ملخص
انتقلت المسيّرات الموجّهة بالألياف الضوئية من مختبر الحرب الروسية - الأوكرانية إلى الشرق الأوسط، حيث باتت مرشحة لأن تصبح عنصراً جديداً في معادلة الصراع الإيراني مع خصومه. فبعد ظهورها لدى "حزب الله" في جنوب لبنان، يبرز احتمال انتقالها إلى "حماس"، والفصائل العراقية، والحوثيين في اليمن، واستخدامها ضمن ساحات حساسة مثل مضيق هرمز وباب المندب. فعلى رغم محدودية مداها وقيود حركتها، فإن دمجها مع الصواريخ والزوارق والمسيّرات التقليدية قد يوسع أدوات الاستنزاف ويعقّد حماية الممرات البحرية.
لم تعد الألياف الضوئية مجرد بنية تحتية صامتة تنقل الإنترنت والمكالمات والبيانات المالية بين المدن والقارات. فالشعيرات الزجاجية الدقيقة التي قامت عليها ثورة الاتصالات بدأت تنتقل إلى قلب ساحات القتال، لتربط مراكز القيادة، وتشغّل أجهزة الاستشعار، وتوجّه جيلاً جديداً من الطائرات المسيّرة القادرة على العمل في بيئات تعجّ بالتشويش الإلكتروني.
من أوكرانيا إلى جنوب لبنان، لم يعد الضوء ينقل صور الحرب فقط، بل أصبح جزءاً من السلاح نفسه. فقد كشفت المسيّرات الموجّهة عبر كابلات الألياف الضوئية عن ثغرة جوهرية في منظومات الحرب الإلكترونية الحديثة: أنظمة التشويش تستطيع تعطيل موجات الراديو، لكنها لا تستطيع قطع اتصال يمر داخل خيط مادي يمتد بين المسيّرة ومشغّلها.
شعاع يحمل الأوامر
تعمل الألياف الضوئية على نقل المعلومات في صورة نبضات ضوئية داخل خيوط دقيقة مصنوعة غالباً من الزجاج أو المواد البوليميرية. وتمتاز بقدرتها على نقل كميات كبيرة من البيانات بسرعة مرتفعة، مع تأخير زمني محدود ومقاومة كبيرة للتداخل الكهرومغناطيسي.
هذه الخصائص ليست تقنية فقط، بل عسكرية أيضاً. فالحرب الحديثة تعتمد على تدفق البيانات بقدر اعتمادها على الذخيرة: صور الاستطلاع، وإحداثيات الأهداف، وأوامر القيادة، وبيانات الرادار، واتصالات الوحدات المنتشرة. لكن كلما زاد اعتماد الجيوش على الاتصالات اللاسلكية، تطورت في المقابل وسائل التشويش واعتراض الإشارات وتحديد مواقع المشغّلين. من هنا ظهرت المسيّرات ذات البكرة الليفية: طائرة صغيرة تحمل كابلاً دقيقاً ينفك أثناء الطيران، ناقلاً الفيديو والأوامر بين الطائرة والمشغّل من دون الحاجة إلى رابط راديوي تقليدي، وبالتالي يصبح اعتراضها أو تعطيلها بوسائل الحرب الإلكترونية التقليدية بالغ الصعوبة.
المختبر الأول
مثلت الحرب الروسية - الأوكرانية المختبر الأكبر لتطور المسيّرات المرتبطة بالألياف الضوئية. ففي المراحل الأولى من الحرب، حققت طائرات الرؤية بمنظور الشخص الأول، المعروفة اختصاراً بـ FPV، تأثيراً كبيراً في الاستطلاع والهجمات الدقيقة، ثم انتشرت أنظمة التشويش على نطاق واسع، وباتت نسب كبيرة من المسيّرات تُعطّل قبل بلوغ أهدافها.
ابتداء من عام 2024، بدأت القوات الروسية توسيع استخدام المسيّرات الليفية لتجاوز بيئة التشويش الكثيفة، قبل أن تطور أوكرانيا نسخها الخاصة. ولم يكن التحول الأهم في زيادة القوة التدميرية للطائرة، بل في تغيير قناة الاتصال، فبدلاً من تحسين مقاومة الرابط اللاسلكي للتشويش، جرى تجاوز الطيف الكهرومغناطيسي نفسه.
