ملخص
من نزهة مع كلبه في حديقة لندنية إلى خطوط الجبهة الأوكرانية، حوّل مبرمج بريطاني شاب إجازة أبوته إلى مشروع دفاعي يعالج أخطر مشكلات حرب المسيرات، إذ طوّر برمجية تمنح الطائرات من دون طيار قدرة على الطيران وإصابة أهدافها ذاتياً من دون نظام تحديد المواقع أو اتصال خارجي، وأثبتت التقنية جدارتها في اختبارات ميدانية أوكرانية مهدت لنشرها على نطاق واسع.
في مطلع 2025 كان مهندس بريطاني متخضص في الذكاء الاصطناعي يمضي إجازة أبوة بعد ولادة ابنته الأولى، بعد نحو شهر شعر بالملل، فأجرى محادثات مع قريب زوجته أليكس يونغر، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات (MI6)، حول أوكرانيا وقادة وحدات المسيرات العاملين على خطوط الجبهة مع روسيا، لتتحول تلك الأحاديث العائلية إلى شرارة أطلقت واحدة من أسرع الشركات الدفاعية الناشئة نمواً في أوروبا.
وغوي واينرايت مبرمج ورائد أعمال بريطاني بدأ مسيرته المهنية بدعم قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) بتقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، وأسس عدداً من الشركات الناشئة، وشارك في قيادة قسم الذكاء الاصطناعي والروبوتات في شركة "أوكادو" البريطانية العملاقة للتجارة الإلكترونية، قبل أن يؤسس شركة "أوكام" ويصبح رئيسها التنفيذي.
بدأت رحلة واينرايت بطريقة لا تشبه قصص الصناعات الدفاعية التقليدية في شيء، فقد كان يختبر النموذج الأولي لنظامه في حديقة عامة بلندن حيث اعتاد التنزه مع كلبه، إلا أن ما كان يمسكه في يده لم يكن رباط الكلب بل خيطاً مربوطاً بمسيرة تحلق في السماء. وكلما رصد الذكاء الاصطناعي البدائي للطائرة هدفاً محفزاً، كأحد المارة مثلاً، كان النظام يحاصره ويحاول مطاردته، وفي غضون أشهر كانت نسخ مطورة من ذلك النظام ذاته تخضع للتقييم لاستخدامها على الجبهة الأوكرانية.
أطلق المهندس البريطاني على شركته بداية اسم (Cakeshop AI) "محل الكعك للذكاء الاصطناعي"، لكنه تخلى عن الاسم بعدما اكتشف أنه يثير ردود فعل متباينة لدى جنرالات الجيش على الجبهة، ولا يتناسب مع طبيعة الأدوات العسكرية الأخرى، فاختار اسم "أوكام" المستوحى من مبدأ فلسفي شهير يدعو إلى تفضيل الحلول البسيطة.
المشكلة التي تصدى لها واينرايت هي ما يسميه "معضلة ربط الطيار بالمسيرة"، فحتى وقت قريب كان كل طيار أوكراني يشغل مسيرة واحدة فقط، ويتعين عليه البقاء ضمن نطاق يقارب 32 كيلومتراً منها، فيما ترتفع معدلات الفشل بسبب تبدل إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) والتشويش على الاتصالات، إضافة إلى أن الطيارين المهرة مورد نادر تستهدفهم روسيا كلما رصدتهم.
جاء حل واينرايت وفريقه في صورة برمجية خالصة تحمل اسم (OccamX)، وهي طيار آلي يعتمد على الرؤية الحاسوبية ويثبت على المسيرات من دون أي تعديل في هياكلها أو سلاسل توريدها، وتمكن الفريق من هندسة سلسلة خوارزميات قادرة على العمل على حاسوب فائق الصغر لا يتجاوز حجمه بطاقة ائتمان وثمنه 20 دولاراً، يركب على المسيرة ويوصل بكاميرتها ووحدة التحكم بالطيران، ثم يكلف بمهمة تحدد وجهته وهدفه ليعمل بعدها باستقلال تام من دون الحاجة إلى نظام تحديد المواقع أو الحوسبة السحابية أو أي اتصال خارجي، مما يجعله محصناً ضد التشويش الروسي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتتضمن التقنية الجديدة ضوابط أمان مدمجة، منها قيود على البطارية تمنع الطائرات من مغادرة مناطقها المحددة، مع بقاء سلطة القرار داخل التسلسل القيادي العسكري الأوكراني في ما يعرف بمفهوم "الاستقلالية المقيدة".
خلال يناير (كانون الثاني) الماضي خضعت تقنية "أوكام" لاختبارات ميدانية في أوكرانيا، واجتازت التقييم بنجاح لتصنف صالحة لاختبارات الدمج مع منصات البلد الأوروبي، في واحدة من أولى حالات دمج تقنيات ذكاء اصطناعي غربية في منظومات كييف غير المأهولة. ويقول واينرايت إن أوكرانيا ليست سوقاً تجريبية بل البيئة التشغيلية الأكثر تطلباً للأنظمة ذاتية التشغيل في العالم، إذ يختبر كل افتراض تحت الضغط من زمن الاستجابة إلى الموثوقية وعبء المشغل واتخاذ القرار، مضيفاً أن أي نظام لا يثبت كفاءته على "خط الصفر" لا مكان له في الدفاع الحديث.
على وقع نجاح الاختبارات أعلنت "أوكام" في فبراير (شباط) 2026 الحصول على تمويل أولي بقيمة 3 ملايين يورو لتسريع نشر التقنية على الجبهة الأوكرانية، وتطوير قدرات إضافية وإطلاق مشروعات مدفوعة مع شركات دفاعية أوروبية كبرى.
تتجلى فائدة عمل واينرايت لأوكرانيا في أرقام الحرب نفسها، فقد سجل العام الماضي نحو 54700 هجوم بالمسيرات مقارنة بنحو 11 ألفاً عام 2024، وباتت الطائرات من دون طيار تشكل قرابة 96 في المئة من مجموع الأسلحة الجوية المستخدمة بعدما كانت نسبتها 30 في المئة في بداية الحرب الجوية عام 2022.
في بيئة كهذه تمنح تقنية "أوكام" الجيش الأوكراني القدرة على تعويض النقص الحاد في الطيارين المهرة والقوى البشرية عموماً، إذ يستطيع مشغل واحد إدارة أسراب كاملة بدلاً من طائرة واحدة، فيما تواصل المسيرات مهماتها حتى في المناطق المحرومة من الإشارة والمشبعة بالتشويش الروسي.
يختصر واينرايت فلسفته بأن "الانتصار في الحرب سيتحقق بالتقنية والاقتصاد لا بأعداد الجنود، والاستثمار في الأتمتة وبناء أنظمة قتالية تتحمل فيها الآلات العبء الأكبر من القتال يعني أن نرسل الروبوتات لتموت، وبذلك ينخفض عدد الضحايا البشريين إلى أدنى حد".