Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حين تحكم بريطانيا من شاشة الهاتف

منصات التواصل تتسلل إلى أروقة ويستمنسر وتتحول إلى نوافذ النواب والوزراء على الجمهور

رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بيرنهام مستخدم نشط لوسائل التواصل الاجتماعي (رويترز) 

ملخص

منذ أن فتح مكتب رئاسة الوزراء البريطانية حسابه الأول على "تويتر" سابقاً قبل أكثر من 18 عاماً، انتقلت منصات التواصل الاجتماعي في المملكة المتحدة من هامش العمل السياسي إلى قلبه. حسابات الساسة باتت تنافس نشرات الأخبار على جمهور الشباب، وتحول بعضهم إلى صناع محتوى بمعنى الكلمة. ووصول آندي بيرنهام إلى داونينغ ستريت هذا الشهر بأسلوب اتصالي قائم على الفيديو العمودي والتعاون مع المؤثرين، يضع هذه التجربة أمام اختبارها الأصعب.

لم يبدأ حضور السلطة التنفيذية البريطانية على وسائل التواصل الاجتماعي وفق استراتيجية مدروسة، بل بتجربة محدودة. ففي 26 مارس (آذار) 2008 أطلق فريق الاتصال الرقمي في مكتب رئيس الوزراء حساباً على منصة "إكس"، حين كان اسمها "تويتر"، وكانت أولى تغريداته تتابع مشاركة رئيس الوزراء غوردن بروان في قمة حلف "الناتو" المنعقدة آنذاك في بوخارست، بينما ينشغل موظفو داونينغ ستريت بأعمالهم.

النخبة السياسية كانت أبطأ من مؤسسات الدولة في التعامل مع وسائل التواصل، ففي يوليو (تموز) 2009 سئل ديفيد كاميرون في إذاعة (Absolute Radio) عن رأيه في "تويتر"، فأجاب بأنه ليس مستخدماً له، وأن مشكلة المنصة تكمن في فوريتها، مضيفاً عبارة ساخرة تضمنت لفظاً نابياً بحق كثيري التغريد، مما أثار جدلاً واعتذر عنه لاحقاً. الطريف أن كاميرون فتح حسابه في يناير (كانون الثاني) 2010 لكنه لم ينشر تغريدته الأولى إلا في أكتوبر (تشرين الأول) 2012، وفيها وعد بألا يكثر من التغريد.

ثمة دراسة أجرتها شركة (Tweetminster) الناشئة مطلع 2010، وحللت أكثر من 831 ألف تغريدة صادرة عن نواب وأحزاب ومصادر إخبارية بريطانية أظهرت تفوق حزب "العمال" على "المحافظين" في عدد المتابعين وحجم النشاط، مقابل اعتماد المحافظين على ماكينة حزبية مركزية أوسع انتشاراً عند إعادة النشر.

حين جرت الانتخابات العامة في مايو (أيار) 2010 وصفتها صحيفة "اندبندنت" بأنها "انتخابات الناس"، غير أن الحماسة الأكاديمية للنتيجة كانت أقل، إذ أظهر تدقيق مؤسسة "هانسارد" للمشاركة السياسية عام 2014 أن سبعة في المئة فقط من الناخبين اعتبروا المنصات وسيلة فعالة لمحاسبة الساسة.

نقطة التحول الشعبية جاءت عام 2015 مع حملة عرفت باسم (Milifandom)  أطلقتها طالبة في الـ17 من عمرها هي آبي توملينسون، دفاعاً عما اعتبرته صورة مشوهة يقدمها الإعلام عن زعيم العمال حينها، فتصدرت الحملة قوائم التداول على "تويتر". وبعد عامين ظهر الأثر الانتخابي، إذ سجلت صفحة جيرمي كوربن على "فيسبوك" نحو 1.15 مليون إعجاب مقابل 420 ألفاً لرئيسة الوزراء المحافظة تيريزا ماي، و1.17 مليون على "تويتر" مقابل 346 ألفاً لها.