وقد دفع ذلك الدفاعات إلى العودة نحو وسائل أكثر بساطة: الشباك، والحواجز، والمراقبة البصرية والصوتية، والطائرات الاعتراضية، والأسلحة القريبة. وانتقلت معركة المسيّرات من الاعتماد على أنظمة دفاع جوي مركزية ومكلفة إلى حلول موزعة ومرنة وقادرة على العمل بكلفة مقبولة أمام أعداد كبيرة من الأهداف الصغيرة.
انتقال إقليمي
ظهر الاستخدام الإقليمي الأبرز لهذه التكنولوجيا عندما بدأ "حزب الله" تشغيل مسيّرات FPV موجهة بالألياف الضوئية ضد القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. وقد أتاحت هذه المسيّرات تجاوز جزء من منظومات التشويش الإسرائيلي واستهداف مواقع وآليات عسكرية، ما دفع الصناعات الدفاعية الإسرائيلية إلى البحث عن حلول مادية وتقنية جديدة، بعدما تبين أن الحرب الإلكترونية وحدها لا تكفي.
سياسياً، منح هذا النوع من السلاح "حزب الله" وسيلة لمواصلة الضغط العسكري بكلفة محدودة نسبياً، من دون الاعتماد حصراً على الصواريخ الأكبر حجماً التي قد تستدعي ردوداً إسرائيلية أوسع، لكنه في الوقت نفسه زاد تعقيد المساعي السياسية، لأنه قدّم للجماعة وسيلة تكتيكية جديدة للاستنزاف وإظهار أن التفوق الإسرائيلي في الاستطلاع والتشويش ليس مطلقاً.
ويكشف وصول التكنولوجيا إلى لبنان عن سرعة انتقال الابتكار العسكري بين الساحات. فما كان يُختبر في أوكرانيا عام 2024 أصبح قابلاً للاستخدام في الشرق الأوسط بعد فترة قصيرة، مستفيداً من المكونات التجارية، وسلاسل التوريد الدولية، والخبرات التي يمكن تبادلها بين إيران وحلفائها.
شرايين تحت الماء
لا يقتصر مفهوم الألياف الضوئية في الحروب على الطائرات المسيّرة، فالكابلات البحرية نفسها تمثل بنية تحتية استراتيجية تمر عبر البحر الأحمر ومحيط مضيق هرمز، وأي تعطيل لها، متعمد أو عرضي، قد يؤثر في الاتصالات والبيانات والخدمات المالية ومراكز الحوسبة في دول الخليج.
وتنقل الكابلات البحرية الجزء الأكبر من حركة البيانات العالمية، ما يجعلها ممرات استراتيجية لا تقل أهمية عن خطوط الطاقة. وفي مناطق النزاع، لا تحتاج هذه الكابلات دائماً إلى أن تكون هدفاً مباشراً حتى تتضرر، فقد تؤدي إصابة السفن، أو سحب المراسي، أو تعطيل عمليات الإصلاح والصيانة إلى انقطاعها.
وهكذا تدخل الألياف الضوئية الحرب بطريقتين متعاكستين: وسيلة لحماية الاتصال العسكري، وبنية تحتية حساسة يمكن أن يتحول تعطيلها إلى أداة ضغط اقتصادي وسياسي.
شبكة نقل التكنولوجيا
لا يتطلب انتشار المسيّرات الليفية نقل منظومة صناعية ضخمة، فكثير من مكوناتها مزدوج الاستخدام ويمكن الحصول عليه تجارياً، بينما تكمن القيمة الحقيقية في المعرفة: اختيار المكونات المناسبة، ودمج الكابل مع نظام التحكم، وتدريب المشغّلين، وتطوير أساليب الاستخدام.
هنا تبرز غيران التي تدير شبكة من الحلفاء تتبادل الخبرات والسلاح والأفراد عبر ساحات متعددة. وقد أظهرت تجارب الصواريخ والمسيّرات أن التكنولوجيا التي تظهر لدى "الحرس الثوري" يمكن أن تنتقل لاحقاً إلى "حزب الله"، ثم تظهر بنسخ أو تعديلات لدى الحوثيين أو الفصائل العراقية.
