ملخص
تتحول نماذج الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي من أداة لصناعة الدعاية إلى ما يشبه المستشار العملياتي في أيدي جماعات مسلحة، وفق دراسات ميدانية واختبارات فنية صدرت خلال العام الحالي. الأدلة تراوح ما بين شهادات مقاتلين سابقين في شمال شرقي نيجيريا، ولوائح اتهام قضائية في الهند، واختبارات معيارية تكشف عن أن نحو ثلث إجابات النماذج الرائدة يمنح المهاجم عوناً عملياً يتجاوز ما تتيحه محركات البحث.
حين اصطدم مهاجمون على دراجات نارية بخندق دفاعي يحيط بقاعدة عسكرية في شمال شرقي نيجيريا، لم يلجأوا إلى متخصص متفجرات أو مدرب عسكري، بل إلى روبوت دردشة. فقد أخبر قيادي سابق في "بوكو حرام" الباحثة أنطونيا يوليش أن مقاتليه شاهدوا في فيلم سينمائي كيف تقفز الدراجات فوق الجسور، فزودوا النموذج بنوع الدراجات المتوافرة لديهم والمسافة المطلوب اجتيازها، فأعطاهم خطوات تنفيذية، ثم عدل الميكانيكيون الدراجات لزيادة التسارع وتدرب الراكبون حتى عبروا الخندق ونجح الهجوم.
الدراسة التي نشرها برنامج كامبريدج للذكاء الاصطناعي والعلوم والسياسات تستند إلى 57 مقابلة مباشرة مع 27 عضواً سابقاً في "بوكو حرام" داخل شمال شرقي نيجيريا، وخلصت إلى أن الفصيلين الرئيسين استخدما الذكاء الاصطناعي في دعم التسليح والتخطيط التكتيكي والأمن العملياتي ومراجعة ما بعد العمليات، وهي صورة تناقض الاعتقاد السائد بأن استخدام الجماعات الجهادية للتقنية بطيء ومحصور في الدعاية.
وتوثق الدراسة استخدام روبوتات بينها "تشات جي بي تي" و"كلود" و"جيميناي" و"غروك" و"ميتا أي آي" و"ديب سيك" الصيني، في إصلاح الأسلحة وتصميم العبوات الناسفة وتحسين الأمن العملياتي ودراسة تكتيكات ميدانية لتقليل الخسائر، كما رصدت ورش تدريب عقدها مدربون أجانب يرجح انتماؤهم إلى "داعش"، تعلم فيها عشرات المقاتلين استخدام الروبوتات على حواسيب محملة مسبقاً ببرامج الشبكات الافتراضية الخاصة والتشفير.
الدراسة لم تسلم من المراجعة النقدية، فقد وجدت صحيفة "بريميوم تايمز" النيجيرية عند مراجعتها التقرير المؤلف من 93 صفحة، أن كثيراً من ادعاءاته المركزية يتعذر التحقق منها باستقلالية، لأنها تستند في معظمها إلى مقابلات مع منشقين عن التنظيم، كذلك فإن الاستخدامات الموثقة تعود أساساً إلى عام 2024، وقد أكدت شركات الذكاء الاصطناعي أن إجراءات الأمان في نماذجها تحسنت كثيراً منذ ذلك الحين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اختبارات فعلية
في موضوع دراسة كامبردج ذاته، اختبرت منظمة "تك أغينست تيروريزم" 27 نموذجاً للذكاء الاصطناعي بنحو 2500 مطالبة مستمدة من حالات استخدام إرهابية حقيقية، فوجدت أن نحو ثلث الإجابات منح المهاجم عوناً قابلاً للاستعمال يتجاوز ما يسهل العثور عليه عبر البحث الإلكتروني، وأن الرفض الكامل شكل 57 في المئة من الإجابات، بينما بلغ ما سمي الامتثال المتحفظ 15 في المئة، وهو أن يستهل النموذج رده برفض ثم يقدم المحتوى المطلوب كاملاً. والأخطر أن إعادة صياغة الطلب نفسه بوصفه بحثاً علمياً رفعت نسبة الاستجابة من 17 إلى 42 في المئة من دون أي تغيير في المضمون التقني. وتفاوتت الحواجز بين المجالات، إذ رفضت النماذج المطالبات المتصلة بالمتفجرات في نحو 80 في المئة من الحالات، لكنها كانت أقل تشدداً في ملفات الأسلحة البيضاء والمواد الكيماوية المرتجلة والأسلحة النارية.
