ملخص
حين ظهرت أفلام الخيال العلمي في الصالات السينمائية، كان العالم يبشّر بميلاد سينما حديثة أكثر قدرة على نبذ الواقع وجرأة في التخييل وأصالة في التجريب، بما جعل عديداً من النقاد يعتبرون أنها تمثل قفزة نوعية في تاريخ الفن السابع. بيد أن الباحثين والفنانين والنقاد لم ينتبهوا إلى النموذج التنميطي الذي حاولت هذه الأفلام فرضه على الذوق العام. ذلك أن كثيراً من النقاد الذين مدحوا أفلام الخيال العلمي اعتبروها لاحقاً تشكل "خطراً" على السينما الملتزمة، بسبب البعد الترفيهي الذي كان يظلل سيرة عدد من الأفلام.
تعيش أفلام الخيال العلمي مأزقاً حقيقياً، بعدما تراجعت نسب المشاهدة داخل الصالات السينمائية من لدن الجمهور في العالم، بعدما كان يحظى به هذا النوع السينمائي من اهتمام كبير، سواء من طرف المؤسسات الإنتاجية أو من لدن المتفرج نفسه. إن عدم اهتمام المُشاهد بأفلام الخيال العلمي لا يرجع إلى طبيعة الأفلام وهشاشتها أو عدم قدرتها على الإقناع الجمالي، بل بسبب التحوّل الأنطولوجي الذي شهده الفن السابع عموماً، بعدما أصبح يفرض على شركات الإنتاج التماهي مع التحولات الجمالية والتقنية لتحقيق الربح المادي. فالسينما فن مركب يعتمد على التطور، زئبقي يشهد يومياً عشرات التحولات الجمالية التي تفرض على المخرج السينمائي أن يكون منتبهاً لها، لأنها تمس الصناعة السينمائية وتجعل عملية "نجاح" فيلم لا ترتبط بجودة السيناريو أو أصالة الإخراج، بل أيضاً بعمق الطفرات التقنية التي يشهدها عالم الفن السابع.
تبدو أفلام الخيال العلمي اليوم تقليدية بالنظر إلى النماذج الفيلمية الجديدة المتطورة لا سيما في ظل الذكاء الاصطناعي، بحيث أضحت هذه الأفلام غير مرغوب فيها وتتراجع شيئاً فشيئاً إلى الوراء، مفسحة المجال لسينما جريئة تختبر التقنيات وفي الوقت ذاته تهدّم الأفكار السياسية وتفكك التكتلات الاجتماعية. وعلى رغم أن سينما الخيال العلمي لا يمكن النظر إليها خارج الترفيه، باعتبار هذا الأخير علامة وجودية لهذا النمط السينمائي المبني على الإبهار والاستهلاك، فإنها مع ذلك لم تعد تجد لنفسها موقعاً محترماً داخل سوق الصناعة السينمائية في العالم.
السينما والتشويق
حين ظهرت أفلام الخيال العلمي في الصالات السينمائية، كان العالم يبشّر بميلاد سينما حديثة أكثر قدرة على نبذ الواقع وجرأة في التخييل وأصالة في التجريب، بما جعل عديداً من النقاد يعتبرون أنها تمثل قفزة نوعية في تاريخ الفن السابع. بيد أن الباحثين والفنانين والنقاد لم ينتبهوا إلى النموذج التنميطي الذي حاولت هذه الأفلام فرضه على الذوق العام. ذلك أن كثيراً من النقاد الذين مدحوا أفلام الخيال العلمي اعتبروها لاحقاً تشكل "خطراً" على السينما الملتزمة، بسبب البعد الترفيهي الذي كان يظلل سيرة عدد من الأفلام.
ففي هذا الأفق، حققت سينما الخيال العلمي أرباحاً كبيرة في تاريخ السينما، لأن المُشاهد كان يجد فيها نزوعاً مفرطاً للخيال وسفراً سينمائياً صوب أمكنة لم يكن يمتلك القدرة على تشكيل عالمها بكل ما يطبعه من كواكب ومجرّات. إن سينما الخيال العلمي لعبت دوراً كبيراً في شحذ المتفرج بأدوات فنية ساعدته على تأصيل خياله.