لا يعني ذلك بالضرورة وجود غرفة قيادة واحدة تدير كل عملية بالتفصيل، بل وجود منظومة انتشار تسمح بنقل التصميم والخبرة والمكونات، مع ترك كل تنظيم يكيّف التكنولوجيا وفق جغرافيته وأهدافه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
البيانات أصبحت سلاحاً
في السياق أشار الخبير في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي رولان أبي نجم إلى أن مفهوم الإنترنت في الحروب المعاصرة يرتبط أساساً بالشبكات والاتصالات وسرعة نقل البيانات، بعدما باتت الجيوش تعتمد على تدفق المعلومات بصورة مستمرة، "ففي المراحل السابقة، كانت إحدى أبرز المشكلات تتمثل في بطء وصول الصور والإحداثيات والبيانات إلى الجهات المسؤولة عن تحليلها واتخاذ القرار، أما اليوم فقد أصبح عامل الوقت جزءاً من المعركة نفسها. فأي تأخير في نقل معلومة أو صورة استطلاعية أو إحداثية قد يؤدي إلى ضياع فرصة استهداف، أو فشل عملية، أو منح الخصم وقتاً إضافياً لتغيير موقعه والمناورة. في العمليات التي تتعلق باستهداف موقع متحرك أو شخصية محددة، تصبح الثواني ذات قيمة عملياتية مباشرة، لأن الهدف قد يختفي أو ينتقل قبل اكتمال دورة القرار العسكري".
أضاف أبي نجم أن العمليات القائمة على الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى قدرات ضخمة في نقل البيانات ومعالجتها، "فلا يكفي أن تصل المعلومة إلى غرفة العمليات، بل يجب أن تصل بسرعة تسمح بدمجها مع صور ومؤشرات ومعطيات أخرى، ثم تحليلها للوصول إلى قرار دقيق خلال فترة زمنية قصيرة، وكلما كانت الشبكة أسرع وأكثر استقراراً، ازدادت قدرة القيادة على قراءة الميدان وتنفيذ قرارها قبل أن تتبدل الظروف العملياتية. من هنا بدأت الألياف الضوئية تحتل موقعاً متقدماً في الحسابات العسكرية، بعدما أثبتت الشبكات اللاسلكية أنها تحمل نقاط ضعف يمكن استغلالها في زمن الحرب، فالإشارات الراديوية قابلة للرصد والتشويش، كذلك يمكن استهداف بعض أنظمة الاتصال أو محاولة اختراقها، وينطبق الأمر أيضاً على الاتصالات المعتمدة على الأقمار الاصطناعية، التي قد تصبح عرضة للتعطيل أو التضليل عندما يواجه الجيش خصماً يمتلك قدرات متقدمة في الحرب الإلكترونية".
وبرأي الخبير في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي "لا يقتصر البعد العسكري للألياف الضوئية على ساحات القتال البرية والجوية، فالكابلات البحرية التي تنقل الجزء الأكبر من البيانات العالمية أصبحت بدورها جزءاً من الحسابات الأمنية والجيوسياسية، خصوصاً في الممرات الحساسة مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز، فقطع أحد هذه الكابلات أو تعطيله قد يؤدي إلى اضطراب في الاتصالات والخدمات السحابية والمعاملات المالية وتدفق المعلومات بين الدول والقارات".