أخطر ما رصده الاختبار يتعلق بالنماذج المفتوحة التي جردت من طبقات الأمان، فالنسختان اللتان خضعتا للاختبار بعد نزع تدريبها الأمني استجابتا لـ89 و100 في المئة من الطلبات على التوالي، ولا يمكن سحبها من التداول بعد تحميلها. جاء "كلود" و"فالكون3" في صدارة النماذج الأكثر أماناً يليهما "ميني ماكس" الصيني، فيما احتلت النسختان المجردتان ونموذجا ميسترال المراتب الأدنى، مما يعني أن الفارق ليس بين المفتوح والمغلق بقدر ما هو بين المصمم بعناية وغير المصمم. ويقدر باحثون أن منصة "هاغينغ فيس" كانت تستضيف حتى الـ26 من مايو (أيار) الماضي نحو 368 ألف نموذج لتوليد النصوص، أي منها قابل للتحميل وتحويله إلى روبوت متطرف على يد مبرمج متوسط الكفاءة.
انتقل الملف من التحليل إلى المحاكم، فلائحة اتهام قدمتها وكالة التحقيقات الوطنية الهندية في مايو الماضي في شأن تفجير وقع في دلهي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تشير إلى أن المتهم الرئيس، المرتبط بتنظيم "القاعدة" في شبه القارة الهندية، استعان بـ"يوتيوب" و"تشات جي بي تي" لمعرفة كيفية تصنيع عبوة ونسب خلط موادها. والتفجير الذي استهدف محيط "القلعة الحمراء" أوقع ما لا يقل عن 12 قتيلاً وأكثر من 20 جريحاً، ورصدت التحقيقات في هذه الواقعة روابط بما لا يقل عن 11 أداة ذكاء اصطناعي.
إنتاج الدعاية
يبقى إنتاج الدعاية الميدان الأوسع للاستخدام، فقد أفادت تقارير بأن جماعة مرتبطة بـ"القاعدة" نظمت ورشاً لتوظيف الذكاء الاصطناعي في إنتاج الدعاية البصرية وأصدرت دليلاً لاستخدام الروبوتات في استقطاب المجندين، فيما استخدم "داعش خراسان" تقنيات التزييف العميق في سياقات عدة وعقد دورات تدريبية لجناحه الإعلامي منذ 2023، ومنها نشرات إخبارية مزيفة بعد هجوم قاعة "كروكوس" في مارس (آذار) 2024. وبعد هجوم "باميان" في أفغانستان في مايو 2024 بثت مقاطع يقدمها مذيع اصطناعي بالكامل.
وفي إحاطة عقدتها المديرية التنفيذية لمكافحة الإرهاب في الـ28 من مايو الماضي وصف باحثون حركة "طالبان باكستان" بأنها من أكثر الجهات تطوراً في الدعاية الرقمية، إذ تدمج أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج محتوى جديد وتحسين الصور والفيديوهات والترجمات، وتدير شبكات آلية عبر تطبيقات مراسلة عدة.
الأثر الأعمق قد يكون اجتماعياً لا تقنياً، إذ يرى باحثون أن النماذج لم تعد أدوات استرجاع معلومات فحسب، بل رفقاء محادثة وأحياناً رفقاء عاطفيين، وأن روبوتات متوائمة أيديولوجياً يمكن أن تؤدي دور المجند والمرشد والمؤتمن العاطفي في آن، فتصادق على المظالم وتقلل الشكوك وتحافظ على التفاعل فترات طويلة، وهو ما يمس تحديداً الأفراد المعزولين اجتماعياً. وتحذر دراسات أخرى من أن الأطفال الذين يبوحون بتجارب إساءة إلى روبوتات المحادثة يوفرون للمتطرفين ثغرة للتدخل واستغلالهم.
التقديرات الأكثر رصانة تدعو إلى ضبط الإيقاع، ففي دراسة صدرت عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في الـ10 من يوليو (تموز) الجاري يرى دانيال بايمان وفي أس سوبراهمانيان أن الذكاء الاصطناعي سيعزز اتجاهات قائمة أصلاً من لا مركزية وعنف الأفراد ودعاية رقمية، لا أن يخلق أشكالاً جديدة كلياً من الإرهاب. ويذكران أن الأسلحة النارية وأنواعاً من القنابل شكلت أكثر من 80 في المئة من الهجمات الإرهابية في العقد الأخير، وأن التنظيمات كيانات محافظة تعمل تحت ضغط الندرة وتفضل الوسائل المضمونة، وأن العنف صعب التنفيذ عملياً فيفشل غير المدربين بسبب التوتر ورداءة الحرفة الميدانية، وهي قيود لا يلغيها الذكاء الاصطناعي. الخلاصة أن المتوقع ليس قفزة في الهجمات المعقدة بل ارتفاع متواضع في كفاءة الفاعلين الأدنى مستوى، وهو ارتفاع يظل مهماً في بيئات تشكل فيها الذئاب المنفردة خطراً قائماً.