مع انتخابات ديسمبر (كانون الأول) 2019 دخلت المنصات مرحلة الجدل الأخلاقي. ففي 19 نوفمبر (تشرين الثاني) من ذلك العام غير حساب المكتب الصحافي لحزب المحافظين اسمه الظاهر وشعاره خلال مناظرة تلفزيونية ليبدو خدمة مستقلة لتدقيق الحقائق، قبل أن يعيده بعد انتهائها. وقالت إدارة "إكس" إنها ستتخذ إجراءات تصحيحية حاسمة حال تكرار ما وصفته بـ"محاولة تضليل الجمهور"، فيما دافع قياديون في الحزب عن الخطوة باعتبارها جزءاً من طبيعة السجال الرقمي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الانتقال من "إكس" إلى "الريلز" أعاد ترتيب موازين النفوذ الرقمي. زعيم حزب "ريفورم" نايجل فاراج، الذي أنشأ حسابه على "تيك توك" في عام 2022، تجاوز 1.2 مليون متابع وتفوق على بقية الأحزاب والشخصيات البريطانية في التفاعل وعدد المشاهدات. وفي 2024 كانت أربعة من أصل خمسة منشورات سياسية هي الأكثر مشاهدة لنائب بريطاني من نصيبه، وسجل حزبه معدلات تفاعل تقارب 14 ضعف نظيراتها لدى أحزاب العمال والمحافظين والليبراليين. وقدرت دراسة نشرت في يونيو (حزيران) الماضي، متوسط مشاهدات الحسابات المرتبطة بحزب فاراج بنحو 206 آلاف مشاهدة للمنشور الواحد، أي 12 ضعف ما حققه "العمال".

هذا التحول ليس ترفاً اتصالياً بل استجابة لتغير في عادات الجمهور. فبحسب مسح هيئة الاتصالات البريطانية (Ofcom) لعام 2025، ارتفعت نسبة متابعي الأخبار عبر الإنترنت إلى 70 في المئة مقابل 64 في المئة عام 2018، متجاوزة القنوات التلفزيونية التقليدية، وصار 11 في المئة من البالغين يستقون أخبارهم من "تيك توك" بعد أن كانت النسبة واحداً في المئة عام 2020. أما في الفئة العمرية بين 16 و24 سنة فإن 8 من كل 10 يستخدمون المصادر الرقمية، وثلاثة أرباعهم يعتمدون على منصات التواصل تحديداً.

على هذه الأرضية جاء آندي بيرنهام، الرجل الذي فاز في انتخابات فرعية بدائرة "ماكرفيلد" في 18 يونيو الماضي بأغلبية تجاوزت 9 آلاف صوت، صار في 20 يوليو الجاري رئيس الوزراء الـ59 في تاريخ البلاد والسابع خلال عقد، بعد استقالة كير ستارمر إثر أزمة قيادة داخل حزب العمال. ومع دخول بيرنهام المنزل رقم 10 وسط لندن، كان مجموع متابعيه على "تيك توك" و"إنستغرام" و"إكس" و"فيسبوك" قد تجاوز مليوني، بعد نمو أسبوعي بلغ 26 في المئة.

أسبوعه الأول في المنصب كان اختباراً عملياً للنهج الجديد، مقطع بالهاتف المحمول أمام مركز لإيواء المشردين افتتح به يومه الأول، وحصد أكثر من 820 ألف مشاهدة، ثم إعلان عن خفض ضريبة القيمة المضافة على فواتير الطاقة تجاوز مليون مشاهدة، فيما بلغ مقطع الحافلة الذي أعلن فيه تثبيت أجرة النقل عند جنيهين أكثر من مليوني مشاهدة و240 ألف إعجاب. وارتفعت عمليات البحث عن اسمه على "تيك توك" بأكثر من 2000 في المئة يوم توليه المنصب، وزاد عدد متابعيه على المنصة بنحو 73 في المئة خلال سبعة أيام.