فنحن لا نستطيع أن نحلم ونتخيّل إلا من خلال الصور والمَشاهد واللقطات التي تمنحنا السينما إياها، إذ بفضل هذه المادة البصرية الأولية نستطيع ابتكار صورنا الشخصية عن الأمكنة الموحشة والفضاء وعوالمه اللامتناهية. فهذه الصور السينمائية تستقر في الأذهان وتجعل المخيلة البشرية تعيد إنتاج صور متخيلة لكن بالاستناد إلى المكون البصري للصور السينمائية. لذلك شكلت أفلام الخيال العلمي الأولى صوب الفضاء طفرة فلسفية في خيال الإنسان، إذ ساعدته على فهم ما يوجد خارج مدارات كوكب الأرض. وهو تحوّل وإن كان يبدو لنا عادياً في زمن المنصات والصور والـ"سوشيال ميديا"، فإنه شكل خلال النصف الأول من القرن الـ20 ثورة علمية لعبت السينما دوراً أصيلاً في تقريبها وتبسيطها للناس.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تمتلك أفلام الخيال العلمي إمكانات ثرية وغنية لتجعلنا نتخيل أكثر ونعانق عوالم مغايرة للواقع الذي ننتمي إليه. بيد أن مفهوم التشويق يظل بمثابة العنصر البصري الذي تنطبع به الصورة السينمائية، بحيث يركز عديد من المخرجين داخل هوليوود على العنصر التشويقي، بوصفه هوية بصرية لهذا النوع السينمائي. فكل أفلام الخيال العلمي تراهن على فلسفة التشويق، حيث تستدرج المُشاهد إلى مختلف العوالم كنوع من الإدهاش البصري القائم على التنميط. ذلك أن أفلام الكائنات الخرافية والوحوش القادمة صوب كوكب الأرض، طالما قامت بتجريد الخيال بصورة راديكالية لدرجة تحولت فيها أفلام الخيال العلمي إلى مجرد مشروع سينمائي ترفيهي يدعم "فكر" السينما التجارية المنتجة داخل الاستوديوهات والعاملة على تنميط الإبداع وتسطيح الخيال البشري.
صناعة التنميط
إن هذه الأفلام وإن كانت على مدار نصف قرن حققت نجاحاً تجارياً كبيراً، فإننا لا نعثر لها على أثر جمالي واضح على المستوى السينمائي، باستثناء أنها كانت بمثابة النوع السينمائي الذي عانق الطفرة التقنية التي شهدتها التكنولوجيا في علاقتها بيوميات الفن السابع.
تختلف سينما الخيال العلمي في كونها أسهمت في تطوير الفن السابع من الناحية التقنية، إذ إن مجمل الأفلام المُنتجة عالمياً شهد تطوراً ملحوظاً في استخدام المؤثرات البصرية والصوتية والاعتماد على تقنيات جديدة في المونتاج والتصوير، التي لولا التحول التقني ما كنا سنشهدها بهذا الزخم الذي يطالعنا في سينما الفانتازيا أو الخيال العلمي. الأمر إذن تحكمه عوامل تكنولوجية أكثر من كونها جمالية، لذلك فمنذ عرض أولى هذه الأفلام وجدها المشاهد بعيدة من واقعه المعاش، على رغم ما تضمره من أسئلة وجودية لها صلة وثيقة بالإنسان في العالم ككل. لكن هذه الأسئلة حول الخوف من الإنسان ظلت مشتركة بين كل الأفلام ويتم اعتمادها بطريقة مغايرة من فيلم سينمائي إلى آخر.
لعب أدب الخيال العلمي الذي بدأ في الانتشار منذ النصف الثاني من القرن الـ20 دوراً بارزاً في تقديم صورة أثيرة عن الضياع والخوف من الطبيعة وكل ما هو غامض أو بعيد من مدارات الإدراك العقلي بالنسبة إلى الإنسان. لكن هذا الأدب على رغم نزوعه المفرط صوب الخيال، فإنه لم يلق إقبالاً كبيراً من طرف الأدباء والنقاد الذين اعتبروه أدباً مستلباً كونه لا يعبّر عن هموم البشر ولا علاقة له باليومي. وبخاصة أن تلك المرحلة عرفت سيطرة الأدب الواقعي على الأدب الغربي، إذ راكم عديد من الأدباء متوناً أدبية تفكك المجتمع الغربي وترصد بقوة التحولات التي كان يعرفها المجتمع في ذلك الإبان.
لكن بمجرد انتقال هذا الأدب إلى الشاشة الكبيرة من خلال أفلام قصيرة صامتة بدأ يعيش حياة جديدة، ليس بسبب أهميته الجمالية فقط، وإنما أيضاً بحكم قيمة السينما كوسيط بصري له قدرة على فرضه على الذوق العالم. ومنذ تلك الفترة شكلت أفلام الخيال العلمي تراثاً سينمائياً بالنسبة إلى هوليوود، إذ سنوياً يعثر المرء على مجموعة من الأفلام التي يتم إنتاجها، وهناك مؤسسات إنتاجية تراهن على هذا النمط السينمائي وتجعله يحتل ركيزة أساسها في أجنداتها السينمائية، لأنها تعرف مسبقاً أنها مشاريع سينمائية مربحة تُذهل الناس ويسعون إلى مطاردتها ومعانقتها داخل مهرجانات وصالات سينمائية في العالم ككل.