"الجدار الإلكتروني"
من ناحيته، رأى العميد المتقاعد والخبير العسكري خليل الجميل أن دخول الألياف الضوئية إلى المجال العسكري لا يمثل قطيعة كاملة مع الماضي، بل امتداداً لمسار تقني بدأ قبل عقود مع الصواريخ الموجهة المضادة للدروع، "ففي تلك المرحلة، كان الصاروخ يتحرك نحو هدفه مرتبطاً بسلك ينقل أوامر التوجيه من المشغّل، قبل أن تتطور المنظومات لاحقاً وتدخل تقنيات الليزر وأنظمة توجيه أكثر تقدماً"، وأشار الجميل إلى أن صواريخ مثل "ماليوتكا" و"كونكورس" جسدت في مراحل مبكرة فكرة إبقاء السلاح مرتبطاً بالمشغّل عبر وسيلة اتصال مباشرة، وهي الفكرة نفسها التي عادت اليوم بصيغة أكثر تطوراً في المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية، "فالتحول لم يكن في المبدأ بقدر ما كان في الوسيط، وحجم المنصة، وطبيعة البيانات التي يجري نقلها. أما النقلة الكبرى فجاءت مع الطائرات المسيّرة وفي سياق حربي مختلف فرضته طبيعة المعارك الحديثة، لا سيما في أوكرانيا حيث أصبحت الحرب الإلكترونية قادرة على تعطيل أعداد كبيرة من المسيّرات التي تعتمد على الاتصالات اللاسلكية. ومع اتساع نطاق التشويش، ظهرت الحاجة إلى قناة اتصال لا تعتمد على الموجات الراديوية، ولا يمكن إسكاتها بسهولة بواسطة الأدوات الإلكترونية التقليدية، من هنا وجدت الألياف الضوئية طريقها إلى المسيّرات، لأن الاتصال عبر الكابل يمنح الطائرة قدرة على مواصلة مهمتها داخل بيئة إلكترونية معقدة".
أضاف الجميل أن "أوامر التوجيه والصورة لا تنتقل عبر موجات يمكن اعتراضها أو التشويش عليها، بل عبر رابط مادي مباشر بين المسيّرة ومشغّلها، وبذلك جاءت هذه المسيّرات بوصفها حلاً عملياً لمشكلة فرضتها ساحة القتال نفسها، فالحرب الإلكترونية التي صُممت لتعطيل الطائرات اللاسلكية دفعت المطورين إلى العودة إلى مبدأ قديم، ولكن باستخدام ألياف خفيفة وعالية القدرة على نقل البيانات، ما سمح بتحويل تقنية تاريخية في أصلها إلى أداة حديثة لمواجهة أحد أكثر أشكال الحرب تطوراً. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم انتقال المسيّرات الليفية إلى حروب الشرق الأوسط بوصفها امتداداً لمسار تقني طويل، بدأ مع الصواريخ المضادة للدروع، ثم انتقل إلى الطائرات المسيّرة، قبل أن يجد في بيئة التشويش الحديثة سبباً جديداً للانتشار. لقد تحولت الألياف الضوئية إلى إحدى الأدوات التي تسعى الجيوش والقوى المسلحة من خلالها إلى اختراق الجدار الإلكتروني الذي فرضته أنظمة التشويش، وفي معركة لم يعد فيها التفوق مرتبطاً فقط بمن يملك السلاح الأقوى، تصبح الأفضلية أيضاً لمن يستطيع إبقاء عينه مفتوحة واتصاله قائماً في اللحظة التي يحاول فيها الخصم إعماءه".
سرعة الابتكار
من ناحيتها، أوضحت الباحثة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الدفاعية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن كاترينا بوندار أن صعود المسيّرات المرتبطة بالألياف الضوئية يكشف تحولاً أوسع في طبيعة الابتكار العسكري، "فالتطور الأكثر تأثيراً في ساحات القتال لا يأتي دائماً من أكثر التقنيات تعقيداً أو من البرامج الدفاعية الأعلى كلفة، بل قد ينشأ من حل بسيط لمشكلة عملياتية محددة، ثم يتوسع بسرعة بعدما يثبت نجاحه ميدانياً"، موضحة أن الذكاء الاصطناعي يمثل أحد المسارات الأساسية التي تلجأ إليها الجيوش للتغلب على التشويش والتضليل الإلكتروني، من خلال منح المسيّرة قدرة أكبر على التعرف إلى الأهداف أو تثبيت مسارها وتشغيل بعض الوظائف على متنها.