الجديد في التجربة أن داونينغ ستريت لم تكتف بحساباتها الخاصة، بل اتجهت إلى التعاون مع صناع المحتوى. فقد شارك بيرنهام العداء البريطاني محمد فرح في جولة ركض بلندن ضمن سلسلة يقدمها الأخير، أعيد نشرها لجمهوره البالغ 1.9 مليون متابع على "إنستغرام"، كما ظهر في حلقة من سلسلة يقدمها صانع محتوى أوكراني يتابعه أكثر من 9 ملايين على "تيك توك". مصدر في داونينغ ستريت قال لهيئة الإذاعة البريطانية إن التوجه سيكون أقل صقلاً وأكثر عفوية مما اعتاده البريطانيون من رؤساء وزراء سابقين.

 

يقف خلف استراتيجية رئيس الوزراء الجديد في التعامل مع وسائل التواصل، آبي توملينسون التي أدارت الاتصال الرقمي في حملة بيرنهام واحتفظت بموقع في إدارته. ولكن زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك وصفت الأسلوب بأنه قائم على الأجواء لا المضمون، ودعت رئيس الحكومة الجديد عبر منصة "ريديت"، إلى عقد مؤتمر صحافي حقيقي ومواجهة الأسئلة الصعبة التي يتبادلها الناس، في إشارة إلى تقليص بيرنهام المقابلات مع الإعلام التقليدي لمصلحة المدونات المصورة وجلسات الأسئلة المفتوحة.

ثمة دراسة أجراها باحثان من جامعة "بورنموث" على استخدام النواب البريطانيين لمنصة "إكس" نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، وجدت أن النائب العمالي توم واتسون كان صاحب أكبر عدد متابعين بين النواب بـ4441 متابعاً، مقابل 63 متابعاً فقط لأدنى النواب حضوراً، وتلاه جون بريسكوت بـ3735، ثم صادق خان بـ2259، وديفيد لامي بـ2189. ولاحظت الدراسة أن أقل من نصف النواب المغردين حينها اتخذوا المنصة جزءاً منتظماً من عملهم السياسي، بينما اكتفى الباقون بتجربة عابرة.

الصدارة اليوم في عدد المتابعين هي من نصيب نايجل فاراج بفارق واضح، وفق مسح أجرته مجلة "سبكتيتور" في مايو الماضي، بلغ مجموع متابعيه على "إكس" و"فيسبوك" و"تيك توك" و"إنستغرام" و"يوتيوب" نحو 7.42 مليون، وأقوى منصتين له هما "إكس" بـ2.3 مليون متابع، و"فيسبوك" بـ2.20 مليون. وجاء كير ستارمر ثانياً بمجموع 4.15 مليون، لكنه يتفوق على فاراج في منصة واحدة بعينها، وهي "إكس"، حيث يملك أعلى رقم فردي على منصة واحدة بـ2.5 مليون متابع.

استخدم فاراج أرقام متابعيه سلاحاً سياسياً حين رد على انتقادات بادينوك في نهاية 2024، عندما اتهمته بعدم فهم العصر الرقمي وهو يملك 5.5 مليون متابع بينما لا تملك هي ثلث المليون، ولكن من المفيد التمييز بين رصيد المتابعين وقوة الوصول الفعلي، لأنهما لا يتطابقان أحياناً، فبيرنهام لا يزال متأخراً في الأرقام المطلقة، إذ لم يتجاوز مجموع متابعيه على المنصات الأربع 1.05 مليون مطلع يوليو، وحسابه على "تيك توك" يقارب 284 ألف متابع، لكن "بلومبيرغ" رصدت في الثالث من الشهر الجاري تفوقه على فاراج من ناحية الانتشار.

في المحصلة، السؤال المطروح على المرحلة المقبلة لا يتعلق بأعداد المتابعين بقدر ما يتعلق بحدود العلاقة بين الحكومة وصناع المحتوى، وبمن يحصل على وصول تفضيلي إلى مصادر القرار، وبكيفية الإفصاح عن الرسائل المدفوعة أو المنسقة. فالمنصات التي أوصلت الساسة إلى الجمهور مباشرة قد تحرر الحكومة من وسطاء الإعلام التقليدي، لكنها تضعها في المقابل أمام سؤال قديم جديد، ما هو الإعلام الحكومي، وأين ينتهي دوره؟

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير