيل، روسيا، الهند، الصين ودولاً أخرى)، والاتحاد الأفريقي، ومجموعة الأربع G4 (الهند، البرازيل، ألمانيا، واليابان)، تطالب بتوسيع عضوية مجلس الأمن عبر تعديل نظام التمثيل داخل المجلس ليضم مقاعد دائمة لأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية لإحداث تواز جيوسياسي جديد، في حين تقود فرنسا والمكسيك مبادرة دولية تحظى بدعم عشرات الدول تهدف إلى الامتناع الطوعي عن استخدام "الفيتو" في حالات الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، ويأتي ذلك وسط اللجوء المتزايد لآليات "الاتحاد من أجل السلام" (القرار 377) لإعطاء قرارات الغالبية في الجمعية العامة وزناً سياسياً وأخلاقياً أكبر في مواجهة شلل مجلس الأمن. إلى جانب ذلك، لجأت دول متزايدة إلى الاعتراف المباشر بالدولة الفلسطينية، في خطوة أحادية تجاوز آليات مجلس الأمن المشلولة وتفرض حراكاً سياسياً خارج قنوات نيويورك.

وتؤكد البيانات والوقائع التاريخية أن الأمم المتحدة تمتلك منظومة متكاملة من النصوص القانونية، سواء في القرارات التاريخية، أو الآراء القضائية الرفيعة، غير أن تحويل هذه النصوص إلى واقع ملموس يظل مرهوناً بالإرادة السياسية المشتركة للقوى الكبرى وتوازنات المصالح الجيوسياسية. وبين ميثاق أسس لحفظ السلام، وواقع ميداني تحكمه موازين القوة، تبقى قضية إصلاح المنظومة الأممية وتجاوز عثرة "الفيتو" شرطاً أساساً لاستعادة الثقة في العدالة الدولية وإيجاد نظام عالمي أكثر اتزاناً.

المزيد من تقارير