وتابعت بوندار أن "تطوير هذه الأنظمة يحتاج إلى قدرات حوسبة وبيانات وتمويل وخبرات متقدمة، لذلك ظهرت الألياف الضوئية بوصفها حلاً أبسط وأكثر مباشرة لمشكلة الاتصال، فبدلاً من بناء نظام بالغ التعقيد يستطيع مقاومة التشويش اللاسلكي، جرى إلغاء الحاجة إلى الرابط اللاسلكي نفسه، وربط المسيّرة بمشغّلها عبر كابل ينقل الصورة والأوامر". ورأت بوندار أن جودة الاتصال الناتجة من هذا الرابط المادي قد تكون أفضل من الاتصال الراديوي، لأنه يوفر صورة مستقرة وتدفقاً مستمراً للبيانات في بيئة قد تفقد فيها المسيّرات التقليدية الاتصال أو تتعرض قنواتها للاعتراض والتشويش، وتابعت أن "هذه الأفضلية تأتي مقابل قيود تقنية واضحة، فالبكرة والكابل يضيفان وزناً إلى الطائرة، ما يخفض حمولتها أو يؤثر في زمن تحليقها وقدرتها على المناورة، كذلك فإن الأرقام المعلنة عن المدى لا تعني بالضرورة أن كل النماذج تستطيع العمل بالفاعلية نفسها وفي الظروف الميدانية ذاتها. الأهمية الاستراتيجية لهذه التكنولوجيا، لا تكمن في المسيّرة منفردة، بل في النظام الذي يسمح بابتكارها وإنتاجها وتعديلها بسرعة، فقد أظهرت الحرب الأوكرانية أن المطورين المدنيين والشركات الناشئة والمهندسين والمتطوعين يمكنهم تقديم حلول تجريبية خارج الصناعات الدفاعية التقليدية، قبل أن تتدخل الدولة لتمويل النماذج الناجحة وتوحيدها وتوسيع إنتاجها. وهذا يعني أن التفوق في حروب المسيّرات لا يُقاس فقط بامتلاك التصميم الأفضل، بل بسرعة انتقال الملاحظة من الميدان إلى المهندس، ثم عودة النسخة المعدلة إلى الجبهة، فالسلاح أصبح جزءاً من دورة تكنولوجية متواصلة: يظهر إجراء دفاعي جديد، فيطوّر الخصم وسيلة لتجاوزه، ثم يبدأ الطرف الآخر البحث عن منظومة مضادة".
أسواق الإلكترونيات وشبكات التوريد
تلفتت بوندار إلى أن هذا النموذج يجعل الحدود بين القطاعين المدني والعسكري أقل وضوحاً، "فالمعالجات والكاميرات وأجهزة الاستشعار والبرمجيات والمواد المستخدمة في المسيّرات قد تكون في أصلها منتجات تجارية مزدوجة الاستخدام، لكن دمجها داخل منظومة عسكرية يحولها إلى قدرة قتالية، لذلك لم تعد المنافسة العسكرية تدور داخل المصانع الدفاعية المغلقة وحدها، بل امتدت إلى أسواق الإلكترونيات وشبكات التوريد ومراكز التدريب والجامعات والشركات التقنية. وتقدم المسيّرات المرتبطة بالألياف الضوئية مثالاً واضحاً على هذا المنطق، فهي ليست أكثر تطوراً من الذكاء الاصطناعي أو الاستقلالية الكاملة، لكنها حققت وظيفة عملياتية محددة: المحافظة على الاتصال في مواجهة التشويش. وما إن أثبتت فاعليتها حتى تحولت من تجربة محدودة إلى جزء أكثر ثباتاً من أدوات الحرب الحديثة".
وحذرت بوندار، في جوهر تحليلها، "من اختزال الحرب المقبلة في منصة أو سلاح واحد، فالمسيّرات والألياف الضوئية والذكاء الاصطناعي ليست قدرات منفصلة، بل أجزاء من منظومة تشمل التدريب والبيانات والاتصال والإنتاج والتمويل وسلاسل التوريد والعقيدة العسكرية. والتفوق الحقيقي لن يكون للطرف الذي يشتري عدداً أكبر من الطائرات فقط، بل لمن يستطيع تحويل الابتكار المتفرق إلى نظام مستدام، قادر على التعلم والإنتاج والتكيف أسرع من خصمه".