تحركات سريعة
تحركت شركات النماذج على مسار الاستخبارات الداخلية، فقد نشرت "أنثروبيك" في يونيو (حزيران) 2026 تحليلاً لـ832 حساباً حظرت بسبب نشاط سيبراني خبيث بين مارس 2025 ونظيره في 2026، ربطتها بقاعدة "مايتر أتاك" المرجعية لتكتيكات المهاجمين. وأظهرت البيانات أن نسبة الحسابات المصنفة متوسطة الخطورة فما فوق قفزت من 33 إلى 56 في المئة خلال الفترة نفسها. وفي المقابل خلصت "أوبن أي آي" في تقريرها الصادر مطلع العام الحالي إلى أن الفاعلين الخبيثين نادراً ما يقتصرون على منصة واحدة أو نموذج واحد، بل يمزجون الذكاء الاصطناعي بأدوات تقليدية كالمواقع وحسابات التواصل، وينتقلون بين النماذج بحسب حاجة كل مرحلة من سير عملهم.
على المستوى التشريعي تتقدم أوروبا بخطوات محددة زمنياً، فقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي يلزم مزودي النماذج ذات الأغراض العامة التي تنطوي على أخطار نظامية بإجراء تقييمات واختبارات خصومة موثقة، وتقييم الأخطار النظامية والتخفيف منها، والإبلاغ الفوري عن الحوادث الخطرة إلى مكتب الذكاء الاصطناعي والسلطات الوطنية. وتصبح التزامات الشفافية المتعلقة بروبوتات الدردشة ووسم المحتوى الاصطناعي نافذة في الثاني من أغسطس (آب) المقبل، بينما أرجئت التزامات الأنظمة العالية الأخطار إلى ديسمبر (كانون الأول) 2027 بموجب حزمة تعديلات وقعت في الثامن من يوليو الجاري، ووسعت صلاحيات مكتب الذكاء الاصطناعي. أما في الولايات المتحدة فقد أقر مجلس النواب في نوفمبر 2025 قانون تقييم أخطار الإرهاب المرتبط بالذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي يلزم وزارة الأمن الداخلي تقييماً سنوياً للتهديدات، فيما طلب رئيس اللجنة الفرعية لمكافحة الإرهاب أوغست فلوغر في مارس الماضي مراجعة شاملة من مكتب المحاسبة الحكومي لكيفية تسليح المتطرفين للتقنيات الناشئة.
توصيات مشتركة
تلتقي التوصيات عند مبدأ واحد، وهو أن الأمان يصمم في المنشأ لا يضاف لاحقاً، إذ إن "تك أغينست تيروريزم" توصي بتوسيع تدريب الرفض ليتجاوز التهديدات الأكثر شهرة، وبمعاملة انتشار النماذج المفتوحة المجردة من الأمان بوصفه قضية أمن قومي كبرى. من جهتها توصي دراسة مركز الدراسات الاستراتيجية بتدقيق مستقل تحت إشراف حكومي لادعاءات الشركات وإجراءاتها بدل الاكتفاء بالتطمينات الطوعية، وبتأسيس آليات لتبادل المعلومات بين الشركات والأجهزة الحكومية، وبإيلاء الأخطار الكيماوية والبيولوجية اهتماماً مستمراً عبر اختبارات صارمة وتنسيق علمي دولي، مع الحفاظ على الرقابة القضائية والحريات المدنية في أنظمة المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتجنب الحتمية التقنية لأن العنف المتطرف ينبع من سياقات الهوية والمظالم وإخفاقات الحكم لا من الأدوات وحدها.
تصف "تك أغينست تيروريزم" الهشاشة التي رصدتها بأنها مشتركة وعابرة للحدود، تصيب كل نموذج متقدم اختبرته أميركياً كان أم صينياً، ولم يحلها بعد أي مطور أو حكومة. وعلى المستوى الأممي يرى المسؤولون في "هيئة مكافحة الإرهاب" أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل بعد تهديداً وشيكاً كبيراً، لكن اللجنة تراقب من كثب إساءة استخدامه، مع الإشارة إلى أن الشركات نفسها توظف التقنية لرصد المحتوى الإرهابي ومنع انتشاره. بين هذين التقديرين يقع الجدل الحقيقي، ليس حول ما إذا كانت التنظيمات ستستخدم هذه الأدوات، بل حول ما إذا كانت المؤسسات المعنية ستتحرك بسرعة تقارب سرعة التقنية ذاتها.